روسيا

كيف تنظر روسيا إلى الانسحاب الأمريكي المرتقب من أفغانستان؟

بينما يناقش المراقبون فرضية تأثر روسيا بالعقوبات الأمريكية التي فرضتها إدارة جو بايدن، وأوروبا تحاول افتعال أزمة جديدة للروس في أوكرانيا بمباركة واشنطن، وينهمك المحللون في قراءة خارطة صراع الاجنحة ومراكز القوي داخل الإدارة الأمريكية التي استكملت يومها المئة بالبيت الأبيض الأسبوع المنصرم، ومعرفة هل الإدارة الأمريكية تمر بمرحلة انتقالية قبل بدء تنفيذ بنك الأهداف والسياسات الخاصة بها أم أن المرحلة الانتقالية سوف تشمل تنحي الرئيس العجوز لصالح نائبته الشابة، وكذا محاولة قراءة ترتيبات نقل مسرح العمليات من الشرق الأوسط إلى افريقيا، فأن جنرالات الكرملين نحوا جانباً كافة تلك الملفات وبدأ التركيز الروسي ينصب في هدوء شديد على أفغانستان المقرر في 11 سبتمبر 2021.

تفجير أفغانستان في وجه روسيا

يدرك الكرملين أن الرابط الوحيد بين إدارات أوباما وترامب وبايدن هو نقل مسرح العمليات من الشرق الأوسط إلى الشرق الأقصى، وان اختلفت رؤية ترامب عن رؤية أوباما/بايدن، حيث كان ترامب يريد استهداف الصين دون روسيا، بينما إدارة بايدن تتصارع أجنحتها ما بين استهداف روسيا فحسب او استهداف روسيا والصين معا.

وتعتزم الولايات المتحدة الأمريكية سحب قواتها من أفغانستان بحلول 11 سبتمبر 2021، مواكبة لمرور ذكرى 20 عاماً على الأحداث التي بدأت ما يعرف تاريخياً بـ “الحرب على الإرهاب”، الجزء الأول من مشروع القرن الأمريكي الذي صاغه المحافظون الجدد للدولة الأمريكية طيلة القرن الحادي والعشرين، تلاه الجزء الثاني بعنوان “الربيع العربي”، وتسعى إدارة بايدن جاهدة لتدشين المرحلة الثالثة من مشروع القرن الأمريكي.

دور أفغانستان في جماعات الايجور غرب الصين

الانسحاب الأمريكي من أفغانستان وفقا لروسيا لا يعني الا محاولة أمريكية جديدة لتفجير أفغانستان في وجه الشرق الأقصى عموماً، وروسيا والصين على وجه التحديد، تماماً كما فعلت أمريكا في سنوات الحرب الباردة حينما كانت أفغانستان منصة الإسلام السياسي للعمل داخل الجمهوريات السوفيتية المسلمة او الجنوب السوفيتي المسلم، ولاحقاً في سنوات ما بعد الحرب الباردة في دول الجوار الروسي او أسيا الوسطى، وكذا متاخمة حدود أفغانستان الشرقية لإقليم المغرب او “شينج يانج” الصيني الذى يعرفه المسلمين بالاسم الفارسي “تركستان الشرقية”، حيث تقوم المخابرات الغربية بتمويل وإدارة تمرد عرقي لقومية الايجور وتسويقه للعالم باعتباره اضطهاد صيني لمسلمي الايجور رغم ان التمرد عرقي وليس ديني ويتضمن تنظيمات إرهابية عملت في سوريا ابان تحت رعاية تركيا.

الحرب الباردة بين روسيا وإيران في سوريا وأذربيجان وافغانستان

ولكن هنالك فارق بين أفغانستان في سبعينات القرن العشرين وأفغانستان في عشرينات القرن الحادي والعشرين، ففي مؤامرة القرن العشرين كانت باكستان حاضرة للعب دور رئيسي، بينما في مؤامرة القرن الحادي والعشرين فان باكستان مغضوب عليها لعدم تعاونها مع الغرب في سنوات الحرب على الإرهاب، ولكن ايران جاهزة للعب دور المحطة اللوجستية على ضوء متاخمة حدودها الشرقية لولايات أفغانستان الغربية، وعلى ضوء رغبة طهران في العودة الى الوفاق النووي مع الولايات المتحدة ولكن عقب انتخابات الرئاسة الإيرانية يونيو 2021 حيث يمكن استئناف الجلسات الامريكية الإيرانية السرية في جنيف كما فعل الطرفين طيلة سنوات كلنتون وبوش الابن واوباما.

جنرالات الكرملين يدركون منذ سنوات ان ايران ليست الحليف الذى يمكن ان تثق فيه موسكو ثقة عمياء، ويكفى ان طهران تعاونت مع بريطانيا وامريكا في محاولة تفجير روسيا الفيدرالية عبر تفخيخ الشيشان وداغستان بالإسلاميين في سنوات بوريس يلتسن، ولم ينتظر الرئيس فلاديمير بوتين الوفاق النووي بين ايران وإدارة أوباما بل سارع الى توظيف التدخل الروسي في سوريا عام 2015 من اجل تحريرها من الجماعات الإسلامية والثورية من اجل تمشيط مناطق النظام السوري من النفوذ الإيراني بقدر الإمكان، وكذا التدخل الروسي في حرب أوراسيا عام 2020 بين أذربيجان وأرمينيا حينما تعمد ان يدخل تركيا ومرتزقتها الى الحدود الإيرانية الأذربيجانية وارسال قوات سلام روسية الى نفس المنطقة، وهكذا طوق بوتين النفوذ الإيراني في أذربيجان ووضع قواته ومرتزقة تركيا على حدود ايران الشمالية انتظاراً لأى تهور إيراني بحق موسكو.

الموقف التركي في أفغانستان

استخدام بوتين لتركيا في ملف تطويق النفوذ الإيراني في الشام والقوقاز، او بالأحرى سوريا وأذربيجان، هو محل دراسة لاستخدامه في ملف أفغانستان، وصناعة منافسة تركية إيرانية كما فعلها بوتين في أذربيجان، التي كانت الساحة الشمالية لإيران، ولكن بوتين أرسل نظيره التركي رجب أردوغان الى أذربيجان وتلي الأخير اشعاراً قومية أذرية الهبت حماس الانفصاليين الأذريين في شمال ايران وجعلت طهران تدرك كارثية ما يجرى في أذربيجان من ترتيبات روسية مع تركيا.

منذ عام 2016 أصبح واضحاً ان موسكو تستخدم نظام العثمانيين الجدد الحاكم في تركيا باعتباره جماعة وظيفية كما الحال مع كافة جماعات الإسلام السياسي، وانه يمكن توظيف هذه الجماعات الوظيفية بمهام محددة، وقد حاولت روسيا استخدام تركيا في ليبيا لتمديد النفوذ الروسي ولكن الخلافات الروسية التركية افشلت اللعبة الروسية واتت الجهود المصرية لإنهاء هذا النفوذ التركي في غرب ليبيا.

وسارعت موسكو الى محاولة تنظيم مؤتمر للسلام في افغانستان في تركيا على ضوء مسعى روسيا لإدخال تركيا في المعادلة الأفغانية لمنافسة وارهاق إيران، على ان يتم وضع ترتيبات روسية تركية مع الفصائل الأفغانية تضمن امن روسيا، ولكن أولى محاولات موسكو في تنظيم مؤتمر إسطنبول الافغاني قد فشلت وتحاول المخابرات الروسية إعادة المحاولة قبل 11 سبتمبر 2021.

وللمفارقة فأن موسكو ايضاً لا تثق بنسبة 100 % في تركيا، على ضوء الطموحات الإقليمية لرجب طيب أردوغان وسعيه لتحسين العلاقات التركية الامريكية بعد حالة الجمود التي خيمت على خطوط الاتصال بين واشنطن وانقرة منذ تولى بايدن الرئاسة، وبالتالي فأن تركيا في مرحلة لاحقة سوف تسعى لان يكون لها دور في بورصة الإسلام السياسي في “أفغانستان ما بعد الانسحاب الأمريكي”.

تقسيم باكستان وأفغانستان ما بين البلوش والبشتون

ايران تنتظر انتهاء الانتخابات الرئاسية للجلوس مع الامريكان في جنيف، لاستخدام نفوذها على الاسلامين في أفغانستان، سواء الجناح الموالي لها داخل طالبان، او اختراقها للجماعات الإسلامية الأخرى سواء السنية او الشيعية وكذا بقايا القاعدة وداعش أفغانستان، لتوظيف تلك الجماعات للعمل في مناطق النفوذ الروسي في اسيا الوسطي وصولاً الى الجمهوريات الروسية المسلمة، وتطمع الولايات المتحدة في ان يتمدد تفجير أفغانستان بوجه الصين وايضاً بوجه باكستان، على ضوء الاتصال القبائلي والجغرافي بين طالبان أفغانستان وطالبان باكستان وكذا تنظيم الدولة الإسلامية في كلا الدولتين، على ضوء حقيقة ان الولايات المتحدة ترى باكستان كارت محروق ووجب تقسيمه والبداية بإقليم بلوشستان الذى سبق وان صوت الكونجرس الأمريكي في سنوات أوباما على حق تنظيم استفتاء لتقرير المصير لسكان الإقليم ما بين اعلان الدولة البلوشية او البقاء داخل باكستان المنهكة.

وتسعى إيران الى لجم الطموحات البلوشية على ضوء الامتداد العرقي للبلوش داخل إيران عبر محافظة سيستان بلوشستان، وايضاً على ضوء وجود حركات إرهابية بلوشية تعمل ضد إيران انطلاقا من بلوشستان باكستان برعاية من اسلام اباد وبعض دول الخليج العربي، وبالتالي فأن إيران تسعي الى كسب مساحات إقليمية جديدة في أفغانستان من اجل التصدي لباكستان وايضاً كسب نفوذ داخل آسيا الوسطي وحتى الجمهوريات الروسية المسلمة مثل الشيشان وداغستان وتتارستان من اجل معادلة خسارة النفوذ في أذربيجان وسوريا امام الكرملين.

الصراع الهندي الباكستاني واثاره على افغانستان

ولعل التهديد الواضح لباكستان هو الذي جعل الهند تسارع الى دعم الجهود الامريكية، على ضوء العداء الصريح بين الهند وباكستان ورغبة الهند في اضعاف الجار الباكستاني الذي امد المتمردين في الهند طيلة العقود الماضية بكل الدعم الممكن، كما ان الهند لديها ثأر تاريخي مع الصين وبالتالي فأن تفجير أفغانستان بوجه الصين وباكستان امر يأتي على هوى نيودلهي.

وتختلف رؤية إدارة بايدن في الانسحاب الأمريكي عن رؤية إدارة ترامب، حيث كان ترامب يري انه يجب الانسحاب ولكن بالتنسيق مع جناح طالبان غير الموال لإيران، وان تكون إيران واحدة من ضحايا الانسحاب الأمريكي في أفغانستان جنباً الى جنب مع الصين مع تجنيب روسيا هذا المصير لذا لا عجب ان رحبت روسيا بالمخطط الأمريكي في سنوات ترامب وتحفظت عليه في سنوات بايدن.

عودة الجهاد الافغاني ضد الروس

وبعد عشرين عاماً من حماية أمريكا للنخبة الافغانية او “التحالف الشمالي الموحد” الذي عارض طالبان حينما حكمت أفغانستان ما بين عامي 1996 و2001، وتنصيب رجالاته رؤساء ووزراء وقضاه لأفغانستان، يتساءل الغرب اليوم عن مصير هؤلاء، على ضوء الصحوة لمتوقعة لطالبان في أفغانستان عقب الانسحاب الأمريكي، هل سوف تتركهم أمريكا لقمة صائغة وكروت محروقة للإسلاميين الأفغان؟ يتخوف الجانب الروسي من وجود خطة لتقسيم أفغانستان وبالتالي طرح خارطة جديدة لأسيا الوسطي، اذ لم تمانع أمريكا مراراً من فكرة تسليم جنوب أفغانستان لطالبان وإعلان جمهورية أفغانستان الجنوبية وبعض الدوائر في طالبان رات ان تصبح الدولة الجديدة هي جمهورية پشتونستان (باللغة العربية: باشتونستان) او ارض الباشتون العرقية المنتشرة بين أفغانستان وباكستان وهي العرقية المؤسسة لتنظيم طالبان.

إذا ما اقامت طالبان جمهورية الباشتون فهذا يعني خطر داهم حيال باكستان وتسارع وتيرة استقلال باشتون باكستان وانضمامهم للجمهورية الجديدة.

أفغانستان نقطة ضعف روسية منذ القرن التاسع عشر

ورغم مخاوف الصين وروسيا وباكستان من التفجير الأمريكي المرتقب لأفغانستان، او المساعدات الإيرانية في هذا المضمار، الا ان بكين وموسكو وإسلام اباد يتحركوا كلاً على حده في هذا المضمار، فالصين تسعي الى التقارب مع طهران على حساب موسكو، بينما باكستان لا تثق في موسكو ولكن تثق في بكين، ما يعني عملياً غياب رؤية إقليمية في الشرق الأقصى حيال التصدي للمخطط الأمريكي الجديد، وان كانت المعالجات الروسية – رغم خسارة موسكو حرب أفغانستان في القرن العشرين – هي الأكثر كفاءة وخبرة على ضوء الخبرات الروسية المتراكمة في الملف الافغاني فهو تاريخ لا يعود للقرن الماضي فحسب ولكن ايضاً كانت أفغانستان ساحة صراع بين النفوذ البريطاني والروسي في القرن التاسع عشر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى