الأمريكتان

“نيويورك تايمز”: الاعتراف بمذابح “الأرمن” يؤكد استعداد “بايدن” لاختبار علاقة متوترة مع تركيا

عرض – نسرين الشرقاوي

عن اعتراف الرئيس الأمريكي جو بايدن أمس السبت بأن عمليات القتل الجماعي للأرمن منذ أكثر من قرن تعتبر إبادة جماعية، مما يشير إلى استعداده لاختبار علاقة متوترة بشكل متزايد مع تركيا، الحليف الإقليمي الرئيسي منذ فترة طويلة وشريك مهم داخل الناتو. نشرت صحيفة النيويورك تايمز الأمريكية تقريرًا يعكس إعلان بايدن انفصاله عن أسلافه من الرؤساء السابقين، الذين كانوا مترددين في إغضاب دولة ذات أهمية استراتيجية، وكانوا قلقين من توجه قيادتها نحو خصوم أمريكا مثل روسيا أو إيران.

 حيث قال بايدن في بيان صدر بمناسبة الذكرى الـ 106 لتاريخ الإبادة الجماعية للأرمن: “في كل عام في هذا اليوم، نتذكر حياة كل من ماتوا في الإبادة الجماعية للأرمن في العهد العثماني ونعيد التزامنا بمنع حدوث مثل هذه الفظائع مرة أخرى” فكانت بداية حملة وحشية من قبل الإمبراطورية العثمانية السابقة أسفرت عن مقتل 1.5 مليون شخص، “ونتذكر ذلك حتى نظل يقظين دائمًا ضد التأثير المدمر للكراهية بجميع أشكالها.”

وقدمت الحكومة التركية، وكذلك نشطاء حقوق الإنسان والأرمن، ردًا صامتًا على الأخبار التي تسربت قبل أيام، ووصفوا الخطوة بأنها رمزية إلى حد كبير، وذكرت وسائل إعلام رسمية أن وزير خارجية البلاد استدعى في وقت لاحق يوم السبت السفير الأمريكي للاحتجاج على الإعلان.

وكان الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي نفى مرارًا وتكرارًا أن تكون عمليات القتل بمثابة إبادة جماعية، قد ضغط بشدة لمنع الإعلان، ونظم مؤتمرًا وحملات إعلامية قبل الذكرى يوم السبت.

وذكرت مصادر مطلعة لصحيفة النيويورك تايمز الأمريكية أنه في مكالمة يوم الجمعة، قال السيد بايدن للسيد أردوغان مباشرة إنه سيعلن أن المذبحة هي عمل إبادة جماعية.

وجاء في ملخص المكالمة التي قدمها البيت الأبيض فقط أن الرئيسين الأمريكي والتركي اتفقا على “إدارة فعالة للخلافات”، وقالت الرئاسة التركية في بيان إن الرئيسين اتفقا على “أهمية العمل معا”، ومن المقرر أن يجتمعوا في قمة منظمة حلف شمال الأطلسي في يونيو حزيران.

وفي بيانه يوم السبت، اعترف السيد بايدن بالأرمن الذين أجبروا على إعادة بناء حياتهم. وقال: “نحن نؤكد التاريخ”. “نحن لا نفعل ذلك لإلقاء اللوم ولكن لضمان عدم تكرار ما حدث”.

ومنذ توليه منصبه، أبقى بايدن السيد أردوغان بعيدًا، داعيًا قادة العالم الآخرين- وترك نظيره التركي، الذي كان يتمتع بعلاقة ودية مع الرئيس دونالد ترامب، في انتظار شهور.

وبعد ورود أنباء يوم الأربعاء عن الإعلان الوشيك، قال أردوغان في بيان إن تركيا “ستدافع عن الحقيقة ضد أكاذيب ما يسمى بـ” الإبادة الجماعية للأرمن”.

ووفقًا للتقرير فإنه من المتوقع على نطاق واسع أن يستخدم السيد أردوغان هذا التصنيف لجذب الدعم في الداخل، حيث يتبنى بشكل متزايد موقفًا قوميًا إسلاميًا للاحتفاظ بقاعدة ناخبيه، لكنه من المرجح أن يتعامل بحذر مع الولايات المتحدة.

وقد وصلت العلاقات بين البلدين إلى أدنى مستوياتها منذ عقود، حيث أصبح السيد أردوغان أكثر قتالية في تعاملاته مع واشنطن، لا سيما بعد الانقلاب الفاشل في عام 2016، وألقى السيد أردوغان باللوم في محاولة الإطاحة به من السلطة على يد رجل دين تركي “عبد الله غولن” والذي يعيش في المنفى الاختياري في ريف ولاية بنسلفانيا في الولايات المتحدة.

وفي سياق متصل تصاعدت التوترات مع صفقة تركيا لشراء نظام صاروخي من روسيا في عام 2017، مما دفع إدارة ترامب إلى فرض عقوبات على تركيا في ديسمبر. كما أن سوريا أيضا كانت نقطة مضيئة، حيث انتقد السيد أردوغان بشدة الدعم العسكري الأمريكي للقوات الكردية في سوريا المرتبطة بجماعة شنت تمردًا ضد تركيا منذ عقود، وقد أدت عملياته هناك إلى اختبار التحالف الأطلسي بشكل أكبر.

ووفقًا للنيويورك تايمز الأمريكية فإن أردوغان يرى أن تركيا، الدولة التي يبلغ عدد سكانها 80 مليون نسمة وعضو مجموعة العشرين، قوة إقليمية تستحق مزيدًا من الاحترام على المسرح العالمي. وقد غذى هذا الرأي تأكيدًا جيوسياسيًا أكبر ظهر في التدخلات العسكرية في سوريا وليبيا والعراق وأذربيجان وفي التنقيب عن الطاقة في المياه المتنازع عليها في شرق البحر المتوسط ​​العام الماضي.

ومما يدعو القادة الأوروبيون وأعضاء إدارة بايدن إلى استمرار التواصل مع حكومة أردوغان هي أن تركيا تضم ​​ملايين اللاجئين السوريين الذين لولا تركيا لتوجهوا إلى أوروبا. كما يشيرون إلى دعم تركيا لأوكرانيا وأفغانستان، حيث ستحتفظ بقوة صغيرة لتدريب أفراد الجيش والشرطة الأفغانية مع انسحاب الولايات المتحدة وقوات التحالف الأخرى بحلول 11 سبتمبر.

وقد قال كمال كيليجدار أوغلو، زعيم أكبر حزب معارض، حزب الشعب الجمهوري، “هذا موقف غير لائق وغير عادل”. كما شكك دوجو بيرينجيك، زعيم الحزب الوطني المتطرف، في رسالة مفتوحة إلى بايدن، في صلاحيته لإصدار مثل هذا الإعلان. حيث كتب: “كما هو معروف، تم الفصل في الإبادة الجماعية ضد اليهود في محكمة مختصة، ولكن فيما يتعلق بأحداث عام 191، فلا يوجد حكم قضائي”.

وجدير بالذكر أن عمليات قتل الأرمن في نهاية الحرب العالمية الأولى أثناء انهيار الإمبراطورية العثمانية، قلقًا من اصطفاف السكان الأرمن المسيحيين مع روسيا، العدو الأساسي للأتراك العثمانيين، حيث أمر المسؤولون بترحيل جماعي في ما يعتبره العديد من المؤرخين أول إبادة جماعية في القرن العشرين: قُتل ما يقرب من 1.5 مليون أرمني، بعضهم في مذابح على يد الجنود و الشرطة، وآخرون في عمليات نزوح قسري إلى الصحراء السورية تركتهم جوعًا حتى الموت.

وأقرت تركيا بوقوع فظائع واسعة النطاق خلال تلك الفترة، لكن قادتها نفوا بشدة أن تكون عمليات القتل إبادة جماعية.

وعن الأيام التي سبقت إعلان الرئيس جو بايدن، أعرب الأرمن ونشطاء حقوق الإنسان في تركيا عن حذرهم، ويرجع ذلك جزئيًا إلى سنوات من التأرجح السياسي بشأن هذه القضية. ولكن المدير التنفيذي للجمعية الأرمنية الأمريكية قال: “لقد كان إنكار الإبادة الجماعية فصلاً مؤلماً، هذه حقًا لحظة حاسمة في قوس التاريخ، دفاعًا عن حقوق الإنسان؛ فالرئيس يقف بحزم ضد قرن من الإنكار ويرسم مسارًا جديدًا”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى