السودان

تاريخ بني شنقول.. إقليم سوداني تحت الاحتلال الإثيوبي

شهدت إثيوبيا تطورات جديدة في مجال الحركات المتمردة خلال أبريل 2021، على ضوء سيطرة جماعة مسلحة على مناطق بولاية بني شنقول-جومز شمال إثيوبيا. وقد أتى الخبر بشكل مفاجئ للمراقبين الذين صبوا اهتمامهم حيال حركات التمرد في أقاليم تيجراي والأمهرة وأوروميا.

وللمفارقة فإن إقليم بني شنقول له تاريخ في التمرد أكثر من باقي الأقاليم الإثيوبية، ويعود ذلك إلى حقيقة أن إثيوبيا الحالية هي جغرافيا من إنتاج الاستعمار الغربي في القرن التاسع عشر، حينما قام بضم عدد من الدول والشعوب الأفريقية إلى إثيوبيا من أجل تضخيمها وجعلها منافسًا إقليميًا محتملًا لمصر في حوض النيل.

شعوب أفريقية وليست إثيوبية

إن أغلب ما يطلق عليه “الشعوب الإثيوبية” اليوم ما هو إلا شعوب أفريقية تقع تحت الاحتلال الإثيوبي أو “الاستعمار الأسود” كما أطلق عليه سكان تلك الأقاليم لتمييزه عن الاستعمار الأوروبي الذي كان يطلق عليه “استعمار الرجل الأبيض”، ولكن بني شنقول تتميز عن باقي الأقاليم الأفريقية المحتلة بأنها كانت تابعة للسودان ثم مصر قبل أن تقوم إنجلترا بسلخها عن العالم العربي وضمها إلى إثيوبيا.

إمارات بني شنقول السودانية

تاريخيًا كانت تلك المنطقة جزءًا من السودان، ولعبت دورًا رئيسًا في تاريخ سلطنة الفونج (1521-1804) السودانية، وسكانها هم قبائل سودانية يطلق عليها “برتا” او “برثا”، وقد هاجروا من شرق السودان إلى بني شنقول خلال القرن السادس عشر والسابع عشر. وخلال القرن التاسع عشر كانت بني شنقول مثل الكثير من الدول الأفريقية تضم عدة شياخات (إمارات والمفرد إمارة او مشيخة) ولكل إمارة شيخ يباشر أعماله بوصفه حاكم تلك المنطقة بشكل مستقل دون وصاية من أحد.

C:\Users\user\AppData\Local\Microsoft\Windows\INetCache\Content.Word\Benishangul_People's_Liberation_Movement_Flag.gif

ولم يكن ذلك الوضع غريبًا على السودان الذي لم يعرف طيلة تاريخه القديم معني الحكومة المركزية، بل كان إمارات وشياخات وممالك قبائلية صغيرة، بعضها محسوب على السودان التاريخي، والآخر مناطق أفريقية يقطنها قبائل سودانية وأفريقية مشتركة كما الحال مع دارفور.

بني شنقول تحت السيادة المصرية

وبعد سيطرة مصر في عصر محمد علي على السودان، بدأت السلطات المصرية في إرسال الجيش المصري إلى المناطق البعيدة ودخولها سلمًا بالاتفاق مع زعماء تلك الشياخات والإمارات السودانية والأفريقية على وضعها تحت الحماية المصرية. وبالفعل فإن مصر بحلول عام 1868 اتفقت مع زعماء قبائل بني شنقول على بسط الحماية المصرية على الإقليم ورفع العلم المصري واعتبار بني شنقول جزءًا من مديرية/محافظة خط الاستواء المصرية.

بني شنقول تحت الاحتلال البريطاني

مع سقوط مصر والسودان تحت الاحتلال الإنجليزي، وتحديدًا سقوط أم درمان في يد الإنجليز عام 1898، دخلت القوات الإثيوبية إقليم بني شنقول، وبحلول عام 1902 جرى الاتفاق بين إثيوبيا والإدارة الإنجليزية للسودان على أن تقوم أديس أبابا باستئجار الإقليم!

المكتشف والجغرافي وخبير علم الطيور الألماني مارتن تيودور فون هيوجلين (1824 – 1876) Theodor von Heuglin سجل مصرية تلك المناطق عبر مؤلفاته وعبر الخرائط التي رسمها، ولعل أبرز ما كتبه في هذا المضمار كتابه “رحلة في شمال شرق أفريقيا عام 1877”. Reise in Nordost-Afrika (1877)

ولهذا السبب يعد إقليم بني شنقول ملكًا لمصر وإن كانت السيادة للسودان بحسب القوانين الدولية، ولكن عدم مطالبة السودان بهذا الإقليم قد رسخ انتماءه لإثيوبيا، وهذا غير صحيح تاريخيًا. وعاني الشنقوليون من الاحتلال الإثيوبي الذي نظر إلى بني شنقول بوصفها دولة عربية مسلمة مصرية سودانية يجب إخضاعها ومحو ثقافتها، وبحلول عام 1931 بدأت أولى ثورات بني شنقول ضد الاحتلال الإثيوبي، وهي الثورة التي لم تتوقف حتى اليوم.

بني شنقول تحت الاحتلال الإيطالي

ومع الاحتلال الإيطالي لإثيوبيا، قامت إنجلترا بتأسيس وتدريب وتسليح فيلق عسكري من شباب بني شنقول تحت اسم “باندا فونج”، شارك في مقاومة الاحتلال الإيطالي، ومع حلول خمسينات القرن العشرين وبدء الترتيبات الدولية لفصل السودان عن مصر عبر استفتاء تقرير المصير ، زار وفد وطني من بني شنقول العاصمة السودانية الخرطوم من أجل طلب الانضمام إلى الجمهورية الوليدة، وأن يسعى زعماء استقلال السودان إلى رفع قضية بني شنقول إلى الأمم المتحدة وبدء محادثات مع الجانب الإثيوبي لحسم هذه القضية على ضوء أن إجراءات استئجار أديس أبابا لمنطقة بني شنقول قد حددتها بفترة زمنية لا تتجاوز 25 عامًا وهو أمر انتهى منذ الثلاثينيات.

بني شنقول تحت الاحتلال الإثيوبي

ولكن زعماء الاستقلال السودانيين كان أقصى طموحاتهم لا يتجاوز الخرطوم وضواحيها، كان السودان كبيرًا على احلامهم، وهو أمر لازم لاحقًا أغلب حكام السودان الذين تفاجأوا بأن للسودان شعوب تطالب بجمهورية جنوب السودان وجمهورية السودان الوسطي وجمهورية شرق السودان وجمهورية دارفور!

بعد أن تخلى قادة الاستقلال السوداني عن بني شنقول في الخمسينات، استمر النضال الشنقولي إلى أن حصل على دعم من السودان خلال تسعينات القرن العشرين، وقد حاول تنظيم الإخوان في السودان ممارسة الأسلمة والأخونة على حركات التمرد/التحرير الشنقولي دون جدوى.

شاركت حركات تحرير بني شنقول في الحرب الأهلية الإثيوبية (1974 – 1991)؛ بغية إسقاط النظام الشيوعي الديكتاتوري. وللمفارقة فإن المجتمع الدولي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي وكذا مصر والسودان قد أشرفوا على استقلال إقليم إريتريا عن إثيوبيا وضمان حقوق الشعوب الأفريقية تحت مظلة الفيدرالية الإثيوبية عدا بني شنقول التي تم نسيانها مرة أخرى من صناع القرار في القاهرة والخرطوم!

وبني شنقول هو نطق محرف للاسم الأصلي، بلا شنقول أو بلاد شنقول، تعني في اللغة الدنقلاوية النهرية القديمة “بلاد الذهب” على ضوء أنها منجم ذهب لا ينضب منذ قرون، وسكان الإقليم يتحدثون العربية إلى جانب بعض اللهجات السودانية، وهم سودانيين في المأكل والملبس والعادات والتقاليد والشكل العام والامتداد القبائلي داخل السودان، ولا يوجد ما يجمعهم مع الشعوب الأفريقية في إثيوبيا أي شيء مما سبق باستثناء الوقوع تحت الاحتلال الإثيوبي.

الرئيس الإثيوبي منجستو هيلا مريام حينما زار “أصوصا” عاصمة بني شنقول لأول مرة، قد صدم تمامًا عند لقاء تلك الجماهير، حيث التفت إلى قائد طائرته قائلاً: “هل ضللت الطريق إلى مدينة سودانية؟!”.

ومنذ التسعينات بدأت المقاومة الشنقولية في ترتيب نفسها عبر حركات منظمة، مثل الحركة الشعبية لتحرير بني شنقول Benishangul People’s Liberation Movement، أو حركة تحرير شعوب بني شنقول.

مستقبل الأزمة في بني شنقول

منذ انتهاء الحرب الأهلية عام 1991، تحكم إثيوبيا نخبة وصفت بالفساد وشهدت إثيوبيا انتفاضات شعبية، وعكس ادعاءات الإعلام الإثيوبي وبالتبعية الإعلام الدولي، فهي ليست ثورات من أجل الاستقلال العرقي أو القومي، بل هي ثورات ضد فساد النخبة الإثيوبية بغض النظر عن عرقية أو قومية الحاكم؛ إذ إن حكام إثيوبيا منذ عام 1991 لليوم ينتمون إلى قوميات الأمهرة والتيجراي والأورومو، وثلاثتهم مع بني شنقول قد حملوا السلاح وصنعوا الثورات الشعبية الواحدة تلو الأخرى حيال نخبة أديس أبابا.

إن الحل الأمثل للوصول إلى إثيوبيا مستقرة، هو الذهاب إلى استفتاء تقرير المصير في الأقاليم الإثيوبية الثائرة والمضطربة، وإلى كل شعب أفريقي يقع تحت الاحتلال الإثيوبي، لأن مسألة تفكيك الفيدرالية الإثيوبية أصبحت مسألة وقت على ضوء تلك الاضطرابات الشعبية ضد الفساد قبل أن تكون ضد الاحتلال، وبالتالي فإنه حان الوقت لعقد مؤتمر دولي حيال إثيوبيا لإنهاء تلك الترتيبات التي وضعها الاستعمار البريطاني في القرن التاسع عشر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى