إسرائيل

هجوم ديمونة.. رد على استهداف نطنز أم انكشاف إسرائيلي؟

تقف المنطقة على حافة الهاوية، ويبدو أنها تنتظر فقط شرارة لتعلن انطلاق حرب قد تصبح -على حين غرة- حربًا نووية تمتد آثارها سنوات طوال. وهو ما تشير إليه معادلة الاشتباك التي تتسع شيئًا فشيئًا بين إسرائيل وإيران، والتصعيد المتبادل بينهما في عمقهما وفي العديد من المسارح الإقليمية، بشكل باتت معه آلية “الرد في الوقت والمكان المناسبين” هي شعار المرحلة. وقد شهدت هذه المواجهة أحد أخطر فصولها في الساعات الأولى بعد منتصف ليل الخميس (22 أبريل) بعد أن تداولت وكالات أنباء خبر سقوط صاروخ بالقرب من مفاعل ديمونة الإسرائيلي بصحراء النقب.

استهداف قُرب ديمونة

نفذت إسرائيل عددًا من الضربات الجوية قرب العاصمة السورية دمشق، وذكرت وكالة الأنباء السورية “سانا” أنه عند الساعة 1:38 من فجر اليوم نفذت إسرائيل “عدوانًا جويًا برشقات من الصواريخ من اتجاه الجولان السوري المحتل مستهدفًا بعض النقاط في محيط دمشق، وقد تصدت وسائط دفاعنا الجوي لصواريخ العدوان وأسقطت معظمها، وأدى العدوان إلى جرح أربعة جنود ووقوع بعض الخسائر المادية”.

وبعد أن تم تداول أخبار سقوط أحد الصواريخ بالقرب من مفاعل ديمونة، قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي هيدي زيلبرمان “هذا في الحقيقة إطلاق صاروخ أرض-جو من الأراضي السورية انحرف إلى الأراضي الإسرائيلية وسقط في النقب وليس إطلاق نار متعمدًا”. وقال الجيش الإسرائيلي إن الصاروخ من طراز SA-5. وهو صاروخ منظومة الدفاع الجوي الروسية S-200 التي تمتلكها الدفاعات الجوية السورية ويزيد وزنه على 200 كم بدون تعزيزات، مصمم لضرب الطائرات على ارتفاع 40 ألف قدم.

وأصدر الجيش الإسرائيلي صباح اليوم بيانًا أوضح فيه أن التحقيق الأولي في الحادث كشف أنه لم يتم اعتراض الصاروخ فعليًا، وأنه ردًا على ذلك هاجم الجيش الإسرائيلي البطارية التي أطلقت الصاروخ وبطاريات صواريخ أرض–جو أخرى في الأراضي السورية. وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان أن الضربات الإسرائيلية أدت إلى “تدمير بطاريات للدفاع الجوي في الضمير” المدينة الواقعة على مسافة 40 كلم شمال شرق العاصمة دمشق، مشيرًا إلى أن الضمير تضم “مقرات ومستودعات أسلحة تابعة للميليشيات الموالية لإيران”.

احتمالات متباينة

توجد روايتان لفهم طبيعة ما حدث قُرب مفاعل ديمونة الإسرائيلي، تتباينان بشكل كبير بين التسليم بأن ما حدث كان عرضيًا ولم يكن مخططًا له، وهي الرواية الإسرائيلية، وبين رواية أخرى تشير إلى أنه قد يبدو ردًا إيرانيًا على استهداف منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم الذي اتهمت طهران إسرائيل بالضلوع فيه.

  • انحراف عن المسار

تشير بيانات الجيش الإسرائيلي إلى أن الصاروخ الذي سقط في منطقة “أبو قرينات” قرب منطقة ديمونة حيث يفع المفاعل انحرف عن مساره، وأنه أُطلق ردًا من الدفاع الجوي السوري على غارات إسرائيلية استهدفت مواقع في محيط العاصمة دمشق.

وسبق أن استخدمت الدفاعات الجوية السورية الصاروخ SA-5 أو S-200 أكثر من مرة في مواجهة الطائرات الإسرائيلية، ففي مارس 2017 أُطلق الصاروخ على طائرة إسرائيلية استهدفت عدة أهداف في سوريا، وفي فبراير 2018 أطلق الجيش السوري أكثر من عشرين صاروخًا أصاب أحدها طائرة إسرائيلية من طراز F-16I. 

وتشير هذه الوقائع السابقة إلى احتمالات صدق الرواية الإسرائيلية، هذا فضلًا عن أن صاروخًا من نفس الطراز قد انحرف عن مساره في يوليو 2019؛ إذ أطلقت الدفاعات الجوية السورية عدة صواريخ لاعتراض هجمات إسرائيلية، انحرف أحد هذه الصواريخ عن مساره وسقط في منطقة جبلية تبعد 20 كم عن العاصمة القبرصية نيقوسيا، على بُعد 225 كيلو مترًا من الساحل السوري.

  • الرد على نطنز

أشارت وسائل إعلام إيرانية ومقربة من إيران إلى أن الصاروخ الذي سقط قُرب ديمونة لم يكن من طراز SA-5 وإنما من طراز فاتح 110، وأن “جماعات المقاومة نفذت أمس عمليات متزامنة ضد إسرائيل والسعودية، مشيرة لانفجار قرب مفاعل ديمونة وهجوم بالمسيرات ضد قاعدة الملك خالد بالسعودية”.

وقالت إن “الصاروخ أُطلق من داخل الأراضي السورية على بعد 200 كم من مفاعل ديمونة الإسرائيلي، وإنه هجوم يعتقد أنه نفذ باستخدام صاروخ أرض-أرض من طراز “فاتح 110″ دقيق الإصابة، والذي يصل مداه إلى 300 كم”، وكان بإمكان الصاروخ أن يتابع طريقه إلى المفاعل، لكن صناعة كارثة ليس مطلوبا”.

دوافع إيرانية

توجد دوافع استراتيجية كثيرة لدى إيران يمكن أن تقودها إلى تنفيذ مثل هذه العملية، تتراوح ما بين الانتقامي والتفاوضي، إذ تتماهى رواية الاستهداف الإيراني مع التصعيد المتبادل بين إسرائيل وإيران خلال الفترة الأخيرة، وخاصة بعد اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده، ثم العمل التخريبي في منشأة نطنز، علاوة على الهجمات المتبادلة على السفن. 

ومن ثم يمكن أن يكون هذا الهجوم ردًا إيرانيًا على هذا التصعيد، أو على الأقل رسالة من طهران بأنها قادرة على إلحاق الضرر في عمق إسرائيل أو استهداف مفاعل ديمونة النووي كرد على هجمات إسرائيل النووية. أو يمكن أن تكون أحد أوراق الضغط في ضوء المحادثات الجارية في فيينا بين إيران ودول 5+1 بإظهار ما يمكن أن تحدثه إذا لم تُرفع العقوبات.

إلا أن التقدم التدريجي الذي يُحرز في هذه المباحثات، واحتمالات أن تفضي إلى اتفاق برفع العقوبات عن إيران، وعدم رغبة إيران في التصديق على المخاوف التي تبديها إسرائيل للولايات المتحدة من العودة إلى الاتفاق النووي وتأثير ذلك على أمن المنطقة والتي ستكون محل بحث بين وفد أمني إسرائيلي رفيع المستوى سيزور واشنطن خلال الأيام المقبلة، والقدرة الإيرانية على الاستهداف بصورة أكثر دقة؛ كلها عوامل قد تشير إلى أن إيران لا تقف وراء هذا الهجوم الصاروخي وليس من مصلحتها التصعيد في هذا الوقت.

انكشاف إسرائيلي

تشير المعطيات السابقة إلى أن إيران قد لا تهدف إلى استهداف إسرائيل في هذا التوقيت، وكذا فإن الجيش السوري قد لا يرغب في ذلك بالنظر إلى العواقب التي يحملها مثل هذا الاستهداف من ضربات إسرائيلية وكذا بالنظر إلى أن تفاهمات جرت في الآونة الأخيرة بين سوريا وإسرائيل بوساطة روسية أفضت في فبراير الماضي إلى إبرام صفقة تبادل للأسرى بين الجانبين عادت بموجبها فتاة إسرائيلية من سوريا مقابل إطلاق سراح اثنين من السوريين. 

وإذا كانت هناك رغبة إيرانية أو سورية في توجيه ضربة دقيقة لهدف إسرائيلي لتم ذلك بصواريخ أكبر وأكثر دقة. إلا أن هذا الحادث الصاروخي قد سلّط الضوء على فشل منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية في مواجهة التهديدات؛ إذ توضح بيانات الجيش الإسرائيلي أن الدفاع الجوي الإسرائيلي حاول استهداف الصاروخ السوري ولكنه فشل في اعتراضه، ومن ثم إذا كان الصاروخ موجهًا بدقة لأصاب هدفه.

وهو ما يشير إلى انكشاف إسرائيلي أمام التهديدات رغم امتلاكها أربع منظومات للدفع الجوي هي منظومة “باتريوت” الأمريكية التي تُستخدم لتدمير الصواريخ المعادية على ارتفاعات منخفضة ومسافات قريبة، ومنظومة “آرو” التي تستخدم لاعتراض الصواريخ البالستية والصواريخ بعيدة المدى، ومنظومة “مقلاع داود” المصممة لاعتراض الصواريخ متوسطة المدى، ومنظومة القبة الحديدية المصممة لاعتراض الصواريخ قصيرة المدى.

إجمالًا، بغض النظر عن تفسير حقيقة الصاروخ الذي سقط بالقرب من مفاعل ديمونة في قلب إسرائيل، فإن هذا الهجوم يشير إلى أن معادلة الاشتباك بين إسرائيل وإيران آخذة في الاتساع، وسيزيد هذا الصاروخ من تصميم إسرائيل على رفض عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي أو رفع العقوبات عن إيران لأنها لن تكون بمأمن من تهديداتها. وكذلك يشير الهجوم إلى أن الوجود العسكري الإيراني في سوريا سيمثل تهديدًا طويل الأمد لإسرائيل، ومن ثم ستستمر الضربات الإسرائيلية للمواقع العسكرية الإيرانية في محيط العاصمة دمشق وقُرب الحدود السورية العراقية، ولكن سيكون عليها الاستعداد لضربات مشابهة من سوريا صوب العمق الإسرائيلي، فضلًا عن تلك التي يمكن أن يطلقها حزب الله في لبنان، وهو ما ينذر بمزيد من التصعيد في المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى