الأمريكتان

الدبلوماسية أولًا.. قراءة في استراتيجية إدارة بايدن للأمن القومي

قدمت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن الوثيقة المؤقتة لاستراتيجيتها الجديدة للأمن القومي، والتي ركزت في جانب منها على أبرز التحديات والأهداف الدولية والإقليمية للولايات المتحدة الأمريكية؛ مثل التهديدات الأمنية العابرة للحدود، وتراجع القيم والمبادئ الديمقراطية، والتهديدات الناشئة عن التغير في ميزان القوة العالمية وتهديد الصعود الصيني. وكذا، تناولت الاستراتيجية المقاربة الأمريكية في التعامل مع مثل هذه التحديات، وملامح سياسة إدارة بايدن الخارجية تجاه القضايا المختلفة. ويتناول هذا التقرير قراءة لأبرز هذه التحديات، وكيف ستبدو السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية في عالم ما بعد ترامب.

العالمية مقابل الانعزالية

خلافًا لمبدأ الانعزالية الذي انتهجته إدارة الرئيس ترامب، أكدت استراتيجية إدارة بايدن أن هناك مجموعة من التهديدات العالمية التي لا تعرف حدودًا أو أسوارًا، ويجب مواجهتها بعمل جماعي، مثل الأوبئة والمخاطر البيولوجية الأخرى، وأزمة المناخ المتصاعدة، والتهديدات السيبرانية والرقمية، والاضطرابات الاقتصادية الدولية، والأزمات الإنسانية الممتدة، والتطرف العنيف والإرهاب، وانتشار الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل الأخرى. ووفقًا للاستراتيجية فإن تلك التهديدات تعد مخاطر وجودية لا يمكن معالجة أي منها بشكل فعال من قبل دولة واحدة تعمل بمفردها، ولا يمكن التعامل مع أي منها بشكل فعال مع الولايات المتحدة على الهامش بمفردها دون الانخراط في تحالفات مع الشركاء المحليين والإقليميين والدوليين.

وهنا يصبح من الأهمية بمكان طرح سؤال وهو: هل يمكن لدول مثل الصين وروسيا أن تنخرط في هذا التعاون الذي تحدثت عنه الاستراتيجية الأمريكية؟ فعلى الرغم من أن جائحة فيروس كورونا المستجد أظهرت أن العالم أجمع في حاجة ماسة إلى التعاون لتخطي أزمة هذا الوباء العالمي الذي حصد أرواح الملايين من البشر، إلا أننا شاهدنا تنافسًا دوليًا شديدًا في إنتاج اللقاحات، بدلًا من توحيد الجهود لمواجهة تحدٍ مشترك عابر للحدود والقارات. 

العودة إلى قيادة النظام العالمي

على عكس شعار “أمريكا أولًا” الذي رفعته إدارة الرئيس الأسبق ترامب؛ رفعت إدارة بايدن شعار “عودة القيادة الامريكية للنظام الدولي”؛ إذ أكدت الاستراتيجية أن الولايات المتحدة سوف تتحرك على وجه السرعة لاستعادة مكانتها القيادية في المؤسسات الدولية، والانضمام إلى المجتمع الدولي لمعالجة أزمة المناخ وغيرها من التحديات المشتركة، هذا بالإضافة إلى استعادة قيادة الولايات المتحدة في مجال الصحة العالمة والأمن الصحي، وبناء الاستعداد الجماعي العالمي، والقدرة على اكتشاف الامراض المعدية والتهديدات البيولوجية ومن ثم احتوائها بسرعة. 

الدبلوماسية أولًا

أكدت الاستراتيجية الارتقاء بالأداة الدبلوماسية كملاذ أول للولايات المتحدة، على أن اللجوء لاستخدام القوة العسكرية يجب أن يكون الملاذ الأخير وليس الأول، وأن تكون الدبلوماسية والتنمية وفن الحكم الاقتصادي الأدوات الرئيسية للسياسة الخارجية الأمريكية، وألاّ تتردد الولايات المتحدة أبدًا في استخدام القوة عند الضرورة للدفاع عن مصالحها الوطنية الحيوية. وهنا توجد مفارقة واضحة عن سياسة الرئيس ترامب الذي لجأ إلى التهديد واستعراض القوة العسكرية والاقتصادية في التعامل مع العديد من الملفات مثل الملف النووي الإيراني.

الصين وروسيا

أقرت إدارة الرئيس بايدن مثل سابقتها للرئيس ترامب بأن الصين وروسيا تمثلان التهديد الرئيس للولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ تسعى الدولتان إلى إنهاء القيادة الأمريكية على العالم، وتغيير موازين القوة العالمية.

 وقد كان للصين نصيب الأسد من الاستراتيجية التي نصت على أن الصين -على وجه الخصوص- أصبحت المنافس الوحيد القادر على الجمع بين قوتها الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية لتشكيل تحدٍ مستدام لنظام دولي مستقر ومنفتح. وقد أكدت الاستراتيجية أن الولايات المتحدة ستعمل على مواجهة التحدي الصيني والممارسات التجارية غير المشروعة، والممارسات الاقتصادية القسرية التي تضر بالعمال الأمريكيين. 

وفى مقابل هذه السياسة الحاسمة أقرت الاستراتيجية بأن إدارة بايدن ترحب أيضًا بالتعاون مع الحكومة الصينية في بعض من القضايا، مثل تغير المناخ، والأمن الصحي العالمي، والحد من التسلح. 

ويلاحظ من قراءة الاستراتيجية أن ما يميز سياسة إدارة بايدن عن سابقتها في التعامل مع التهديد الصيني، هو أن الأولى أضافت البعد الأيديولوجي للتهديد الصيني، وأصبح التنافس مع الصين استراتيجيًا من ناحية وأيديولوجيًا من ناحية أخرى. 

وكذلك يظهر التباين بين الإدارتين في سياسة كل منهما تجاه روسيا، فبينما كانت العلاقات ودية مع الرئيس الروسي في عهد ترامب، توترت العلاقات الأمريكية والروسية مع بداية حكم إدارة بايدن، وآخر مؤشرات ذلك تبادل فرض العقوبات بين البلدين مؤخرًا، في وقت واصلت العلاقات بينهما تدهورها على خلفية اتهامات الولايات المتحدة لروسيا بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2020، والتجسس وتنفيذ هجمات إلكترونية.

تجنب سباقات التسلح المكلفة

تحدثت الاستراتيجية عن تصدي الولايات المتحدة للتهديد الوجودي الذي تشكله الأسلحة النووية، وسباقات التسلح المكلفة، وإعادة ترسيخ مصداقيتها كقائد في الحد من التسلح، الأمر الذي يتطلب منها الانخراط في حوار هادف مع كل من روسيا والصين بشأن التطورات التكنولوجية العسكرية الناشئة التي تؤثر بدورها على الاستقرار الاستراتيجي.

ووفقًا للاستراتيجية ستكون القيادة الأمريكية لمنع الانتشار ضرورية أيضًا لتقليل المخاطر التي تشكلها الأسلحة النووية. فمن خلال العمل مع الحلفاء والشركاء؛ ستواصل الولايات المتحدة دبلوماسيتها القائمة على المبادئ لمعالجة البرنامج النووي الإيراني وأنشطته الأخرى المزعزعة للاستقرار في المنطقة، هذا بالإضافة إلى تقليل التهديد الذي تشكله برامج كوريا الشمالية النووية والصاروخية المتزايدة، والوقوف جنبًا إلى جنب مع جمهورية كوريا واليابان، فضلًا عن تجديد الجهود لعزل المواد الانشطارية والإشعاعية في جميع أنحاء العالم.

الشرق الأوسط

فيما يتعلق بالتعامل مع ملفات الشرق الأوسط بدا من الاستراتيجية أن هناك اختلافًا واضحًا بين إدارة بايدن وإدارة ترامب في معالجة قضايا هذه المنطقة؛ إذ تبدلت استراتيجية الردع في عهد ترامب إلى استراتيجية الاحتواء في ظل إدارة بايدن التي أكدت أنها ستستخدم الأداة الدبلوماسية في التعامل مع أبرز ملفات الشرق الأوسط، ولا سيما تحدي النشاط النووي الإيراني والذي وصفته الاستراتيجية بأنه مزعزع للاستقرار في المنطقة.

وقد أكدت الاستراتيجية أن إدارة بايدن ستعمل مع الشركاء الإقليميين لردع العدوان الإيراني، ومكافحة الجماعات الإرهابية ومنع عودة داعش، ومعالجة الأزمات الإنسانية في مناطق الصراع. وستقوم بتصحيح حجم الوجود العسكري الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، فضلًا عن الالتزام الصارم بأمن إسرائيل وتشجيع السلام بينها وبين دول المنطقة، واستئناف دور البيت الأبيض كمشجع لحسم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

مكافحة الإرهاب

تناولت الاستراتيجية ملف مكافحة الإرهاب، وأكدت على أن مكافحة الإرهاب الدولي تعد ضمن الأولويات الاستراتيجية لواشنطن، وأبدت الاهتمام الشديد من إدارة الرئيس بايدن بمحاربة نشاط التنظيمات الإرهابية، ولا سيما تنظيمي داعش والقاعدة. 

وأشارت الاستراتيجية إلى أنه يجب على الولايات المتحدة ألا تخوض “حروبًا أبدية” كلفت آلاف الأرواح وتريليونات الدولارات، وأنها ستعمل على إنهاء أطول حرب أمريكية في أفغانستان بشكل مسؤول، مع ضمان ألا تصبح أفغانستان مرة أخرى ملاذًا آمنًا للهجمات الإرهابية ضد الولايات المتحدة.

وفى هذا الصدد، أعلن الرئيس بايدن خلال شهر أبريل الجاري أنه سيبدأ سحب القوات الأمريكية من أفغانستان اعتبارًا من أول مايو المقبل لإنهاء أطول حرب أمريكية استمرت على مدار العقدين الماضيين. وفى خطاب ألقاه في البيت الأبيض، أقر بايدن بأن أهداف الولايات المتحدة في أفغانستان “أصبحت غامضة على نحو متزايد خلال العقد المنصرم”، وحدد مهلة لسحب جميع القوات الأمريكية المتبقية في أفغانستان والبالغ عددها 2500 في موعد أقصاه 11 سبتمبر المقبل، وذلك بالتزامن مع الذكرى الـ20 لوقوع هجمات 11 سبتمبر التي نفذها تنظيم القاعدة في الولايات المتحدة الأمريكية انطلاقًا من أفغانستان.

وذكر بايدن في خطابة “أنه رابع رئيس للولايات المتحدة يترأس وجود القوات الأمريكية في أفغانستان، وأنه لن ينقل هذه المسؤولية إلى رئيس خامس، وأنه قد حان الوقت لإنهاء أطول حرب خاضتها أمريكا، وحان وقت عودة القوات الأمريكية إلى الوطن”.

وفيما يتعلق بحجم القوات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، أشارت الاستراتيجية إلى ان واشنطن ستقوم بتصحيح حجم وجودها العسكري إلى المستوى المطلوب لتعطيل الشبكات الإرهابية الدولية وردع العدوان الإيراني وحماية المصالح الأمريكية الحيوية الأخرى.

أفريقيا

بدا من الاستراتيجية أن إدارة بايدن انتبهت إلى التوغل الصيني في القارة السمراء على حساب النفوذ الأمريكي، ولذا سعت إلى استعادة النفوذ الأمريكي في أفريقيا مرة أخرى من خلال بناء الشراكات، والاستثمار في المجتمع المدني، وتعزيز الروابط السياسية والاقتصادية والثقافية طويلة الأمد.

وجاء في الاستراتيجية أن واشنطن ستشارك مع الاقتصادات الأفريقية الديناميكية وسريعة النمو، وستقدم المساعدة للبلدان التي تعاني من سوء الإدارة والظروف الاقتصادية والصحية السيئة وانعدام الأمن الغذائي الذي تفاقم بسبب الوباء. وستعمل على إنهاء أكثر النزاعات دموية في القارة ومنع نشوب نزاعات جديدة، مع تعزيز التزامها بالتنمية والأمن الصحي والاستدامة البيئية والتقدم الديمقراطي وسيادة القانون. فضلًا عن مساعدة الدول الأفريقية على مكافحة التهديدات التي يشكلها تغير المناخ والتطرف العنيف.

مجمل القول، على الرغم مما يتضح من تباينات في استراتيجية إدارتي بايدن وترامب في التعامل مع العديد من الملفات إلاّ أن جوهرها يهدف في نهاية المطاف إلى خدمة المصالح الأمريكية على كافة المستويات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى