الاقتصاد الدولي

الأونكتاد: كورونا والتجارة الإلكترونية… نظرة عالمية

نشر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) تقريرًا بتاريخ الحادي عشر من مارس 2021 حول تداعيات فيروس كورونا على التجارة الإلكترونية حول العالم خلال العام الماضي والتي شهدت ازدهارًا ملحوظًا بسبب اتجاه المستهلكين والشركات إلى الحلول الرقمية لمواصلة بعض الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية عن بُعد، فعلى الرغم من الركود العالمي، إلا أن الوباء قد أدى إلى المزيد من التسارع نحو التحول الرقمي. وفيما يلي عرضًا لهذا التقرير.

أهمية متزايدة للاقتصاد الرقمي 

مع تفشي فيروس كورونا وبروز تداعياته على التنمية الاقتصادية والاجتماعية العالمية، ظهرت أهمية الاقتصاد الرقمي كمحرك أساسي للانتعاش الاقتصادي العالمي؛ إذ يلعب الاقتصاد الرقمي والتجارة الإلكترونية دورًا متزايدًا في الجهود المبذولة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة (SDGs) ، مما يوفر فرصًا جديدة أمام الدول لتحقيق تلك الأهداف وتخفيف حدة تداعيات فيروس كورونا.

وتوفر التجارة الإلكترونية مجال أكبر لعرض المنتجات في كل من الأسواق المحلية والعالمية أمام شركات الأعمال والشركات التجارية، كما إنها تساعد على تهيئة وتطوير المنتجات وفقاً لرغبات المستهلكين مما يساعد الشركات على الوصول إلى قاعدة أكبر من المستهلكين.

وشهد العقد الماضي انتقالًا متسارعًا نحو الاقتصاد الرقمي الذي تلعب فيه الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات دورًا متزايدًا في إنتاج واستهلاك وتبادل غالبية السلع والخدمات. وتختلف تقديرات حجم الاقتصاد الرقمي وفقًا لطريقة الحساب وأداة القياس؛ إذ تتراوح نسبته من 4.5% إلى 15.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وكان النمو في الاقتصاد الرقمي مدفوعًا بعدة عوامل رئيسية، من بينها؛ تسارع وتيرة الابتكار الرقمي، وزيادة اتصال الدول بشبكة الإنترنت العالمية، مع ظهور العديد من المنصات التي تسهل حركة البيع والشراء الإلكترونية.

 وقد أبرزت جائحة كورونا أهمية معالجة الحواجز التي تعترض التجارة الإلكترونية من أجل الاستفادة من الفوائد الناتجة عنها، والتعامل مع الجوانب السلبية المحتملة للتحول الرقمي.

ومع ذلك ، فإن نمو التجارة الإلكترونية يعوقه في العديد من البلدان النامية مجموعة من الحواجز في البنية التحتية والتمويل والموارد والحوكمة، ومن المرجح أن تستطيع هذه البلدان تعظيم الاستفادة الناتجة عن التجارة الإلكترونية من خلال التغلب على تلك الحواجز ووضع أطرًا قانونية تساهم في تسهيل حركة التجارة عبر الإنترنت.

اتجاهات عالمية وإقليمية

ساهمت القيود المفروضة على حركة السفر والطيران وحظر التجوال والإجراءات الاحترازية الأخرى الهادفة للحد من انتشار الفيروس إلى خفض النشاط الاقتصادي في معظم القطاعات والبلدان، مما أثر على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، ولذا نمت حركة التجارة الإلكترونية بشكل ملحوظ. ويُمكن عقد المقارنة الآتية لتسليط الضوء على تداعيات الوباء على التجارة الإلكترونية.

قبل انتشار وباء كورونا:

تضرر الاقتصاد العالمي بشدة جراء الأزمة المالية العالمية 2007/2008، وهي أشد صدمة يمر بها العالم منذ أكثر من سبعين عاماً، حيث تسببت الأزمة في حدوث تراجع كبير في حجم التجارة الدولية.  ولذا شهد الانتعاش الاقتصادي العالمي تباطؤ بين عامي 2009 و 2019، في حين نما الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو 2.85% بين عامي 2015 و 2019. وقد أظهرت بيانات الأمم المتحدة نموًا اقتصاديًا بنحو 1.7% في البلدان المتقدمة خلال عام 2019 ، مباشرة قبل انتشار الجائحة ، مقارنة مع 3.4% في البلدان النامية.

ولكن كان اتجاه التجارة العالمية إيجابيًا خلال السنوات الأخيرة؛ إذ نمت تجارة السلع العالمية بمتوسط سنوي يبلغ نحو 6.2% بين عامي 1990 و 2007، وبنسبة 2.3% سنويًا بين عامي 2012 و 2019. وبالانتقال إلى التجارة الإلكترونية، تشير التقديرات إلى أن نسبة المتسوقين عبر الإنترنت قد ارتفعت من 17% خلال عام 2016 إلى 23 % بحلول عام 2018.

عقب انتشار كوفيد-19:

أسفرت عمليات إغلاق الحدود في الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي- المسؤولة بشكل جماعي عن ما يقرب من ثلثي الواردات والصادرات العالمية – عن آثار سلبية على سلاسل التوريد الدولية، مما قلل من حجم البضائع المتبادلة بين الدول وبعضها البعض. ولهذا ظهرت أهمية تطوير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في مساعدة النشاط الاقتصادي على الاستمرار.

ورغم انخفاض حجم التجارة بنحو  18% بحلول مايو 2020 مقارنة بنفس الشهر من العام السابق، إلا أن بعض منصات التجارة الإلكترونية قد شهدت تحسنًا ملحوظًا في أدائها المالي، فعلى سبيل المثال، سجلت “أمازون” نموًا في إيرادات مبيعاتها الدولية بنحو 35% خلال الربع الثالث من 2020، كما شهدت “جوميا” زيادة في حجم المعاملات على منصتها للتجارة للإلكترونية تجاوزت نسبتها 50%  على أساس سنوي خلال أول ستة أشهر من 2020 من 3.1 مليون معاملة إلى 4.7 مليون معاملة.

وعن الدول، فقد ارتفعت حصة التجارة الإلكترونية من إجمالي التجارة بالتجزئة العالمية في الولايات المتحدة من 11.8% إلى 16.1% بين الربع الأول والثاني من 2020، وفي المملكة المتحدة من 20.3% إلى 31.3% خلال نفس الفترة. وفي الصين ، ارتفعت حصة مبيعات التجزئة عبر الإنترنت من 19.4% خلال أغسطس 2019 إلى 24.6% بحلول نفس الشهر من 2020.

كما قفز عدد تنزيلات تطبيقات التسوق بنسبة 60% في تايلاند خلال شهر مارس، وارتفعت نسبة المبيعات عبر الإنترنت في الأرجنتين بنحو 63% خلال النصف الأول من عام 2020، وتشير البيانات الواردة من تشيلي إلى حدوث زيادة في حصة مبيعات التجارة الإلكترونية من 5% إلى 16% بين مايو 2019 و 2020.

التوصيات الرئيسية لتعزيز التجارة الإلكترونية

تواجه بعض الدول تحديات متعددة إما بسبب تراجع جودة شبكة الاتصالات لديها وعدم اتصال جميع الأفراد بشبكة الإنترنت العالمية فضلًا عن تراجع مستوى اللوجستيات أو بسبب عدم تقبل بعض الأفراد لفكرة الاقتصاد الرقمي مع انتشار بعض المخاوف حول التعامل مع منصات البيع والشراء عبر الإنترنت، ولذا رصد تقرير (الأونكتاد) بعض التوصيات لتعزيز التجارة الإلكترونية:

  • يتعين على الحكومات السعي لنشر مفهوم الاقتصاد الرقمي لدى المستهلكين وتشجعيهم إلى الاتجاه للتجارة الإلكترونية مع ضمان توفير الحماية الكاملة لبياناتهم الشخصية.
  • رفع الوعي بفوائد معاملات التكنولوجيا الرقمية بين التجار والمستهلكين.
  • تمكين الشركات المحلية من إطلاق منصاتها الخاصة بهدف تجنب مزيد من التخلف عن المنافسين من البلدان الأكثر تقدمًا، كما  تحتاج الشركات في البلدان النامية إلى أن تصبح مجهزة بشكل أفضل للمشاركة في الاقتصاد الرقمي.
  • دعم الجهود المبذولة لتطوير مهارات رائدات الأعمال وقدراتهن على الانضمام إلى منصات التجارة الإلكترونية والمشاركة بشكل أكثر فعالية في سلاسل التوريد.
  •  يجب على البنوك مراجعة شروط الإقراض، عن طريق تكييفها مع احتياجات الاقتصاد الرقمي الناشئ والابتكار والتجارة الإلكترونية.
  • زيادة الاستثمارات  والشراكات بين القطاعين العام والخاص والتعاون مع الوكالات الدولية ، لتحسين وضع شبكة الإنترنت في المناطق المحرومة من الاتصال بالعالم.
  • اتخاذ خطوات جادة لتقليص الفجوات الرقمية بين البلدان ، ولا سيما الفجوة الموجودة بين الجنسين.

وفي الختام، تشير جميع التوقعات إلى ازدياد نمو حركة التجارة الإلكترونية خلال السنوات المقبلة حتى مع إعادة افتتاح الاقتصاد بشكل كامل وتوزيع لقاح كورونا بين الدول بسبب إدراك الحكومات والأفراد أهمية الاتجاه للحلول الرقمية في جميع مناحِ الحياة كالتعليم عن بُعد وعقد الاجتماعات الافتراضية وشراء السلع والخدمات عبر الإنترنت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى