مكافحة الإرهاب

بيان الإخوان في ذكرى فض الاعتصام.. تكريس جديد لحالة الإفلاس

لم يكن فض اعتصامي رابعة العدوية وميدان النهضة في الرابع عشر من أغسطس عام 2013 مجرد إجراء أمني فحسب، للحفاظ على الأمن الداخلي في مواجهة أكبر الجماعات الإرهابية، بل كان أيضا “فضا” لفكر جماعة الإخوان، إن جاز التعبير. فمنذ ذلك التاريخ أصبح العنف هو أساس عمل الجماعة، ولا وجود للجانب الدعوي لها. الرغبة في الانتقام من الدولة المصرية، ومن الشعب المصري –الذي تدعي الجماعة الحديث باسمه- الذي أنهى وجودها السياسي بثورة يونيو 2013، بات هو المحدد لكل سلوكياتها.

في ظل الأزمة الهيكلية التي تعاني منها الجماعة، سواء على مستوى القيادة أو القواعد، أصدرت بيانا في ذكرى فض الاعتصام، لم يضف جديدا سوى تكريس حالة الأزمة التي تمر بها. ونشير فيما يلي إلى عدد من الملاحظات التي يمكن استخلاصها من هذا البيان.

1- محاولة الجماعة اكتساب الشرعية عبر استحضار ثورة يناير 2011 وشعاراتها، مع إسقاط كل ما تم بعد وصولها إلى السلطة في يونيو 2012 وما حمله ذلك من تناقضات مع ثورة يناير نفسها. ويظهر ذلك من محاولة البيان تأكيد الترابط بين الجماعة والشعب المصري؛ فقد أظهرت الجماعة -عبر البيان- فض الاعتصام على أنه “جريمة بحق الشعب المصري”، على اعتبار أن الجماعة تعبر عن الشعب وتدافع عنه وعن “الديمقراطية”! وجاء في البيان: “أيها الثائرون في كل ربوع مصر وشعبها الأبيّ، لنجعلَ من ذكرى رابعة سببًا في توحيد قوتنا وأهدافنا، فلنصطف صفًا واحدًا، ونهتف كما كنا نهتف في الميدان: عيش، حرية، عدالة اجتماعية”.

إن استحضار شعارات ثورة يناير مرة أخرى من جانب الجماعة، في سياق لحظة زمنية مغايرة تماما للحظة يناير 2011، لا يمثل أكثر من محاولة يائسة من جانب الجماعة لتجديد شرعيتها ومحاولة لكسب مؤيدين على قاعدة مختلفة بعيدا عن طبيعتها كجماعة “إرهابية”.

وفي الاتجاه ذاته، حاولت الجماعة تجاوز الفجوة والحواجز السياسية التي تطورت بينها وبين كافة القوى السياسية باستثناء عدد محدود منها، على خلفية خبرتها في حكم مصر، ثم توسعها في العنف والإرهاب بعد إزاحة نظامها السياسي، وتصوير نفسها وكأنها في معسكر واحد مع القوى السياسية في مصر. لقد ظهر هذا التوجه لأول مرة في بيانها في ذكري 30 يونيو، ثم أعادت التأكيد عليه في بيان ذكرى فض الاعتصام، فقد جاء في البيان: “أيَّها الثائرون الصامدون، يا كلَّ ثوار مصر وأحرارها، من اتفق معنا ومن اختلف، لكل القوى الثورية، تذكروا أننا كنا يومًا في مكانٍ واحدٍ وميدانٍ واحدٍ وهدفٍ واحدٍ، نهتفُ جميعًا ضد نظامٍ مجرمٍ واحد حتى حررنَا مصر وأرضها من حكمٍ عسكري أذاقها ألوان الضعفِ والظلم والفساد والهوان، ونستطيع -بإذن الله- إذا تكاتفت الجهود، وتوحدت الأهداف أن نكسر هذا الانقلاب العسكري ونخلص مصر من إجرامه وخيانته”.

وهكذا، تكشف مفردات البيان بشكل واضح عن نوايا الجماعة وما تحمله للدولة والمجتمع. كما يكشف هذا التوجه بشكل جلي عن سعي الجماعة للبحث عن حلفاء سياسيين، من خلال خطاب يتجاوز الواقع.

2- عمد البيان إلى وصف فض الاعتصام بـ “المذبحة”، بهدف استدرار العطف وتكريس حالة المظلومية، خاصة  بين من لم يعايشوا عملية فض الاعتصام، والمراحل التي مرت بها، بدءا من فتح قوات الأمن الممرات الآمنة للسماح بخروج أكبر عدد ممكن من المعتصمين دون استخدام العنف، ما أدى إلى قصر استخدام العنف فقط مع حاملي السلاح من أعضاء الجماعة، وهؤلاء هم من واجهتهم قوات الأمن. وتجاهل البيان أن عدد شهداء الشرطة خلال الشهر الذى شهد أحداث رابعة والنهضة بلغ 114 شهيدا (30 ضابطا، 82 مجندا وفرد شرطة، موظف مدنى واحد، وخفير). كما رصد تقرير تقصى حقائق لجنة 30 يونيو، التى تم تشكيلها لكشف غموض وتضارب الأحداث وما ترتب عليها من نتائج خلال هذه الفترة، أن أول قتيل كان من قوات الشرطة، ولم تلجأ الشرطة إلى استخدام الرصاص الحى إلا بعد وقوع أكثر من قتيل ومصاب بين صفوفها.

واقع الأمر إن إصرار الجماعة على استخدام التوصيفات والمفردات المغلوطة حول عملية فض الاعتصام ليست سوى جزء من إصرارها على إنكار الواقع الذي تجاوزها، وجزء من إصرارها أيضا على مخاطبة فئة من المغيبين لازالوا حريصين على تسليمها زمام عقولهم.

3- أعادت الجماعة -من خلال هذا البيان- التهديد بالقصاص والانتقام من الدولة المصرية، بل وممن يرفضون الجماعة من المواطنين المصريين أيضا، وهو تحريض مباشر على استخدام العنف، وهو موقف يتناقض أيضا وبشكل واضح مع موقف الجماعة الأخير من حركة “حسم” التي تمثل أحد الأذرع الإرهابية للجماعة؛ فقد نفى حزب الجماعة المنحل “الحرية والعدالة” أي صلة له بالحركة بعد تورطها في تنفيذ التفجير الإرهابي الأخير أمام معهد الأورام بالقاهرة في أوائل أغسطس الجاري. هذا التهديد الجديد لا يعنى سوى إصرار الجماعة على التمسك بالعنف والاستمرار في أنشطتها الإرهابية. كما يثير احتمالات تنفيذ الجماعة عمليات إرهابية جديدة، وهو ما يتضح من اختتامها البيان بالآية الكريمة: “وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا”. فقد تكون الآية دافعا لاستبشار أعضاء الجماعة، لكنها قد تكون أيضا إشارة لبعض الأعضاء.

وأخيرا، تجدر الإشارة إلى أن البيان بكل ما جاء فيه لم يقدم جديدا بالمقارنة بما اعتادت عليه بيانات الجماعة خلال الأعوام الأخيرة، ما يشير إلى حالة من الإفلاس الفكري والحركي لدى الجماعة، في ضوء عدم قدرتها على تطوير خطاب مقنع سياسيا أو اجتماعيا، ليس فقط للمجتمع وقواه السياسية ولكن حتى لأعضائها، ما أدى في التحليل الأخير إلى تكريس أزمتها متعددة الأبعاد، سواء بين مستواياتها القيادية والقاعدية، أو على مستوى القيادة، أو بين القيادة وشباب الجماعة. أضف إلى ذلك نجاح الأجهزة الأمنية المصرية في تفكيك الجماعة عبر سلسلة من الضربات الأمنية المهمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى