مكافحة الإرهاب

صحيفة أمريكية :هل تصبح أفغانستان ملاذًا آمنًا للإرهاب مرة أخرى؟

عرض – نسرين الشرقاوي

تناولت صحيفة النيويورك تايمز  الأمريكية تقديرات مسؤولي المخابرات الأمريكية للإجابة على السؤال المركزي، هل خطر الإرهاب ضد أمريكا سيظهر من جديد من أفغانستان؟ وذلك بعد قرار الرئيس الأمريكي جو بايدن بسحب كل القوات القتالية الأمريكية من أفغانستان بحلول 11 سبتمبر والتي استمر وجودها لمدة عقدين من الزمان من 2001 إلى الآن.

وذكرت الصحيفة الأمريكية ؛ في تقرير تحت عنوان هل ستصبح أفغانستان ملاذًا آمنًا للإرهاب مرة أخرى؟  أن مسؤولي المخابرات عرضوا على إدارة بايدن صورة قاتمة شاملة لمستقبل أفغانستان نفسها، وتوقعوا أن تحقق طالبان مكاسب في ساحة المعركة، وستكافح القوات الحكومية الأفغانية للسيطرة على الأراضي، ومن غير المرجح التوصل إلى اتفاق سلام بينهما. وقد تم الإعلان عن الخطوط العريضة لهذا التقييم في تقرير استخباراتي صدر يوم الثلاثاء الماضي.

ومع ذلك، فيما يتعلق بالسؤال الحاسم حول ما إذا كانت التهديدات المباشرة للولايات المتحدة لا تزال موجودة في أفغانستان، قدمت وكالات التجسس الأمريكية بشكل خاص صورة أكثر وردية؛ حيث لا تعتقد الوكالات أن تنظيم القاعدة أو الجماعات الإرهابية الأخرى تشكل تهديدًا مباشرًا لضرب الولايات المتحدة من أفغانستان، وهو تقييم اعتبرته إدارة بايدن محوريًا عند اتخاذها لقرار استمرار الحرب أو سحب القوات هذا العام.

وللتذكرة بالماضي فقد خططت القاعدة لهجمات 11 سبتمبر من أفغانستان عام 2001، وفي الأسابيع التي تلت الهجمات، غزت الولايات المتحدة لطرد الجماعة الإرهابية من ملاذها والإطاحة بحركة طالبان، التي كانت تؤوي القاعدة من السلطة. وكان غزو أفغانستان إيذانًا ببدء حقبة حرب استمرت عقودًا، حيث طاحن القتال العسكري معارك مكافحة التمرد باسم منع هجمات إرهابية جديدة على أمريكا.

ووفقًا لثلاثة من كبار المسؤولين المطلعين على المعلومات الاستخباراتية ذكرت النيويورك تايمز أنه لا يزال تنظيم القاعدة وفرع تنظيم الدولة الإسلامية في أفغانستان ضعيفين للغاية داخل البلاد؛ حيث يركز مقاتلو الدولة الإسلامية في أفغانستان على تحقيق مكاسب محلية، وليس تصعيد الهجمات الدولية.

كما أن علاقة القاعدة بطالبان أكثر تعقيدًا بكثير، فقبل هجمات 11 سبتمبر قدمت الحكومة الأفغانية التي سيطرت عليها طالبان بعد الإطاحة بنظام حكم الرئيس برهان الدين رباني ووزير دفاعه أحمد شاه مسعود. ملاذا آمنا للقاعدة، وكجزء من اتفاقية السلام لعام 2020 مع الولايات المتحدة، وافقت طالبان على قطع العلاقات مع الجماعات الإرهابية بما في ذلك القاعدة ومنعها من العمل داخل أفغانستان.

ولا زال التقرير يقدم التحليلات والتقديرات للإجابة على خطر إرهاب حركة طالبان ضد أمريكا بعد قرار جو بايدن بسحب كامل القوات الأمريكية من أفغانستان؛ فيشير أنه على الرغم من أن لا أحد يستطيع أن يتنبأ بما إذا كانت القاعدة سوف تتعافى بسرعة أم لا، إلا أنه من غير المرجح أن تكون الولايات المتحدة غير مدركة لتهديد القاعدة المتجدد، مع الوضع في الاعتبار قدرات مكافحة الإرهاب الأمريكية وجمع المعلومات الاستخبارية التي تراكمت على مدى العقدين الماضيين.

وفي سياق متصل قال النائب آدم شيف، الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا ورئيس لجنة الاستخبارات بمجلس النواب، “إن تهديد الإرهاب من المنطقة الأفغانية ليس صفراً، لكنه في الوقت الحالي أقل مما هو عليه في أجزاء أخرى من العالم”. 

وتطرح صحيفة النيويورك تايمز سؤالًا وهو، هل يمكننا الاستمرار في قمع التهديد الإرهابي من جنوب غرب آسيا دون أن تكون قواتنا الأمريكية على الأرض في أفغانستان؟ وفي محاولة للإجابة تجد أنه إذا انسحبت الولايات المتحدة من أفغانستان، فليس من الواضح ما إذا كان بإمكان القاعدة إعادة بناء قاعدة هناك لتنفيذ هجمات إرهابية ضد الولايات المتحدة “وفقًا لكبار المشرعين الذين اطلعوا على التقييمات السرية”، وحتى لو تمكنت القاعدة من النهوض، فقد تساءل بعض المسؤولين عما إذا كانت الجماعة قد تختار منطقة أخرى ينعدم فيها القانون على أفغانستان. كما قال النائب آدم سميث، الديمقراطي عن واشنطن ورئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب، الشهر الماضي خلال مؤتمر حول أفغانستان. “هذه ليست التسعينيات عندما أقامت القاعدة معسكرات، وكان لديهم طالبان ولم يكن أحد منتبهًا لهم”.

ومن هنا ووفقًا للأراء والتقديرات للمسئولين الأمريكيين فإنه لا يوجد خطر ارهابي من أفغانستان ضد الولايات المتحدة الأمريكية. 

إذن “فما هو التهديد حقًا؟” وهنا ينبع التهديد وفقًا لما أقره المسؤولين الحاليين والسابقين بأن جمع المعلومات الاستخباراتية سيصبح أكثر صعوبة بمجرد مغادرة القوات الأمريكية. في حين أن بعض عمليات مكافحة الإرهاب ضد الإرهابيين داخل أفغانستان يمكن إجراؤها من قواعد بعيدة في الخليج الفارسي وأماكن أخرى خارج البلاد، إلا أنها محفوفة بالمخاطر ويصعب تنفيذها.و قد يتردد الرئيس بايدن أو الرؤساء المستقبليون في الموافقة عليها.

وقال بعض مسؤولي مكافحة الإرهاب إن الحكومة الأفغانية الضعيفة التي تواجه ضغوطا من طالبان، ستكون الظروف مواتية لنمو خلايا القاعدة.

في حين قال مارك بوليمروبولوس، ضابط قضى معظم حياته المهنية في العمل على عمليات مكافحة الإرهاب بما في ذلك أفغانستان ومسؤول سابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية: “تعد المساحات غير الخاضعة للحكم، ناهيك عن منظمة إرهابية معروفة مثل طالبان التي تهيمن على دولة، أرضًا خصبة مثالية للجماعات الإرهابية المتباينة التي تهدد الولايات المتحدة لإيجاد ملاذ آمن ومأوى”.

كما قال مايكل مولروي، المسؤول السابق في البنتاجون ووكالة المخابرات المركزية، على الرغم من أن التهديد من الجماعات الإرهابية الدولية العاملة من أفغانستان منخفض، إلا أنه قد لا يستمر على هذا النحو؛ فقد وضعت عمليات مكافحة الإرهاب الأمريكية ضغوطًا متواصلة على الجماعات الإرهابية طوال حرب أفغانستان، وبمجرد مغادرة القوات، سينخفض ​​الضغط وستتأثر القدرة على جمع المعلومات الاستخباراتية في المنطقة، وقال: “في حين أنه من المفهوم أن نرغب في عودة جميع قواتنا إلى الوطن، إلا أنه لا ينبغي أن يكون ذلك على حساب خسارة ما ربحناه من أجل القيام بذلك”. “إن إعادة تموضع قدراتنا في مكافحة الإرهاب خارج البلاد سيقلل بشكل كبير من عمليات جمع المعلومات الاستخبارية وقدرتنا على القيام بعمليات أحادية الجانب ضد التهديدات المباشرة للوطن”.

ولطالما جادل القادة الأمريكيون، الذين أيدوا اتفاق سلام مع طالبان باعتباره أفضل إجراء أمني للولايات المتحدة، بأن نجاح أي اتفاق سيتوقف على ربط انسحاب القوات الأمريكية بالظروف الأمنية على الأرض.

حيث قال الجنرال كينيث ماكنزي، قائد القيادة المركزية للجيش، في فبراير الماضي “منذ 11 سبتمبر، يظل هدفنا الاستراتيجي في أفغانستان هو حماية الوطن من الهجمات”، مشيرًا إلى تنظيم القاعدة والدولة الإسلامية، ومنعهم من استخدام أفغانستان كقاعدة وملاذ آمن. كما قال “نتفق جميعًا على أن أفضل طريق هو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية بين الأفغان”. وأضاف الجنرال ماكنزي “لا أحد يناقش هذه النقطة الأساسية”. “ومع ذلك، عليك اتباع نهج قائم على الظروف.”

ووفقًا لصحيفة النيويورك تايمز فأنه بالنسبة للبنتاجون ومجتمع الاستخبارات، يدور النقاش الرئيسي الآن حول مدى سهولة بدء عمليات مكافحة الإرهاب من خارج أفغانستان. فتاريخ مثل هذه العمليات، بدءًا من عملية دلتا فورس الفاشلة عام 1980 لتحرير الرهائن الأمريكيين في إيران، له سجل مختلط بالتأكيد. كما أن ضربات صواريخ كروز التي يتم إطلاقها من سفن بعيدة ضد أهداف إرهابية في أفغانستان لها معدل نجاح منخفض أيضًا. فكلما ابتعدت قوات العمليات الخاصة عن السفر لضرب هدف، زاد احتمال فشل العمليات، إما عن طريق فقدان بصماتها أو التسبب في فشل ذريع يقتل أفراد الخدمة الأمريكية.

في حين قال مسؤولون آخرون إن الولايات المتحدة تحسنت بشكل مطرد في مثل هذه العمليات، وعندما تُمنح الموارد الكافية، فإن ما يسمى بالهجمات التي تحدث في الأفق يمكن أن تكون خيارًا قابلاً للتطبيق لوقف تطور أي خلايا إرهابية في أفغانستان.

وقد سيطرت التهديدات الإرهابية منذ وقت ليس ببعيد على التقييم السنوي للتهديدات العالمية الصادر عن مجتمع الاستخبارات، لكن هذا الاهتمام تضاءل في إصدار التقرير الذي صدر يوم الثلاثاء الماضي. وتصنف النيويورك تايمز هذا التراجع التهديد الإرهابي بأنه يعكس نجاح المجتمع العسكري والاستخبارات على مدى العقدين الماضيين.

وإجمالًا لما سبق تُجيب النيويورك تايمز، بـ لا، على سؤال هل خطر الإرهاب ضد أمريكا سيظهر من جديد من أفغانستان؟ أو بصورة أدق غير مرجح على الأقل على المدى القصير، لكن على المدى الطويل فإن الإجابة على السؤال أصعب بكثير؛ حيث حذر بعض المسؤولين الحاليين والسابقين من أن الولايات المتحدة قد تجد نفسها متراجعة إلى أفغانستان مثلما كانت في العراق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى