إيران

ماذا يقدم الاشتباك الإيراني الإسرائيلي للمنظومة الأمنية في الإقليم؟

قدم الميدان السوري للفكر العسكري على المستويين التكتيكي والاستراتيجي الكثير من الإضافات المذهلة في إدارة فن الحرب “اللا متماثلة”، وهي الحرب التي لا تتماثل فيها قدرات الأطراف المتحاربة، بل تتفاوت بشدة بين قدرات شاملة وأخرى شبه معدومة. 

ومع ذلك كان الميدان السوري أعقد ساحة صراع في العالم منذ الحرب العالمية الثانية، فحالة اللا تماثل بين جميع الفواعل المحلية والإقليمية والدولية، دفعت بإطالة زمن الحرب، وباتساع رقعة الدمار في القطر السوري بأكمله. فراقبت الدول المنخرطة وغير المنخرطة في الصراع السوري ديناميكيات الحرب المستعرة، ووقفت على أهمية ومحورية الارتقاء بسلاح الجو، وأجهزة الاستخبارات لتحقيق الميزة الاستباقية للأحداث وتباعًا التحديات، وكذلك محورية أدوار القوات الخاصة المحدودة، عالية التدريب، عوضًا عن التشكيلات العسكرية الكلاسيكية (كتيبة – لواء – فرقة). 

وعلى مستوي منظومة الأمن الإقليمي، أفرز الميدان السوري جملة من التهديدات والتحديات التي طالت جنوب القوقاز لتصل إلى غرب أوروبا وشمال أفريقيا؛ إذ تسببت حالة إنهاء احتكار الدولة للقوة الإكراهية والسيولة الأمنية، وتشابك الأجندات الإقليمية، في تهديد منظومة الأمن الإقليمي بالهجرات المليونية وبالإرهاب وشيوع تجارة البشر والمخدرات والنفط المسروق. 

وأدي الميدان السوري إلى تداعي منظومة الأمن الإقليمي بمنطقة الشرق الأوسط، التي مازالت تكابد محاولات الهندسة الأمنية الجديدة لها بما يحقق توازن قوي جديد يردء أخطار المواجهات العسكرية المباشرة ويكبح جماح حالة الاقتتال بالإنابة بين مختلف الفواعل الإقليمية، وحلّ الصراع الإيراني الإسرائيلي على رأس محفزات تداعي المنظومة الأمنية الإقليمية، كونه بات يستخدم ويطوع الأدوات غير النمطية في توجيه ضرباته وملاحقاته. وللوقوف على التأثير الذي يحدثه الصراع الإيراني الإسرائيلي في المنظومة الإقليمية، يجب أولًا تحديد أبعاد وأدوات هذا الصراع.

الطريق نحو الدولة المركز.. أبعاد وأدوات الصراع بين تل أبيب وطهران

بدأ السباق حاميًا نحو الدولة المركز منذ تفجر موجات ما يُسمى بالربيع العربي 2011 وخروجها عن نمط التظاهر السلمي للاقتتال الداخلي الموسع الذي أفضي بدوره لإتمام خروج كل من سوريا والعراق من معادلة القوة العربية الرئيسية. ويُقصد بالدولة المركز؛ تلك الدولة الأكثر نفوذًا وامتلاكًا لأدوات القوة في منطقة الشرق الأوسط، وتباعًا السيطرة والهيمنة على مفاصل الإقليم سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.

ويخوض حاليًا الثلاثي الإقليمي غير العربي “تركيا – إيران – إسرائيل” هذا السباق، إذ يُعبر الثلاثي عن مصفوفة القوى المتنافسة على الاستئثار بموضع الدولة المركز وملء الفراغ الاستراتيجي في الجناح الشرقي للمنطقة العربية وكذلك في خاصرة المنطقة العربية من الجنوب، في إفريقيا ومن إحداثيات أقاليمها الشرقية والغربية تحديدًا.

وعلى الرغم من التفاهم المؤقت والنسبي بين تركيا وإيران في سائر الملفات الأمنية المرتبطة بانخراطهما العسكري في سوريا والعراق وليبيا واليمن، والذي أفضى إلى تخفيض احتمالات الاشتباك العسكري المباشر وبالإنابة بينهما طول العقد الماضي؛ يظهر سجال عنيف بين أحد قطبي المصفوفة الثلاثية “إسرائيل – إيران”، ويمتد هذا السجال ليشمل الاشتباك المباشر وغير المباشر بينهما، وكذلك تفعيل الأدوات النمطية وغير النمطية في صراعهما على النفوذ.

محفزات النزاع بين قطبي المصفوفة “إسرائيل – إيران”

على نقيض الخطاب العدائي بين الثنائي، فإن الإرث التاريخي بين اسرائيل وإيران غني بمحطات التنسيق وتكامل الأدوار في عهد الشاه، والدعم اللوجيستي والاستخباري في حقبة الخميني إبان حقبة الحرب الإيرانية العراقية؛ إذ قدمت إسرائيل الدعم اللوجيستي لدولة الفقيه في حربها ضد بغداد، حيث قُدرت مبيعات الأسلحة الإسرائيلية إلى إيران إجمالًا بـ 500 مليون دولار أمريكي في الفترة من عام 1981 إلى 1983 وفق ما ذكره معهد جيف للدراسات الإستراتيجية في جامعة تل أبيب.

ولقد تم دفع معظم هذا المبلغ من خلال النفط الإيراني المقدم إلى إسرائيل، “وفقًا لأحمد حيدي، “تاجر الأسلحة الإيراني الذي كان يعمل لصالح نظام الخميني، وتشير بعض التقديرات أن 80% بالكاد من الأسلحة التي اشترتها طهران” بعد شن الحرب مباشرةً أنتجت في إسرائيل. هذا فضلًا عن قيام إسرائيل بتسهيل عمليات شحن الأسلحة من الولايات المتحدة إلى إيران في القضية المعروقة إعلاميًا بـ “إيران – كونترا”.

وعلى النقيض من موروث الصداقة بينهما، أثارت الوقائع الجيوسياسية في المنطقة منذ 2011 لعاب تل أبيب وطهران. فكلاهما يمتلكان مشروعين توسعيين قوميين، ويستندان على إطار عقائدي أممي. ولكن حالة اللاتماثل بين قدراتهما العسكرية والتفاوت الصارخ بينهما في شكل وتصميم الدولة قد دفعا بواحدة من أكثر السجالات الاستراتيجية في الشرق الأوسط تهديدًا لمنظومة الأمن الإقليمي، ويمكن عد محفزات الصراع بينهما كالآتي:

  • استقرار خطوط التماس في الميدان السوري لستة أشهر لأول مرة منذ 2012، فقد استقرت خطوط التماس في سوريا بين الجيوش الخمسة “السوري – الروسي – الإيراني – الأمريكي – التركي”، فيما بدا وكأنه توافق نسبي بين الفواعل الدولية والإقليمية على تثبيت ثلاثة مناطق للنفوذ؛ ثلثي الجغرافيا السورية تحت سيطرة الحكومة السورية وداعميها الرئيسيين “روسيا –إيران”، وربعها لقوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة، ومنطقة أخيرة تضم قطاعات من الشمال والشمال الغربي السوري يقع تحت السيطرة التركية وشبكة تنظيماتها المسلحة كما توضح الصورة التالية:

لكن مناطق النفوذ تلك بنقاط تماسها، منحت إيران ميزة تفوق على المستوي التكتيكي والاستراتيجي؛ إذ باتت طهران تملك في سوريا أكثر من 60 ألف مسلح يتوزعون على نحو 50 ميليشيا محلية وأجنبية تعمل داخل الأراضي السورية، فضلًا عن عشرات من القواعد العسكرية ونقاط المراقبة التي هيأت لطهران تدشين بنية تحتية عسكرية دائمة في سوريا وتقع قبالة الحدود الإسرائيلية كما توضح الصورة التالية:

بيد أن منشآت البنى التحتية العسكرية الإيرانية في سوريا تشمل محطات الاستخبارات والدعم اللوجيستي ومنصات إطلاق الصواريخ والمسيرات الانتحارية ومعسكرات التدريب ونقاط المراقبة. وأخذت تلك القواعد ونقاط المراقبة تتسلل من مركزها الرئيس “مطار دمشق الدولي” نحو الجنوب، حتى باتت على مقربة 7 كيلومترات من الحدود الإسرائيلية. إذ يعمل العديد من المسلحين الموالين لإيران ضمن تشكيلات الحكومة السورية ويتصرفون طبقًا للقرار الاستراتيجي لطهران.

الأمر الذي عزز من احتمالية أن تصوب الترسانة الصاروخية الإيرانية باتجاه اسرائيل من أقرب نقطة تطل على الحدود الإسرائيلية من الجنوب السوري، فضلًا عن تعزيز عمليات الدعم اللوجيستي لميليشيا حزب الله، ومدها بالسلاح النوعي. ما جعل سلاح الجو الإسرائيلي يشهد حالة “إشغال” لم يختبرها منذ حرب أكتوبر 1973. إذ هاجم سلاح الجو الإسرائيلي في العام 2020 وحده حوالي 135 هدفًا ارتبط بالوجود الإيراني في سوريا.

وتحاول إسرائيل من خلال ضرباتها الجوية المكثفة التي طالت مناطق الشرق السوري وصولًا للجنوب؛ منع إيران من امتلاك بنى تحتية عسكرية دائمة، ورفع تكلفة جهود إيران لإعاشة شبكة ميليشياتها ووجودها في الأراضي السورية، ومن ثم الدفع بتحريك الجمود في خطوط التماس الحالية التي تخدم المخططات الإيرانية في سوريا.

  • رغبة الولايات المتحدة في إعادة العمل بالاتفاق النووي مع إيران، إذ ترى إسرائيل أن أية محاولات غربية لإعادة إيران بالعمل ضمن اتفاقية العمل المشتركة “الاتفاق النووي” سيضع طهران أمام سلة من المكاسب الاستراتيجية المهمة، منها إنعاش قطاع الاقتصاد والتطوير والبحث العلمي المخصص للأغراض العسكرية، وتوسيع دائرة نفوذها عبر وكلاء ميليشياويين بالمنطقة، وتعزيز برنامج الصواريخ الباليسيتية بما يهدد توازن القوي الحالي. 

ولمّا عبرت الولايات المتحدة عبر مستويي البيت الأبيض والخارجية عن استعدادها للعودة بالعمل بالاتفاق النووي، ودخول إيران للمفاوضات الدولية بجنيف، ترغب إسرائيل في وضع الولايات المتحدة وإيران أمام مسار مسدود في المفاوضات الجارية دون المستوي الرسمي حتى اللحظة، وذلك بتوجيه الضربات الاستفزازية لإيران وإبراز سلوكها العدائي المناوئ للكتلة الغربية ككل. 

وعليه، اندلع الصراع الإسرائيلي الإيراني خلال الاشهر الثلاث الماضية، لينقل نفسه من مستوى الحرب الخفية، للحرب المعلنة غير المباشرة، والتي تجري برًا وبحرًا وجوًا. وطوعت الأدوات التالية:

  • العمليات التخريبية والاستخباراتية: منذ يونيو 2020 تتعرض إيران لتفجيرات غامضة في منشآت مدنية وعسكرية حساسة، وفي 26 يونيو، وقع انفجار شرقي طهران بالقرب من قاعدة بارشين العسكرية، وقالت السلطات إن سبب الانفجار تسرب من منشأة للغاز في منطقة خارج القاعدة. بعدها سجلت طهران انفجارًا بمنشأة طبية في شمال العاصمة، أسفر عن مقتل 13 شخصًا وإصابة 6 آخرين. بعدها بأيام، قالت إيران، إن “حادثًا” تسبب في تدمير مبنى قيد الإنشاء بالقرب من محطة نظنر للطاقة النووية، غير أنه لم يلحق ضررًا بمنشأة الطرد المركزي. 

وفي 19 يوليو، أكدت وسائل إعلام إيرانية أن حريقًا كبيرًا اندلع في ميناء بوشهر، مشيرة إلى احتراق 7 سفن على الأقل، من دون وقوع ضحايا. واستمرت العمليات التخريبية الغامضة حتى وصلت ذروتها في يوم الأحد، 11 إبريل الجاري، حيث وقع انفجار في منشأة نظنز النووية، ووصفت صحيفة “نيويورك تايمز”، نقلًا عن اثنين من مسؤولي المخابرات الانفجار بأنه “انفجار ضخم وجّه ضربة قاسية لقدرة إيران على تخصيب اليورانيوم”. 

وذلك بعد أقل من يوم على وصف مسؤولي منظمة الطاقة الذرية الإيرانية الانفجار في البداية بأنه “حادث” ثم “عملية إرهابية”. وبحسب المسؤولين، فإن نظام الطاقة الداخلي للمنشأة النووية والذي يوفر الطاقة لأجهزة الطرد المركزي قد دُمِر بالكامل. وقد تم إعلان نبأ “الحادث الذي وقع في منشأة التخصيب في نطنز”، بعد يوم من إعلان منظمة الطاقة الذرية الإيرانية إعادة بناء “مركز تجميع أجهزة الطرد المركزي من الجيل الجديد في نطنز” بعد نحو عشرة أشهر من هجوم الثاني من يونيو 2020 مؤكدة أنه أصبح جاهزًا للاستخدام.

  • عمليات الاغتيالات: أصبحت إيران خلال السنتين الماضيتين ساحة لتنفيذ “العمليات الاستخباراتية” النظيفة، وهي الاغتيالات التي تتم من دون الكشف أو القبض على المنفذين وشبكة العملاء المحليين. وكان من أبرز تلك العمليات، اغتيال نائب وزير الدفاع الإيراني والمسؤول الأول عن البرنامج النووي “محسن فخري زاده” في نوفمبر من العام 2020. وقد تطرق المرصد المصري لهذه العملية في إحدى ورقاته التحليلية المنشورة بعنوان “هل يقوم الذكاء الاصطناعي بهمام التصفية والاغتيالات؟”، فضلًا عن اغتيال قيادي بارز في تنظيم القاعدة في شوارع طهران، في نوفمبر 2020.
  • الحرب السيبرانية: شهد العام 2020 أكثر السجالات جراءة بين إسرائيل وإيران في مضمار الحرب السيبرانية، إذ برهنت على امتلاك الطرفين قدرات كبيرة في هذا المجال، كانت كافية لتحقيق خسائر متبادلة. ففي إبريل 2020 اتهمت اسرائيل، إيران بالوقوف وراء هجوم طال 6 منشآت مائية في آن واحد منها محطة ضخ للمياة كاد أن يسمم الآلاف من الاسرائيليين بعد العبث بكميات الكلور الموجودة بالمياة. وقامت إسرائيل بالرد في 9 مايو من ذات العام، واستهدفت ميناء “بندر بن عباس” وأخرجته من الخدمة لثلاثة أيام ما تسبب في خسائر مالية كبيرة. 

حرب السفن: في 25 فبراير، تغيرت أساليب المواجهة بعض الشيء وانتقلت للمستوى البحري، إذ تعرضت سفينة الشحن الإسرائيلية “إم في هيليوس راي” لهجوم في البحر، ووُجهت أصابع الاتهام إلى إيران. ثم أصيبت السفينة الإيرانية “شهر كرد” بالقرب من سوريا، تلتها إصابة سفينة الحاويات الإسرائيلية “لوري” في بحر العرب، ثم السفينة اللوجستية العسكرية “سافيز”، في البحر الأحمر. وأفادت مصادر مختلفة الثلاثاء الماضي عن إصابة سفينة “هايبريون راي” الإسرائيلية بالقرب من ساحل الإمارات، من دون تفاصيل إضافية. وقد تناول المرصد المصري في إحدى ورقاته المنشورة “على نار هادئة.. اتساع رقعة “حرب السفن” بين إسرائيل وإيران” تفاصيل حرب السفن بين إسرائيل وإيران.

تأثير تفعيل الأدوات غير النمطية في الصراع الإسرائيلي الإيراني على البيئة الأمنية في الإقليم

على غرار الاصطدام الكلاسيكي لقوى البحر بقوى البر، في الثنائية التاريخية التي مثلها كل من الإغريق والفرس. يجيء اصطدام إسرائيل بإيران ليجسد تفاوت ملحوظ في القدرات بينهما، فإسرائيل بعوارها الجغرافي وإمكاناتها الاستخباراتية والجوية والسيبرانية ما لبثت أن تتحرك كيفما تحركت روما وأثينا قبل الميلاد، كقوة بحر تسعى إلى فرض الهيمنة على العديد من المسارح البحرية رغم قدراتها البحرية الكمية المحدودة. وإيران تلك القوة التي لطالما جسدت “قوى البر” عبر تاريخها التوسعي، تسعى جاهدةً إلى تعويض الفارق التقني والجوي أمام تل أبيب. الأمر الذي دفع بموجات من التأثير الأمني جراء اصطدام الثنائي، يمكن عدّها كالاتي:

  • تهديد الممرات الملاحية ومناطق الاختناق المرورية البحرية: أفادت صحيفة وول ستريت جورنال أن إسرائيل منذ العام 2019 بدأت في استهداف موسع وصامت لناقلات النفط الإيرانية. وطالت الهجمات 12 ناقلة نفط إيرانية متجهة إلى سوريا، على مدى سنتين؛ خوفًا من أن تدر تلك الشحنات أرباحًا تستغلها طهران في تمويل الميليشيات. وبالنظر لمسارح الاستهداف نجدها تتركز في ثلاث دوائر (البحر المتوسط – البحر الأحمر – بحر العرب ومضيق هرمز).

وهي مناطق يمر من خلالها أكثر من 20% من النفط المتداول في جميع أنحاء العالم. ما يهدد مناطق الاختناق المرورية وتجارة النفط، كون عمليات الاستهداف تتم من دون “الإغراق” للسفن المستهدفة فضلًا عن الاعتماد المتبادل بين الطرفين المتحاربين على تشكيلات الكوماندوز في تنفيذ أعمال التفجير.

  • السعي إلى تعزيز النفوذ بمناطق بحرية جديدة: تسعى كل من إسرائيل وإيران إلى فرض مناطق نفوذ جديدة بالقوة الإكراهية في المسارح البحرية المتصلة بجغرافيتهما، وعلى رأسها البحر الأحمر الذي تطل عليه إسرائيل من خلال شريط ضيق عبر ميناء إيلات. وهو شريط لا يسمح لها بهذا النشاط البحري بطول البحر الأحمر ووصولًا إلى بحر العرب؛ إذ تسعى القوتان “إسرائيل – إيران” إلى تجاهل مصفوفة القوى المتشاطئة على البحر الأحمر والتصرف كما لو كان البحر بأكمله مياهًا دولية.
  • رفع تكلفة الاستجابة العربية لتهديدات الاشتباك الاسرائيلي الإيراني: كانت الاستجابة المصرية لمجمل التهديدات القادمة من البحر الأحمر؛ مبكرة. فقد دشن الرئيس عبد الفتاح السيسي الأسطول الجنوبي في يناير 2017، وتكون الأسطول من مجموعة قتالية من قطع السطح والأعماق، أبرزها حاملة المروحيات وسفينة الإنزال البرمائي الهجومية “ميسترال”. فأصبح المدي العملياتي للأسطول الجنوبي يبدأ من ميناء بورسعيد شمالًا ليصل إلى مضيق باب المندب جنوبًا.

ولتعزيز المدي العملياتي للأسطول، افتتحت قاعدة برنيس العسكرية، إحدى أكبر القواعد العسكرية في الشرق الأوسط والمطلة على البحر الأحمر في يناير 2020. إذ وفرت القاعدة ميزة النقل التعبوي الاستراتيجي للقوات خارج الحدود ووسعت من المدي العملياتي لسلاحي الجو والبحرية فضلًا عن تدعيم عمليات الاستجابة الفورية للتهديدات والعدائيات القادمة من سواحل القرن الإفريقي وليس فقط من مضيق باب المندب. 

فيما تأسس مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن في يناير من ذات العام. وهو تجمع يضم كل من “مصر – السعودية – اليمن – السودان – الاردن – جيبوتي – الصومال”. بهدف تعزيز الجهود لتحقيق المصالح الأمنية والسياسية والاستثمارية وتأمين حركة الملاحة البحرية في الممر المائي الدولي.

  • التنافس على تثبيت قواعد عسكرية ومحطات استخبارات بسواحل القرن الإفريقي: تعتمد كل من إسرائيل وإيران على تكتيكات تتشابه كثيرًا وتكتيكات “التأمين الديناميكي” للقوات باستخدام رؤوس الجسور. أي أنه يتطلب عليهما تثبيت قواعد مطلة على البحر لضمان عمليات الانتشار والتنسيق في أعمال الاستخبارات والاستطلاع. فلا عجب أن الخصمين يملكان قواعد عسكرية في دولة إريتريا، فضلًا عن وجود قواعد لـ 16 دولة في منطقة القرن الإفريقي. ما قد يدفع بانتقال مستوى الصراع الحالي بين إسرائيل وإيران من “الرمادي” الذي يبقي على حالات عدم الاشتباك المباشر، إلى مستوى الاشتباك الموسع واستهداف نقاط الوجود على السواحل الإفريقية، وتباعًا البحث عن مٌضيف جديد لنفوذهما العسكري يتخطي اليمن وإريتريا. 
  • التوظيف الطائفي على ضفتي مضيق باب المندب: كما استخدمت إيران العراق كنقطة انطلاق لأكثر الهجمات تأثيرًا على السعودية، هجمات أرامكوا سبتمبر 2019، من المرجح أن تلجأ إيران لاستخدام الحوثي لاستهداف المصالح الإسرائيلية في البحر الأحمر، ما قد يدفع بحالة ضبابية للمستقبل السياسي المتعثر لليمن وسط تسويات الحد الأدني الجارية الآن. فيما قد تلجأ إسرائيل في كبح جماح إيران في شرق إفريقيا بتوظيف الجماعات الإرهابية ذات البوتقة السنية في تصفية الوجود الإيراني بالمنطقة، ومعها منطقة غرب إفريقيا التي تشهد وقت كتابة هذه السطور صعودًا كبيرًا لتنظيمات داعش والقاعدة وخاصة في دول الساحل والصحراء ونيجيريا.

ختامًا: في الواقع، زاد الإيرانيون من كمية اليورانيوم المخصب الذي بحوزتهم، وعززوا الخطوط العريضة لموقعي التخصيب “نطنز –بوردو”، ورفعوا نسبة التخصيب لـ 60%، وقدرة التخصيب هذه أكبر بـ 3 مرات مما هو مسموح به في الاتفاق النووي. وبحسب الخبراء، كان من المفترض أن يؤخر الحادث الذي تعرضت له منشأة نطنز في يونيو 2020 إدخال أجهزة طرد مركزي جديدة لمدة عام تقريبًا. وقد مرت نحو 9 أشهر، وصرحت إيران في الأيام الأخيرة بأنها بصدد تركيب أجهزة طرد مركزي جديدة هناك. وهذا جر إلى الانفجار الأخير الذي تسبب في مزيد من الضرر للمنشأة التي لا يعرف بعد حجم الدمار فيها. 

والآن، بعد أن وصل بايدن إلى البيت الأبيض، ويريد العودة إلى اتفاقات 2015، فقد خابت كل آمال إسرائيل. وفي غياب استراتيجية، فإن التكتيك الوحيد هو منع بايدن من التوصل إلى اتفاقات مع إيران. وبهذه الطريقة، ستبقى العقوبات الأميركية على حالها، وسيؤدي فشل المحادثات إلى تصلب المواقف الأميركية تجاه إيران.  ومن المرجح أن تفاقم إيران من انتهاكاتها للاتفاقات بطريقة ستجبر بايدن على تشديد المواقف، ردًا على ذلك. 

وعليه، يظل البرنامج النووي الإيراني والتطوير المتسارع في بنيته التحتية، ضمن أبرز محفزات اشتعال الاشتباك بين تل أبيب وطهران، بالإضافة إلى محصلة وجودها في سوريا ولبنان. على أن محفزات الاشتباك تلك قد هددت منظومة الأمن الإقليمي بوقع يوازي في شدته وقائع موجات ما يٌسمى بالربيع العربي، ما يتطلب استجابة جماعية فورية ولاسيما عربية، وخاصة في مسرح البحر الأحمر، للعودة بهذا الاشتباك لمستوى آمن غير مهدد لمصالح الدول المتشاطئة على هذا البحر المهم وتباعًا ضبط إيقاع مشروع الهندسة الأمنية الجديدة للشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى