الأمريكتان

الانسحاب الأمريكي ومُعضلة السلام في أفغانستان

أعلن الرئيس الأمريكي، جوبايدن، الأربعاء الماضي أنه سيبدأ سحب القوات الأمريكية من أفغانستان اعتباراً من أول مايو المُقبل لإنهاء أطول حرب أمريكية استمرت على مدار العقديين الماضيين. وفى خطاب ألقاه في البيت الأبيض، أقر بايدن بأن أهداف الولايات المتحدة في أفغانستان “أصبحت غامضة على نحو متزايد خلال العقد المُنصرم”، وحدد مُهلة لسحب جميع القوات الأمريكية المتبقية في أفغانستان والبالغ عددها 2500 في موعد أقصاه 11 سبتمبر المُقبل، وذلك بالتزامن مع الذكرى ال 20 لوقوع هجمات 11 سبتمبر، التي نفذها تنظيم القاعدة في الولايات المُتحدة الأمريكية انطلاقاً من أفغانستان.
وذكر بايدن في خطابة “أنه رابع رئيس للولايات المتحدة يترأس وجود القوات الأمريكية في أفغانستان، وأنه لن ينقل هذه المسؤولية إلى رئيس خامس وأنه قد حان الوقت لإنهاء أطول حرب خاضتها أمريكا، حان وقت عودة القوات الأمريكية إلى الوطن”، وأضاف: “أنه يجب ألا تُستخدم القوات الأمريكية ورقة مساومة بين الأطراف المتحاربة في دول أخرى. وأضاف أن بلاده ستُركز على التهديدات الإرهابية التي تظهر في أماكن أخرى إضافة إلى الصين”.
من جانبه أعلن حلف شمال الأطلسي في بيان، الأربعاء، إن الحلفاء اتفقوا على البدء في سحب قواتهم من أفغانستان بحلول الأول من مايو. وقالت الدول الثلاثين الأعضاء في الحلف “الحلفاء قرروا أننا سنبدأ في سحب قوات مهمة الدعم الحازم بحلول الأول من مايو… نعتزم الانتهاء من سحب جميع القوات الأمريكية وتلك التابعة لمهمة الدعم الحازم خلال بضعة أشهر”. وقد أثار الإعلان عن قرار انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان بحلول سبتمبر المُقبل العديد من التساؤلات حول خلفيات هذا القرار، وتداعياته على مُحادثات السلام الأفغانية- الأفغانية المُتعثرة في أفغانستان.

خلفيات القرار


يرجع قرار تأجيل انسحاب القوات الامريكية من أفغانستان ليصبح في 11 سبتمبر بدلاً من أوائل مايو- الموعد المُحدد في اتفاق السلام بين طالبان والولايات المتحدة الأمريكية في 29 فبراير 2020 في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب- إلى مجموعة من الأسباب من بينها:


• إدراك إدارة الرئيس بايدن أنه من الصعوبة بمكان إتمام عملية الانسحاب في الموعد النهائي الأصلي بحلول مايو، وذلك نظراً لاستمرار العنف في البلاد وعدم إحراز تقدم في مُحادثات السلام بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان.


• كما يأتي القرار في سياق أوضاع أمنية مضطربة تعيشها أفغانستان جراء فشل مفاوضات السلام الأفغانية- الأفغانية، وتصاعد الهجمات الدامية التي تنفذها حركة طالبان فعلى الرغم من الحراك الدولي المُكثف لإحلال عملية السلام في أفغانستان؛ شهدت أفغانستان في الربع الأول لعام 2021 ما لا يقل عن 60 هجوم إرهابي لحركة طالبان فلا يكاد يمر يوم تقريباً من دون وقوع هجوم إرهابي يستهدف المدنيين والقوات الحكومية الأفغانية في إطار الصراع الدائر بينها وبين والحكومة الأفغانية المُعترف بها دولياً.

تداعيات القرار


• يُمثل هذا القرار تحدياً كبيراً أمام الولايات المُتحدة الأمريكية، فمن المتوقع أن تشهد رد فعل انتقامي من حركة طالبان نتيجة لتأخير موعد انسحاب القوات المُتفق علية في اتفاقيات الدوحة، العام الماضي. حيثُ ردت الحركة برفض القرار الأمريكي في بيان أصدرته على موقعها الإلكتروني وحذرت من استئناف الهجمات إذا لم تغادر قوات الاحتلال في الموعد المحدد في اتفاق الدوحة. كما ذكرت أن الجماعة لن تلتزم بالاتفاق إذا خالفها أحد الأطراف بتمديد الموعد النهائي.
من جانبه قال المُتحدث باسم حركة طالبان، ذبيح الله مجاهد، في تغريده له على تويتر الأربعاء الماضي ” نطلب انسحاب جميع القوات الأجنبية من بلادنا في الموعد المحدد، وفق اتفاق الدوحة. وإذا تم الالتزام باتفاق الدوحة فسيتم أيضا إيجاد مسار لمعالجة القضايا المتبقية”، وأضاف: ” أما في حال انتهاك الاتفاقية، وعدم خروج القوات الأجنبية من بلدنا في الموعد المحدد؛ فسوف تتفاقم المشاكل بالتأكيد، وأولئك الذين لم يمتثلوا للاتفاقية سيتحملون مسؤولية ذلك”.


• على الجانب الآخر قد يكون هُناك تداعيات سياسية تتمثل في ضغط الرأي العام الأمريكي الذي سئم من الحرب التي استمرت منذ عقدين، والتي اسفرت عن مقتل أكثر من 2200 وإصابة 20 ألف جندي أمريكي، وتكلفة وصلت إلى تريليوني دولار.


• بالإضافة إلى أن قرار الانسحاب في هذا التوقيت من دون احراز تقدم ملموس في محادثات السلام الأفغانية- الأفغانية يُزيد من احتمالية تعميق الصراع الدامي الدائر في أفغانستان بين حركة طالبان والحكومة الأفغانية، كما ان الانسحاب قد يخلق حالة من الفراغ الأمني تتزايد معها احتمالية تصاعد الهجمات الدامية ضد المدنيين سواء من جانب حركة طالبان أو من الجماعات الإرهابية الأخرى التي تنشط في افغانستان، مثل تنظيم داعش الإرهابي.

ردود أفعال متباينة


تباينت الآراء ما بين مُؤيد ومُعارض لقرار لرئيس بايدن بسحب القوات من أفغانستان، وذلك على النحو التالي:
أثار القرار انتقادات فورية من الجمهوريين، حيثُ قال زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل في قاعة مجلس الشيوخ: “إن الانسحاب السريع للقوات الأمريكية من أفغانستان خطأ فادح”. “إنه تراجع وتخلي عن القيادة الأمريكية”. من جانبه قال السناتور بات تومي من ولاية بنسلفانيا “إننا ننسحب في وقت قد لا تتمكن فيه الحكومة الأفغانية والجيش الأفغاني من السيطرة على البلاد”.
وفى المُقابل كان الديمقراطيون كانوا أكثر دعماً لقرار الانسحاب، حيثُ قال السناتور جاك ريد، رئيس لجنة القوات المسلحة، إن الموعد النهائي الذي حدده الرئيس دونالد ترامب في الأول من مايو قد حد من خيارات بايدن. وقال ريد: “لا تزال لدينا مصالح حيوية في الحماية من الهجمات الإرهابية التي يمكن أن تنبع من ذلك الجزء من العالم، ولكن هناك مناطق أخرى أيضًا، علينا أن ندركه”.
وقال السناتور الديمقراطي تيم كين، من ولاية فرجينيا، إن القوات يجب أن تعود إلى الوطن، ويجب على الولايات المتحدة إعادة تركيز الأمن القومي الأمريكي على التحديات الأكثر إلحاحًا.

في ضوء ما سبق يُمكن القول بأن قرار بايدن حول سحب القوات الأمريكية من أفغانستان قد يخضع إلى إعادة النظر مرة أُخرى نظراً للظروف المحيطة سواء فيما يتعلق باستمرار الصراع الدائر في أفغانستان وتعثر مُباحثات السلام الأفغانية- الأفغانية، هذا بالإضافة إلى تصاعد عمليات العنف داخل البلاد. والتي تزيد من احتمالية شن عمليات إرهابية من أفغانستان ضد دول التحالف والولايات المتحدة الأمريكية وباقي دول الجوار، الأمر الذي يتطلب معه مزيد من التأني وإعادة النظر لتجنب التداعيات السلبية المُحتملة من إتمام عملية الانسحاب بحلول سبتمبر المُقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى