أفريقيا

رحيل “ديبي”.. ومُستقبل الأوضاع الأمنية في منطقتي ” بحيرة تشاد” و”الساحل الإفريقي”

أعلن الناطق باسم القوات المُسلحة التشادية، الجنرال عظيم بيمراندو أجونا، أول أمس الثلاثاء، وفاة الرئيس التشادي “إدريس ديبي”، مؤكداً أن ديبي لقي حتفه مُتأثراً بجراحه خلال زيارته للقوات في الخطوط الأمامية للقتال ضد المتمردين شمال البلاد. 

جاء هذا الإعلان بعد ساعات فقط من إعلان مسؤولي الانتخابات في تشاد فوز ديبي في انتخابات الرئاسة التي أجريت في 11 من أبريل الجاري، ما مهد الطريق لبقائه في الحكم لست سنوات أخرى.

وتشهد دولة تشاد في الآونة الأخيرة حالة من عدم الاستقرار الأمني في أوضاعها الداخلية جراء وقوع عدة اشتباكات عنيفة بين قوات الجيش التشادي والعناصر المُسلحة من القوات المُعارضة في البلاد، ولعل آخر مُؤشرات ذلك ما وقع في 11 من أبريل الجاري، بالتزامن مع انعقاد الانتخابات الرئاسية بالبلاد، حيثُ أكدت جبهة التغيير والوفاق التشادية المعارضة، أنها هاجمت قوات الجيش، في بلدة زواركيه، وأن المدينة سقطت دون مقاومة في أيدي المتمردين. وفى سلسلة جبال تبستي، المُتاخمة للحدود مع ليبيا، يخوض المُتمردون باستمرار منذُ سنوات مواجهات مع الجيش التشادي أسفرت عن سقوط قتلي وجرحي من الطرفين، وانتهى الامر بمقتل الرئيس “ديبي”، الأمر الذي يطرح مجموعة من التساؤلات حول تداعيات مقتل الرئيس “ديبي” على الاستقرار داخل تشاد ودول الجوار، وحول مستقبل الأوضاع الأمنية في منطقة بحيرة تشاد وساحل إفريقيا، ولا سيما في ظل تنامي نشاط الجماعات الإرهابية في هذه المنطقة. 

من هم مُتمردو جبهة التغيير والوفاق؟

جبهة التغيير والوفاق في تشاد هي جماعة سياسية وعسكرية ارتكزت قاعدتها في ليبيا في جبال تبستي، التي تمتد بشمال تشاد وفى جزء من جنوب ليبيا، تأسست في مارس 2016 كجماعة منشقة عن جماعة تشاديه أخرى مُتمردة هي اتحاد قوى الديموقراطية والتنمية (يو.إف.دي. دي) المدعومة من السودان.  قائدها هو ” مهدى على محمد”، وينتمي إلى عرقية القرعان في منطقة بحر الغزال في وسط تشاد، وتتألف الجبهة من الكثير من المُقاتلين الذين ينتمون إلى نفس العرقية.

وقد تباينت التقديرات حول حجم العتاد والأسلحة والمُقاتلين الذين تمتلكهم الجبهة، ففي إبريل 2016 أعلنت ان لديها 1500 مُقاتل، وذكر أحد التقارير الصادرة في عام 2017 أن الجبهة لديها نحو 1000 مقاتل و100 مركبة، من جانبها قالت لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة في ليبيا في تقرير لها أصدرته في ديسمبر 2019 أن الجبهة لديها نحو 700 مُقاتل. ومُنذ تأسيسها ركزت الجبهة على الإطاحة بالرئيس الراحل ” إدريس ديبي” حيثُ زعمت أنه أجري تزويراً في انتخابات 2016 وانتخابات 2021. 

أوضاع مضطربة

تعيش تشاد منذُ ستينيات القرن الماضي حالة من الاضطرابات والحروب المُستمرة، والتي ترجع إلى الولاءات الإثنية والقبلية التي تحكم طبيعة السُكان التشاديين في محاولاتهم السيطرة على الحكم في البلاد، ولذا دخلت تشاد دائرة من الصراعات بين الشمال والجنوب، بين العرب وقبائل التبو، التي يسكن أفرادها جبال تبستي شمال تشاد، كما امتد الصراع داخل القبيلة الواحدة.  

كما تشهد تشاد تاريخا طويلا من التمرد خلال فترة الرئيس ديبي التي استمرت 30 عاما، ففي فبراير 2019 تدخلت القوات المسلحة الفرنسية في شمال البلاد وأوقفت تقدم المتمردين الذين جاؤوا من ليبيا لمحاولة إطاحة الرئيس ديبي، وفي فبراير 2008 تمكن المتمردون في هجوم من الوصول فعليا إلى أبواب القصر الرئاسي قبل صدهم بفضل الدعم الفرنسي. وبالإضافة إلى ما سبق تشاد دولة مُحاطة ببوئر للصراع والتوتر حيثُ الأوضاع الأمنية المضطربة في كل من ليبيا وإقليم درارفور وجمهورية أفريقيا الوسطى، فضلاً عن غرب إفريقيا الذي يُعاني من ضربات جماعة بوكو حرام وغيرها نم الجماعات المُتشددة.

تداعيات مُحتملة

أوضاع غير مُستقرة: من المُتوقع أن تشهد تشاد المزيد من الاضطرابات الأمنية في الفترة المُقبلة. فالمجلس العسكري الانتقالي الذي تشكّل بقيادة نجل الرئيس ديبي لإدارة الفترة الانتقالية لمدة 18 شهراً حتى إجراء الانتخابات، لا يلقي قبولاً من الجماعات المُسلحة المُتمردة، والتي ترى أن تشكل مجلس انتقالي بقيادة نجل الرئيس مُخالفاً للدستور التشادى، حيثُ ينص الدستور على أنهُ في حالة وفاة الرئيس يتولى رئيس البرلمان الحكم لحين انتخاب رئيس آخر جديد.

وفى هذا الصدد أعلنت حركة الوفاق والتغيير الثلاثاء الماضي رفضها تأسيس مجلس عسكري انتقالي عقب وفاة الرئيس ” ديبي”، مُؤكدة أنها ستواصل حربها على النظام حتى تحرير تشاد. وأوضحت في بيان، “رغم أن إدريس ديبي توفي متأثرا بجراحه لكن نظامه لا يزال قائما”، داعياً كل القوى السياسية في تشاد إلى “المشاركة في تأسيس تشاد حرة ومستقلة”. لذا من المتوقع أن تكون وفاة الرئيس ديبي حافزاً إيجابياً للمعارضة للتقدم نحو العاصمة انجمينا لتحقيق أهدافها.

خطر تنامي النشاط الإرهابي في المنطقة: تُثير الأوضاع الداخلية المُضطربة داخل تشاد قلق القوى الإقليمية المحيطة والقوى الكبرى ذات المصالح الهامة من المنطقة وعلى رأسها فرنسا، فمن المتوقع أن تستغل التنظيمات الإرهابية التي تنشط في منطقة بحيرة تشاد ومنطقة الساحل الإفريقي، الأوضاع الغير مستقرة بعد مقتل الرئيس ديبي في شن المزيد من هجماتها الإرهابية، خاصة وأن تشاد تحت قيادة ديبي كانت واحدة من الجهات الأمنية الرئيسية لدول الساحل الخمسة.

كما أن تشاد تُعد أهم لاعب عسكري، وأقوى حليف للغرب في جهود مكافحة الإرهاب في المنطقة، حيثُ كانت   تُحارب على جبهتين: جبهة الساحل والصحراء في مواجهة تنظيمي داعش والقاعدة، وجبهة أخرى في غرب أفريقيا حيثُ نشرت قواتها لمساعدة لقوات نيجيريا والكاميرون والنيجر في مواجهة نشاط جماعة بوكو حرام في منطقة دول حوض تشاد.  هذا بالإضافة إلى قيام الرئيس ديبي بإرسال 1200 جندي إلى “المثلّث الحدودي” بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو لمكافحة الجهاديين في هذه المنطقة. ولذا من المتوقع أن تترك وفاة الرئيس ديبي حالة من الفراغ والتوتر الأمني في المنطقة، مما يمهد الطريق أمام الجماعات الإرهابية لاستغلال الأوضاع وشن المزيد من هجماتها في المنطقة. 

وهُنا تجدر الإشارة إلى الأوضاع الأمنية المضطربة في منطقة بحيرة تشاد وساحل إفريقيا، فعلى الرغم من الجُهود المبذولة والنجاحات التكتيكية المُسجلة لدحر نشاط الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل الإفريقي، ولاسيما تنظيمي جماعة نصرة الإسلام والمُسلمين وكتيبة تحرير ماسينا التابعين لتنظيم القاعدة الإرهابي وكذلك الجماعات التابعة لتنظيم داعش؛ لايزال الوضع قاتماً في دول الساحل الإفريقي الخمس (موريتانيا، ومالي، وبوركينا فاسو، وتشاد، والنيجر).  فبعد مرور حوالي 8 سنوات على بدء الأزمة الأمنية في هذه المنطقة لايزال نزيف الدم مُستمرًا، حيثُ شهدت منطقة الساحل الإفريقي خلال الرُبع الأول من العام الجاري ما لا يقل عن 35 هجوما إرهابيا استهدف القوات الأممية والحكومية والمدنيين في المنطقة، وخلف آلاف القتلى والمُصابين. وفيما يلي أبرز هذه الهجمات:

كما عرفت منطقة بحيرة تشاد، والتي تعد مورداً حيوياً لدول المنطقة المُطلة عليها، هجمات دامية ارتكزت بالأساس في كل من نيجيريا والكاميرون. حيثُ واصلت جماعة بوكو حرام التابعة لتنظيم داعش الإرهابي شن هجماتها في المنطقة، ففي نيجيريا نفذت عدة عمليات إرهابية أسفرت عن مقتل عدد من المدنيين والعسكريين، كما شكل أقصي شمال الكاميرون القريب من الحدود مع نيجيريا مسرحاً لممارسة نشاط الجماعة على مدار الأشهر الثلاثة الأولى لعام 2021. 

وفيما يلي أبرز الهجمات التي شهدتها هذه المنطقة خلال الربع الأول لعام 2021:

التأثير على الأوضاع في ليبيا والسودان: من المُحتمل أن يتحول الجنوب الليبي إلى ساحة خلفية للصراع الدائر بين المجلس الانتقالي الحالي في تشاد والمُعارضة المُسلحة، حيثُ تتواجد الأخيرة منذُ سنوات في جنوب ليبيا، وتُسيطر على عدة مناطق وتمتلك الأسلحة والأموال، وتُشير بعض التحليلات إلى أن حادثة مقتل الرئيس ديبي وما ستحدثه من حالة فراغ أمنى ستنعكس آثاره السلبية على الجنوب الليبي، وقد يصل الامر إلى تقسيمة او السيطرة علية بشكل مُعلن من قبل المُعارضة المُسلحة والجماعات المُتطرفة في تشاد.

وفى هذا الصدد طالب رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، القائد العام للجيش، المشير خليفة حفتر، باتخاذ إجراءات فورية لتأمين الحدود الجنوبية مع تشاد التي تشهد معارك مع المتمردين، كما أجرى اتصالاً هاتفياً، أمس، برئيس مجلس السيادة الانتقالي بجمهورية السودان الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، لبحث تطورات وتداعيات الوضع في تشاد.

 وعلى الجانب الآخر من المُحتمل أن تتأثر الأوضاع الأمنية في منطقة إقليم دارفور المُتاخم للحدود مع تشاد، بحادثة مقتل الرئيس ديبي، والتي تنذر بحالة من انفلات الأوضاع الأمنية في دارفور مع ازدياد أعمال السلب والنهب وانتشار الفوضى، خاصة وأن هذه المنطقة تُعاني بالأساس من اضطرابات وهشاشة أمنية كبيرة، حيثُ تشهد هذه المنطقة منذُ عشرات السنين أحداثاً دامياً خلفت آلاف القتلى والجرحى والنازحين، وقد تزايدت التوترات في الآونة الأخيرة مع اندلاع أعمال عنف قبلية في منطقة ” الجنينة” أسفرت عن مقتل 300 شخص، وسط اتهامات بمُشاركة مسلحين تشاديين في تلك الأحداث.

خلاصة القول

وفى ضوء ما سبق يُمكن القول إن الأوضاع الأمنية في تشاد أصبحت على المحك، ومن المتوقع أن يتطور الأمر إلى حد نشوب حرب أهلية، الأمر الذي يُثير قلق الكثيرين سواء من دول الجوار الإقليمي أو المُحيط الإفريقي، أو على صعيد القوى الكبرى التي لديها مصالح في المنطقة، مثل: فرنسا والصين وروسيا، والتي تتخوف من التداعيات السلبية المُحتملة جراء حالة الفراغ الأمني التي قد تشهدها المنطقة بعد رحيل الرئيس ديبي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى