السد الإثيوبي

جولة وزير الخارجية إلى أفريقيا .. الدبلوماسية المصرية وسباق مع الزمن للوصول إلى حل لأزمة “سد النهضة”

تخوض الدبلوماسية المصرية سباقا مع الزمن للوصول إلى حل لأزمة سد النهضة للوصول إلى اتفاق قانوني وملزم حول قواعد الملء والتشغيل.

وتتخذ الدبلوماسية المصرية مسلكا جديدا في مشوار المفاوضات، فبدأ وزير الخارجية سامح شكري، جولة أفريقية لستة دول أفريقية شقيقة حاملا رسائل من الرئيس عبد الفتاح السيسي لرؤساء وقادة الدول الأفارقة، لتوضيح أبعاد مفاوضات سد النهضة التي امتدت قرابة العقد الكامل. أكدت فيها إثيوبيا تعنتها وتعمد إفشال المفاوضات.

وتأتي الجولة في توقيت مناسب، قبيل بدأ موسم الامطار على الهضبة الاثيوبية يوليو المقبل وبدأ إجراءات الملء الثاني؛ من أجل توضيح موقف مصر على أعلى مستوى، وذلك بعد تعثر مفاوضات كينشاسا الأخيرة، وعمليات تزييف الحقائق التي تقوم بها إثيوبيا من خلال وسائل إعلامها وتعليقات بعض المصادر في الحكومة، ومحاولات تعقيد مسار المفاوضات. والحشد الافريقي لموقفها بدعوى قيام مصر والسودان بحرمانها من مواردها وتعطيل عجلة التنمية.

لكن تأتي الجولة الافريقية الأخيرة كإشارة لتصعيد مصري للأزمة، لكسب أكبر حشد دولي ممكن يكون على دراية بمجريات العملية التفاوضية، تكون شرارة انطلاقه من الداخل الافريقي لكسب أصوات مؤيدة للموقف المصري داخل القارة والاتحاد الإفريقي، يتبعه تأييد دولي واسع النطاق.

وتشمل الجولة الرئيس الحالي للاتحاد الإفريقي (الكونغو الديمقراطية) كما تشمل أيضاً الرئيس السابق للاتحاد (جنوب إفريقيا) وهي عضو بهيئة المكتب، كما تضم الجولة أيضاً تونس، وهي العضو العربي الوحيد بمجلس الأمن، إضافة إلى السنغال “التي لها مبادرة لافتة للنظر حول استخدام الأنهار الدولية، وكينيا العضو غير الدائم بمجلس الأمن ممثلة عن القارة الافريقية. ويأتي ذلك لكه تأكيدًا على صدق النوايا المصرية لإطلاق عملية تفاوضية جادة وفعّالة تسفر عن التوصل إلى الاتفاق المنشود الذي يراعي مصالح وحقوق الدول الثلاث.

ضياع الفرصة الأخيرة

فسبق أن رفضت اثيوبيا التوقيع على اتفاق ملزم بوساطة أمريكية خلال عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، بدعوى أن المشاكل الافريقية يتم حلها بأيديٍ إفريقية، وسبق أن فشلت جمهورية جنوب إفريقيا أثناء رئاستها الاتحاد الافريقي العام الماضي، من التوصل لحلٍ توافقي ينهي النقاط الخلافية.

كما رفضت إثيوبيا مقترح سوداني أيدته مصر بتوسعة نطاق الوساطة بجعلها وساطة دولية رباعية، تضم إلى جانب الاتحاد الأفريقي، أمريكا، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، على أن تلعب الأطراف الأربعة دور وساطة وتسهيل في المفاوضات بدلاً عن الاكتفاء بدور المراقبين.

وعادت المفاوضات مرة أخرى إلى الداخل الافريقي ودعت الكونغو الديمقراطية، بصفتها الرئيس الحالي للاتحاد الافريقي، الأطراف الثلاث إلى مائدة المفاوضات مطلع ابريل الجاري.

وانتهت جولة المفاوضات الأخيرة، والتي وصفت بـ “الفرصة الأخيرة”، في كينشاسا، عاصمة جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي استضافتها جمهورية الكونغو الديمقراطية يومي ٤ و٥ إبريل الجاري، والتي شاركت فيها مصر بإرادة سياسية صادقة بهدف الاتفاق على إطلاق مسار تفاوضي جاد يسفر عن اتفاق قانوني ملزم حول ملء وتشغيل سد النهضة، من دون التوصل إلى اتفاق بين إثيوبيا ومصر والسودان، بشأن سد النهضة.

في الوقت نفسه، أعلنت أديس أبابا أنها عازمة على بدء المرحلة الثانية من ملء خزان السد في موسم الأمطار الذي يبدأ في يوليو المقبل، وهو ما تنظر إليه القاهرة والخرطوم بخطورة شديدة، لكون ذلك يهدد إمدادات المياه لهما.

وإثر هذه التطورات الأخيرة، بدأ وزير الخارجية سامح شكري، جولة إفريقية بدأت من كينيا.

جولة إفريقية

بدأت الجولة الافريقية مساء الاحد الماضي من العاصمة الكينية نيروبي، لتمتد لعدد من الدول الأفريقية الشقيقة، حيث يتوجّه وزير الخارجية كذلك إلى كل من جزر القُمُر وجنوب أفريقيا والكونغو الديمقراطية والسنغال وتونس، حاملاً رسائل من السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية إلى أشقائه رؤساء وقادة هذه الدول حول تطورات ملف سد النهضة والموقف المصري في هذا الشأن.

وذلك انطلاقاً من حرص مصر على إطلاع دول القارة الأفريقية على حقيقة وضع المفاوضات حول ملف سد النهضة الإثيوبي، ودعم مسار التوصل إلى اتفاق قانوني مُلزم حول ملء وتشغيل السد على نحو يراعي مصالح الدول الثلاث، وذلك قبل الشروع في عملية الملء الثاني واتخاذ أي خطوات أحادية، فضلاً عن التأكيد على ثوابت الموقف المصري الداعي لإطلاق عملية تفاوضية جادة وفعّالة تسفر عن التوصل إلى الاتفاق المنشود.

وقد التقى وزير الخارجية، الاثنين ١٩ إبريل ٢٠٢١، بالسيد أوهورو كينياتا رئيس جمهورية كينيا الشقيقة، سلم خلال اللقاء الرسالة الموجهة من جانب السيد الرئيس السيسي إلى شقيقه الرئيس كينياتا بشأن وضع المفاوضات حول سد النهضة والموقف المصري في هذا الصدد، أخذاً في الاعتبار الدور الكيني الرائد على الساحة الأفريقية في العديد من المجالات، وفي ضوء عضويتها غير الدائمة بمجلس الأمن ممثلة عن القارة الافريقية.

في ثاني محطات جولته الأفريقية التقي وزير الخارجية بالسيد عثمان غزالي رئيس جزر القمر، الاثنين 19 ابريل 2021، حاملًا رسالة من الرئيس السيسي لشقيقه رئيس دولة جزر القمر، والتي تتمتع حالياً بعضوية هيئة مكتب الاتحاد الأفريقي، حيث تناولت الرسالة الوضع الحالي لمفاوضات سد النهضة واستعراض الموقف المصري في هذا الصدد.

كما التقى وزير الخارجية سامح شكري، اليوم ٢٠ إبريل ٢٠٢١، بالسيد سيريل رامافوزا رئيس جمهورية جنوب أفريقيا الشقيقة، حيث قام بتسليمه الرسالة الموجهة من الرئيس السيسي، وذلك في إطار حرص مصر على التنسيق والتشاور مع جنوب أفريقيا في ضوء مكانتها على الساحة القارية وعضويتها الحالية في هيئة مكتب الاتحاد الأفريقي. وقد حرص وزير الخارجية على الاعراب، في هذا السياق، عن تقدير مصر للجهود التي بذلتها جنوب أفريقيا في ملف سد النهضة طوال رئاستها السابقة للاتحاد الأفريقي.

ومن المقرر أن تضم الجولة أيضاً تونس، وهي العضو العربي الوحيد بمجلس الأمن، إضافة إلى السنغال، التي لها مبادرة لافتة بشأن استخدام الأنهار الدولية.

هذا وقد وجه شكري الأسبوع المنصرم خطابات إلى كل من سكرتير عام الأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن ورئيس الجمعية العامة، وطلب تعميمها كمستند رسمي تم من خلاله شرح كافة أبعاد ملف سد النهضة ومراحل التفاوض المختلفة وأخر التطورات. والتأكيد على خطورة استمرار إثيوبيا في اتخاذ إجراءات أحادية نحو الملء الثاني دون التوصل لاتفاق وأثر ذلك على استقرار وأمن المنطقة، فضلا عن أهمية دور الأمم المتحدة وأجهزتها في الاسهام نحو استئناف التفاوض والتوصل إلى الاتفاق المنشود، وتوفير الدعم للاتحاد الأفريقي في هذا الشأن.

مزاعم إثيوبية

تأكيد أخر للتوقيت الجيد للجولة الافريقية الأخيرة، وعزم إثيوبيا الشروع في الملء الثاني للسد بمجرد بدء موسم المفاوضات، ما جاء بيان وزارة الري المصرية والتي أكدت فيه قيام الجانب الإثيوبي بفتح المخارج المنخفضة بسد النهضة الإثيوبي وذلك تمهيداً لتجفيف الجزء الأوسط من السد للبدء في أعمال التعلية لتنفيذ عملية الملء للعام الثانى لسد النهضة.

موضحة بعض المغالطات الفنية التي تعمدت إثيوبيا خداع المشهد الدولي بها خلال الآونة الأخيرة. وكان من أبرزها:

  • الادعاء الإثيوبي بأن المخارج المنخفضة (Bottom Outlet) وعددها (2) فتحة قادرة على إمرار متوسط تصرفات النيل الأزرق .. هو إدعاء غير صحيح حيث أن القدرة الحالية للتصرف لا تتعدى 50 مليون م3/ يوم لكلا الفتحتين ، وهى كمية لا تفى بإحتياجات دولتى المصب ولا تكافئ متوسط تصرفات النيل الأزرق.
  • تنفيذ عملية الملء الثانى هذا العام وإحتجاز كميات كبيرة من المياه طبقاً لما أعلنه الجانب الإثيوبى ، سيؤثر بدرجة كبيرة على نظام النهر ، لأن المتحكم الوحيد أثناء عملية الملء فى كميات المياه المنصرفة من السد سيكون هذه المخارج المنخفضة، وسيكون الوضع أكثر تعقيداً بدءاً من موسم الفيضان (شهر يوليو القادم) لأن الفتحات ستقوم بإطلاق تصرف أقل من المعتاد استقباله في شهري يوليه واغسطس ، حيث أن الحد الأقصى لتصرفات المخارج المنخفضة تقدر بـ 3 مليار م3 شهرياً بفرضية الوصول لمنسوب 595 متر ، وهو ما يعنى معاناة دولتي المصب السودان ومصر وذلك فى حال ورود فيضان متوسط ، والوضع سيزداد سوءاً في حال ورود فيضان منخفض، الأمر الذى يؤكد على حتمية وجود اتفاق قانوني ملزم يشمل آلية تنسيق واضحة.

ولفت البيان إلى أن مصر سبق لها المطالبة فى عامى 2012، 2015 بضرورة زيادة تلك الفتحات لاستيفاء احتياجات دولتى المصب وعرضت تمويل التكلفة الزائدة، ولإعطاء مرونة أكبر خلال عمليات الملء والتشغيل والتعامل مع مختلف حالات الفيضان والجفاف، وادعت إثيوبيا ان تلك الفتحات كافية وكذلك يمكن تشغيلها بصفة مستمرة حال انقطاع الكهرباء.

وفي حقيقة الأمر فإثيوبيا تؤكد كل يوم تعنتها في استغلال الموارد المائية فقط لمجرد إنها دولة منبع، وظهر ذلك جليًا أثناء عملية الملء الأول والتي من المفترض أن يتم فيها توليد الكهرباء من خلال وحدات التوليد المبكر (عدد 2 توربينة)، إلا أن الجانب الإثيوبى قام بعملية الملء الأول وتخزين المياه دون توليد كهرباء ، وهو ما يؤكد أن عملية الملء الأول تمت لأسباب إعلامية وسياسية وليس لأسباب فنية أو تنموية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى