السد الإثيوبي

ننشر نص خطاب مصر إلى مجلس الأمن الدولي بشأن تطورات ملف سد النهضة

عرض – هادي الشافعي

بعثت مصر خطابًا إلى مجلس الأمن الدولي في 13 أبريل الجاري بشأن ملف سد النهضة بعد أن تعثرت في 6 أبريل الجاري المفاوضات التي عُقدت بين الدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا) في العاصمة الكونغولية كينشاسا برعاية رئيس الاتحاد الأفريقي ورئيس الكونغو الديمقراطية فليكس تشيسكيدى بشأن عملية ملء وتشغيل السد.

وإلى نص الخطاب

أكتب إليكم لإطلاعكم وأعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على آخر التطورات المتعلقة بمسألة سد النهضة الإثيوبي الكبير (GERD).

منذ يوليو 2020، شاركت مصر بنشاط في العملية التي يقودها الاتحاد الأفريقي وفقًا للتفويض الصادر عن قمة مكتب الاتحاد الأفريقي في 21 يوليو 2020، لتسهيل إبرام اتفاقية ملزمة بشأن ملء وتشغيل سد النهضة. ” خلال هذه المحادثات، تفاوضت مصر بحسن نية وسعت للتوصل إلى اتفاق عادل ومتوازن يحفظ حقوق الدول الثلاث وحقوقها ويحافظ على مصالحها المشتركة، وقد انعكس ذلك في حقيقة أن مصر سعت باستمرار إلى حلول مربحة تضمن تحقيق إثيوبيا لأهدافها التنموية من توليد الطاقة الكهرومائية من سد النهضة بشكل سريع ومستدام، مع التخفيف من الآثار السلبية لهذا السد على مجتمعات المصب في مصر والسودان.

للأسف، أثبتت العملية التي يقودها الاتحاد الأفريقي، حتى الآن، أنها غير مجدية. بعد أكثر من ثمانية أشهر من المحادثات، لسنا قريبين من اتفاق بشأن سد النهضة. ولا تزال مواقف بلداننا الثلاثة متباينة، ولم تنجح الجهود المبذولة لسد الفجوة بشأن القضايا القانونية والتقنية المعلّقة. وعلى الرغم من المرونة التي أبدتها مصر وجهودنا المخلصة للتعامل مع اهتمامات ومصالح إثيوبيا، إلا أن مفاوضاتنا لم تسفر عن أي تقدم. ويرجع ذلك إلى مواقف إثيوبيا المتعنتة التي تعكس الافتقار إلى الإرادة السياسية لإبرام اتفاق يأخذ في الاعتبار الحقوق المائية لمصر والسودان أو يتضمن تدابير مناسبة للتخفيف من الضرر المحتمل الذي يمكن أن يُلحقه سد النهضة بدولتي المصب. في الواقع، يبدو أن إثيوبيا مترددة في أن تصبح طرفًا في اتفاق مُلزِم قانونًا يحدد حقوقًا والتزامات واضحة للأطراف الثلاثة ويتضمن آليات قوية لضمان تنفيذه الفعال.

علاوة على ذلك، خلال الاجتماع الوزاري الثلاثي الأخير الذي عقد في كينشاسا في 4-5 أبريل 2021 تحت قيادة جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي تترأس الاتحاد الأفريقي حاليًا، رفضت إثيوبيا إعادة الانخراط في المفاوضات بشأن سد النهضة. تم عقد هذا الاجتماع بهدف إعادة إطلاق المفاوضات وفق طريقة محسّنة من شأنها التغلب على عدم فعالية الصيغة التفاوضية التي تم اعتمادها، ضمن العملية التي يقودها الاتحاد الأفريقي خلال الأشهر السابقة ولضمان أن تؤتي هذه المحادثات ثمارها.

لكن لسوء الحظ، رفضت إثيوبيا المقترحات والأفكار المتعددة التي قدمتها مصر والسودان خلال هذا الاجتماع الوزاري لإعادة النظر في أساليب العملية التي يقودها الاتحاد الأفريقي وتعزيزها. ورفضت اقتراحًا بإنشاء الرباعية الدولية التي من شأنها أن تعمل كوسيط بين الأطراف الثلاثة والتي ستقودها جمهورية الكونغو الديمقراطية وتشمل إلى جانب الاتحاد الافريقي، الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والأمم المتحدة. كما رفضت إثيوبيا أيضًا اقتراحًا للتفاوض وفقًا للصيغة المحددة 1 + 3 والتي من شأنها التأكيد على أن المفاوضات ستقودها جمهورية الكونغو الديمقراطية وأن شركائنا الدوليين الثلاثة سوف يكملون جهود الاتحاد الأفريقي.

وبالمثل، رفضت إثيوبيا قبول اقتراح يؤكد على قيادة الاتحاد الأفريقي للمفاوضات. ويشدد على أن جمهورية الكونغو الديمقراطية ستسهل المفاوضات بمساعدة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والأمم المتحدة من أجل صياغة حلول للأمور القانونية والتقنية المعلقة. ثم أخيرًا، خلال جلسة للاجتماع الوزاري، رفضت إثيوبيا من جديد اقتراحًا أكد على أن جمهورية الكونغو الديمقراطية ستقود المفاوضات وتسهلها مع التأكيد على أن رئيس الاتحاد الأفريقي قد يعتمد على الأدوات والموارد المتاحة له لتسهيل عملية التوصل إلى اتفاق. حتى أن إثيوبيا رفضت إدراج إشارة في البيان الختامي الصادر في ختام الاجتماع الوزاري في كينشاسا إلى أن المفاوضات ستستأنف بهدف التوصل إلى اتفاق ملزم قانونًا بشأن ملء وتشغيل سد النهضة.

هذا على الرغم من حقيقة أن الاجتماع على مستوى القمة لمكتب الاتحاد الأفريقي الذي عقد في 21 يوليو 2020 قد وجه الدول الثلاث إلى “الانتهاء على وجه السرعة من نص اتفاقية ملزمة بشأن ملء وتشغيل سد النهضة”. الأمر الأكثر إثارة للقلق هو حقيقة أن إثيوبيا أعلنت مرارًا وتكرارًا أنها تعتزم تنفيذ المرحلة الثانية من ملء سد النهضة بغض النظر عما إذا تم التوصل إلى اتفاق مع مصر والسودان. إذا تم تنفيذ الملء الثاني من جانب واحد، والذي من المتوقع أن تحتجز إثيوبيا خلاله، ما لا يقل عن 13.5 مليار متر مكعب من المياه في خزان سد النهضة، فقد يتسبب ذلك في أضرار كبيرة، إن لم تكن كارثية، على مصر والسودان.

على وجه الخصوص، سيتأثر 20 مليون مواطن سوداني، الذين يعيشون في اتجاه مجرى النهر ومرافق الطاقة الكهرومائية السودانية، بما في ذلك سد الروصيرص، بشكل مباشر وتهديدهم من خلال المرحلة الثانية من الملء والتشغيل الأحادي المستمر لسد النهضة. وبالمثل، فإن مصر، التي تعتمد اعتمادًا كليًا على نهر النيل في كسب قوتها وبقاء 105 مليون مواطن على قيد الحياة، ستتأثر سلبًا بسد النهضة، خاصة خلال فترات الجفاف التي قد تتزامن مع ملء هذا السد وتشغيله يمكن أن يسبب نقصًا كبيرًا في المياه في مصر.

علاوة على ذلك، اقترحت إثيوبيا مؤخرًا أن تنشئ الدول الثلاث آلية لتبادل البيانات الفنية حول عملية ملء سد النهضة. في حين أن اقتراح تبادل البيانات الفنية قد يكون بنّاءً ظاهريًا، فإن الحقيقة هي أن الغرض من آلية تبادل البيانات في هذا السياق هو ضمان الامتثال للشروط الموضوعية لاتفاقية بشأن ملء وتشغيل سد النهضة. بدون مثل هذا الاتفاق، سيصبح إنشاء آلية تبادل البيانات وسيلة لتأمين اعتراف مصر الفعلي وقبولها بملء إثيوبيا الأحادي الجانب لسد النهضة. يجب أن يتم ملء خزان سد النهضة وفقًا لبنود الاتفاقية الشاملة لملء وتشغيل السد، والتي يجب مراقبة تنفيذها من خلال آلية تبادل البيانات “ضمن أمور أخرى”.

 وعليه، تدعو مصر المجتمع الدولي إلى إقناع إثيوبيا بأهمية الانخراط بروح حسن النية في مفاوضات لإبرام اتفاق بشأن سد النهضة خلال الأشهر المقبلة والامتناع عن اتخاذ أي إجراء من جانب واحد، بما في ذلك تنفيذ التعبئة الثانية خلال موسم الفيضان والتي ستبدأ خلال صيف 2021 حتى يتم الاتفاق.

إن عدم التوصل إلى اتفاق، وإلحاق الضرر بمصالح دول المصب، وتعريض أمنها المائي للخطر، سيؤدي إلى تصعيد التوترات في جميع أنحاء شرق أفريقيا والقرن الأفريقي، وسيشكل تهديدًا خطيرًا للسلام والأمن الدولي. وسيضع مصر في موقف لا يمكن الدفاع عنه استراتيجيًا، وسيجعل بقاء ومعيشة شعوبنا خاضعًا لسيطرة دولة منبع النهر التي أظهرت نقصًا في الإرادة السياسية للعمل كصاحب مصلحة مسؤول وشريك مشاطئ.

ما زلت آمل أن يتم التوصل إلى تسوية لمسألة سد النهضة بما يضمن عدم تحول هذا الأمر إلى مصدر توتر وعدم استقرار. في الواقع، من خلال المشاركة النشطة للمجتمع الدولي، يمكن التوصل إلى اتفاق عادل ومتوازن بشأن سد النهضة الذي يفتح إمكانات التعاون بين بلداننا الثلاثة ويرسم مسارًا جديدًا لحوض النيل بأكمله وشرق إفريقيا.

 أرجو أن تتقبلوا، معالي السعادة، فائق الاحترام

سامح شكري

وزير خارجية جمهورية مصر العربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى