أوروبا

“فورين أفيرز”: المستشارة الاستثنائية نموذج ميركل وحدوده

عرض – ايه عبد العزيز

تطرق العدد الجديد من مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية الذي يحمل عنوان “الحرب التجارية الصراع على مستقبل الاقتصاد العالمي” إلى المشهد السياسي الألماني بالتزامن مع اقتراب انتهاء الولاية الرابعة للمستشارة الثامنة لألمانيا “إنجيلا ميركل” –تعد الزعيمة الأكثر ثقة في العالم وفقًا للاستطلاع للرأي أجراه مركز بيو عام 2020، كما صنفتها مجلة فوربس على أنها أقوى امرأة في العالم لمدة عشر سنوات متتالية- والتي من المقرر أن تنتهي بالانتخابات الوطنية في 26 سبتمبر 2021، وذلك في مقالة بعنوان “المستشارة الاستثنائية.. نموذج ميركل وحدوده“، كتبها “كونستانز ستيلزينمولر“، رئيس فريتز ستيرن لشئون ألمانيا والعلاقات عبر الأطلسي، وزميل أول في مركز معهد بروكينجز حول الولايات المتحدة وأوروبا.

وعلى الرغم من أن “ميركل” -البالغة من العمر 66 عامًا- لا تزال السياسية المفضلة في بلادها، إلا أن الموافقة العامة على حكومتها تراجعت بشكل حاد مع تنامي الإحباط من الإدارة العشوائية للوباء. وبالتالي، فإن نهاية عهد “ميركل” الذي يلوح في الأفق يُثير عدد من الأسئلة: هل هي قابلة للتكرار؟ وهل جعلت فترة ولايتها ألمانيا وجيرانها وحلفائها في وضع أفضل؟ وهل هيأت بلادها للمستقبل؟، علاوة على إنها تحمل دروسًا مهمة ليس أقلها لأولئك الذين يسعون حاليًا لخلافتها.

نهج “ميركل” 

وفقًا للمقالة بدأت “ميركل” مسيراتها السياسية بعد إعادة توحيد جدار برلين عام 1989، وانضمامها إلى الحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وقد تم تعينها بعد ذلك وزيرة المرأة والشباب في حكومة المستشار “هيلموت كول”، وبعدها أصبحت وزيرة للبيئة، وبعد ست سنوات، أصبحت أول امرأة من ألمانيا الشرقية تنتخب كمستشارة في عام 2005. منذ ذلك الحين، نجت “ميركل” من سلسلة مُتتالية من الاضطرابات الداخلية والخارجية، بما في ذلك الأزمة المالية لعام 2008 وانهيار منطقة اليورو الذي أعقبها، وضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014 وغزو أوكرانيا، وأزمة اللاجئين عام 2015، وصعود اليمين المتطرف، والآن جائحة كوفيد -19. 

وأفادت المقالة أن استمرارها في السلطة لفترات طويلة مكّنها من التوسط في تسويات لا حصر لها في مؤتمرات قمة الاتحاد الأوروبي ومجموعة السبع ومجموعة العشرين، بالإضافة إلى تجميع أربع حكومات ائتلافية في الداخل (ثلاث مع يسار الوسط من الديمقراطيين الاجتماعيين وواحدة مع الديمقراطيين الأحرار المؤيدين للأعمال التجارية). هذا بجانب اعتمدها على فريقها من الموالين لها والذين عملوا معها لسنوات ويمكنها الثقة فيهم وفي تقديرهم وانضباطهم وهو ما يساعدها في نقل المسئولية لهم. بالإضافة إلى سعيها إلى تقييم سياساتها والاستجابة لمزاج قاعدتها؛ إذ قامت بتثبيت مكانتها في بلاد من خلال تبنيها خطاب إصلاحي اقتصادي ليبرالي في مؤتمر للحزب في عام 2003. وعندما أصبح من الواضح أن هذا كان تغييرًا كبيرًا بالنسبة للمندوبين وقد يكلفها منصب المستشارية، تراجعت عن ذلك بسرعة. 

وأوضحت المقالة أن هذا لا يعني إنها لم تتبنى سياسات مخالفة للتيارات الداخلية، فخلال الأزمة المالية لعام 2008، أظهرت الدراسات الاستقصائية أن الألمان عارضوا بشدة عمليات إنقاذ الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. لكنها عارضت بشدة حزبها والرأي العام من خلال الدفع بحزم الإنقاذ والإصرار على بقاء اليونان في منطقة اليورو، فضلاً عن سياسة اللجوء التي أدت إلى صعود اليمين المتطرف.  

إرث حيوي

تساءلت المقالة هل تستحق أن تُدعى “ميركل” مستشارة عظيمة؟ مُوضحةً إن هناك ثلاثة من ثمانية مستشارين بعد الحرب يستحقون هذا اللقب: “كونراد أديناور” الذي تم ادعاءه بالعظمة لكونه هو الذي رسخ جمهورية ألمانيا الغربية في التحالف عبر الأطلسي من خلال الانضمام إلى الناتو والمصالحة مع فرنسا وإسرائيل، و”ويلي برانت” من خلال إرثه وسعيه للانفراج على الاتحاد السوفيتي، وطلبه للصفح من أوروبا الشرقية، ونزل على ركبتيه في الحي اليهودي في وارسو، و”هلموت كول” الذي قاد إعادة التوحيد وتخلي عن المارك الألماني من أجل العملة الموحدة “اليورو” مما أدى إلى ترسيخ دولة موحدة في الاتحاد الأوروبي.

واستكملت المقالة بالنظر إلى “ميركل” فقد انتهجت عدد من السياسات الداخلية والخارجية ومع ذلك، فإن ادعاءاتها بالعظمة غير حاسمة، ربما لأن الكثير من الإنجازات المهمة في فترة ولايتها جاءت متراجعة وأكثر قتامة، وعليه يمكن التطرق إليها على النحو التالي: 

  • سياسيًا: عملت “ميركل” على تعزيز مكانة حزبها، وترأست التوسع الاستثنائي للقوة الاقتصادية والسياسية الألمانية في أوروبا، ودافعت عن المشروع السياسي الأوروبي. في المقابل اتهمها الليبراليون في جميع أنحاء القارة بأنها تغض الطرف عن التراجع الديمقراطي في بولندا والاستبداد الكامل في المجر. كما شعرت رؤساء الوزراء البريطانيين، من “ديفيد كاميرون” إلى “بوريس جونسون” بالفزع بسبب رفض “ميركل” المهذب دفع أي ثمن لمنعهم من الطلاق من الاتحاد الأوروبي. فيما أصيب الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” بخيبة أمل شديدة لعدم إعجابها بأفكاره الخاصة بعملية التكامل الأوروبي.
  • اقتصاديًا: قبل الجائحة احتل الاقتصاد الألماني المركز الرابع عالميًا، مع ارتفاع حاد في مستويات المعيشة، والتوظيف شبه الكامل، وفوائض في الميزانية الحكومية، وكانت سياساتها الاقتصادية ملائمة للأعمال بشكل ملحوظ، لكنها فشلت في الضغط من أجل التكيف التكنولوجي المطلوب بشكل عاجل في الصناعات الرئيسية أو تحديث البنية التحتية المادية والرقمية. كما كشفت سلسلة من الفضائح عن ثقافة مؤسسية معيبة ومقاومة للمساءلة والرقابة، الأمر الذي يجعل الاقتصاد الألماني عرضة بشكل كبير للتدفقات المالية غير المشروعة. وأوضحت المقالة أن دول جنوب أوروبا استاءت من سياسات التقشف التي فرضتها برلين خلال أزمة منطقة اليورو، وألقت باللوم عليها في صعود الشعبويين في أثينا وروما. في المقابل، كانت بعض دول شمال أوروبا ودول البلطيق المقتصدة تطالب بإخراج اليونان من منطقة اليورو في أعقاب أزمة ديونها.
  • تغير المناخ: ذكرت المقالة أن “ميركل” سعت للحصول على لقب “مستشارة المناخ” من خلال دعوتها لسياسات المناخ العالمية التقدمية، إلا أن سياساتها المناخية المحلية أصبحت متورطة في العديد من التناقضات: فقد أدى تراجعها عن الطاقة النووية في عام 2011 إلى تكثيف اعتماد ألمانيا على الفحم، وعلى الرغم من الإنفاق على دعم مصادر الطاقة المتجددة، إلا أن البلاد واجهت صعوبة في لاستجابتها الدولية لأهداف الانبعاثات.
  • اللجوء والهجرة: كان الأوروبيون الشرقيون غاضبين منها لاستقبالها اللاجئين، ورفضوا المشاركة في نظام إعادة التوطين على مستوى الاتحاد الأوروبي.
  • التعاطي مع الدول الكبرى: وفقًا للمقالة تعد ألمانيا كقوة أوروبية متوسطة تشترك في قارة مع روسيا وتستورد الطاقة منها، وتعتمد على الصادرات من الصين (أكبر شريك تجاري لألمانيا خارج الاتحاد الأوروبي)، وتعتمد على الولايات المتحدة في مظلتها الأمنية، لذا فلديها خيارات استراتيجية محدودة، مع القوى الكبرى الأمر الذي يُعد تحديًا خارجيًا. تاريخيًا رأت برلين أن موسكو وبكين شريكتان استراتيجيتان فيما كانت تأمل أن تصبح صفقة ثنائية الاتجاه، عبر مساعدتهم على تغيير اقتصاداتهما أنظمتهما السياسية. لكنها لم تتمكن من ذلك؛ حيث تلعب كل من روسيا والصين دورًا في الهجوم كمنافسين استراتيجيين للغرب، ليس فقط في بلدانهم “القريبة من الخارج” وفي الشرق الأوسط وإفريقيا، ولكن أيضًا داخل حدود أوروبا – وألمانيا – المادية والرقمية، التي تتجلى وفقًا للمقالة في: 
  1. روسيا: قامت موسكو بضم شبه جزيرة القرم، وشن حرب مستمرة في أوكرانيا، علاوة على عمليات التضليل والدعاية على وسائل التواصل الاجتماعي الألمانية، واختراق خوادم البوندستاغ عام 2015، وقتل لاجئ سياسي شيشاني في برلين عام 2019، ومحاولة اغتيال السياسي المعارض الروسي عام 2020 أليكسي نافالني، ودعم موسكو للقمع الوحشي للمظاهرات الجماهيرية في بيلاروسيا، كل هذه التطورات دفعت الطبقة السياسية الألمانية إلى إعادة تقييم للعلاقة مع موسكو. وعليه فقد أدانت “ميركل” بشدة الكرملين محاولة اغتيال “نافالني” وأحضرته إلى برلين لتلقي العلاج، وأيدت عقوبات الاتحاد الأوروبي الجديدة ضد كبار الروس ردًا على ذلك. ومع ذلك، فقد رفضت – على الرغم من الضغط الهائل من إدارتي “ترامب” و”بايدن”- تعليق مشروع خط أنابيب غازبروم “نورد ستريم 2” الذي يهدف إلى نقل الغاز الروسي إلى ألمانيا، متجاوزًا أوكرانيا وبولندا.
  2. الصين: أشارت المقالة إلى أن الاستبداد الصيني القاسي في عهد الرئيس “شي جين بينغ” واضطهاد الأويغور والنشطاء، والدافع من أجل الهيمنة الإقليمية، والقمع في هونغ كونغ، والتهديدات تجاه تايوان، والدبلوماسية المواجهة في أوروبا، كلها عوامل أدت إلى تقوية المواقف في برلين، فضلاً عن مخاوف الأمن السيبراني، تخطط الحكومة الألمانية لقيود جديدة على مزودي الاتصالات من شأنها منع شركة Huawei الصينية بشكل فعال من استخدام شبكة 5G في البلاد. وفي سبتمبر 2020، تلقى وزير الخارجية الصيني “وانغ يي” توبيخًا علنيًا غير عادي في برلين من مضيفه ونظيره الألماني “هيكو ماس” الذي قال له: “نحن نحترم شركائنا الدوليين، ونتوقع نفس الشيء منهم تمامًا”. كما يطالب عدد متزايد من الممثلين في البوندستاغ باتخاذ موقف أكثر صرامة بشأن الصين. ومع ذلك، عندما تولت ألمانيا الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي في النصف الثاني من عام 2020، دفعت ميركل من خلال اتفاقية استثمار بين الصين والاتحاد الأوروبي على الرغم من القلق الصاخب على جانبي المحيط الأطلسي. 
  3. أما الولايات المتحدة: فقد ذكرت المقالة أن العلاقات اتسمت بين الجانبين بالترابط والتوافق حول العديد من القضايا محل الاهتمام المشترك، إلا إنها تراجعت في عهد الرئيس “دونالد ترامب”. في مايو 2017، بعد ظهور “ترامب” لأول مرة في قمة مجموعة السبع، قالت ميركل لجمهور حملتها الانتخابية في خيمة بيرة بافاريا، “لقد انتهى العصر الذي يمكننا فيه الاعتماد بشكل كامل على الآخرين إلى حد ما”. ولكن مع انتخاب “جو بايدن” رحبت “ميركل” بحرارة (وارتياح ملموس). كما تستمر وزيرة دفاعها، أنجريت كرامب-كارينباور، التي تشاركها وجهات نظرها حول أهمية التحالف مع الولايات المتحدة، في الضغط من أجل زيادة الإنفاق الدفاعي وموقف عسكري ألماني أكثر ميلًا إلى الأمام. 

تحديات مُتنامية

أفادت المقالة أن “ميركل” كانت من أوائل القادة الذين أدركوا أهمية التعامل السريع مع هذه الأزمة لما لها من تداعيات تشبه الكوارث التي شهدها الإقليم الأوروبي سابقًا، وهو ما برهنت عليه في خطابها المُتلفز لموجه للشعب في 18 مارس 2020، قائلةً: “هذا أمر خطير، يجب أن تأخذ الأمر على محمل الجد أيضًا. منذ توحيد ألمانيا -لا، منذ الحرب العالمية الثانية- لم يكن هناك تحدٍ مثل هذا، حيث تضامننا المشترك مهم للغاية”. في البداية بدا الأمر كما لو أن بلدها قد استجاب لها، في فصلي الربيع والصيف، وتصرف صناع السياسة الألمان بسرعة وحسم وفي تنسيق تام. الأمر الذي انعكس بشكل إيجابي على تراجع عدد المصابين، وبدأت البلاد في إعادة فتح أبوابها، وتم الترحيب بألمانيا – وميركل – باعتبارهما نموذجًا ساطعًا للقيادة، ولكن يبدو الآن أن “ميركل” العالمة ومديرة الأزمات، تواجه أكبر فشل لها في الداخل.

فقد كشفت المقالة أن عوامل الفشل جاءت نتيجة لتجاهل التحذيرات (بما في ذلك تحذيراتها) من موجة جائحة ثانية، وهو ما أدى إلى طفرة شتوية مروعة، فاعتبارًا من مارس 2021، تجاوز عدد القتلى الوطني 70000. بجانب عدد من العوامل الأخرى: فالسياسة الصحية هي من شئون الولايات 16 في ألمانيا، كما أن مسئولية المستشار في النظام البرلماني، لا يملك حق النقض على السياسات التي هي من صلاحيات الدولة؛ كل ما يمكنه فعله هو الإقناع، علاوة على انشغال السياسيين في البلاد بالانتخابات الإقليمية والوطنية. 

وبالرغم من ذلك لا تزال استطلاعات الرأي تُشير إلى أن الحكومة الألمانية المُقبلة الأكثر ترجيحًا سوف يقودها مستشار محافظ، مع حزب الخضر كشركاء صغار في الائتلاف. ولكن الركود الأخير في لحزب “ميركل” لا يبشر بالخير لفرصهم في سبتمبر؛ إذ استقالة وريثتها السياسية “كرامب كارينباور” من منصب رئاسة الحزب بعد عام واحد فقط، ومع اختيار “آرمين لاشيت” –رئيس وزراء شمال الراين-وستفاليا- كزعيم جديد للحزب، هناك بعض التحديات التي يواجهها ففي منتصف شهر مارس، عانى الحزب الديمقراطي المسيحي من أسوأ هزائمه على الإطلاق في انتخابات إقليمية رائدة. 

واستكملت المقالة أن هناك حالة من الغضب والتقلب في المزاج السياسي في البلاد بسبب الكشف عن أن العديد من المشرعين المحافظين الذين استفادوا من صفقات الفساد المتعلقة بشراء أقنعة الوجه. وبالرغم من ذلك لم يستطيع اليمين المتطرف، المُقيد بسبب الاقتتال الداخلي والتهديد بالمراقبة من قبل جهاز المخابرات المحلية، توظيف ذلك على أجندته. 

واختتمت المقالة تبدو “ميركل” محبطة ومستنزفة بشكل متزايد، وصبرها اللامتناهي يتآكل، وطاقتها التفاوضية تنفق، وستكون أول رؤساء حكومات في ألمانيا يتخلون عن السلطة بمحض إرادتها. ومع ذلك، وعلى الرغم من الإنجازات الكبيرة التي حققتها، فإن المسؤولية النهائية عن حالة البلاد، وعلاقاتها مع حلفائها وخصومها، تقع على عاتق المستشارة. 

المصدر:

 Constanze Stelzenmüller, “The Singular Chancellor the Merkel Model and Its Limits”, Foreign Affairs, Volume 100, Number 3, May/June 2021. https://www.foreignaffairs.com/articles/europe/2021-04-20/angela-merkel-singular-chancellor

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى