روسيا

الجدل بشأن اتفاقية مونترو… الدوافع والانعكاسات على التوازن الجيوستراتيجي بالبحر الأسود

عاد البحر الأسود إلى صدارة المشهد العالمي خلال الأسابيع الأخيرة مع اشتعال التوترات بين روسيا وأوكرانيا في منطقة دونباس الشرقية، والحديث بشأن القواعد القانونية الحاكمة لتوازن القوى في أحد حلبات التنافس الجيوسياسي بين القوى العظمى مثل روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. 

بدأ الأمر بقول رئيس البرلمان التركي مصطفى سينتوب إن الرئيس التركي لديه سلطة الانسحاب من اتفاقية مونترو لعام 1936، التي تنظم حركة الملاحة البحرية عبر المضائق التركية، بالتزامن مع تأكيدات من أردوغان بالبدء في مشروع قناة إسطنبول هذا الصيف، وما يرتبط بذلك من تهديد للترتيبات القانونية والأمنية في البحر الأسود استنادًا إلى اتفاقية مونترو، ثم تصاعدت الأحداث سريعًا مع اعتقال 13 ضابط بحرية تركي متقاعد ردًا على وثيقة موقعة من 104 أدميرالًا تحذر من مخاطر الانسحاب من الاتفاقية التي تنظم المرور الحر عبر مضيق البوسفور والدردنيل للسفن في أوقات السلم والحرب. 

الأهمية الجيوستراتيجية للبحر الأسود

يمثل البحر الأسود تقاطع مهم بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط يمر عبره مئات السفن يوميًا تنقل الأشخاص والبضائع، كما أنه معبر لخطوط أنابيب النفط والغاز، وكابلات الألياف الضوئية. ويكتسب البحر الأسود أهمية الجيوستراتيجية للقوى الكبرى، تنطلق بالنسبة للولايات المتحدة من حقيقة أن واشنطن لديها التزامات بموجب معاهدة الناتو مع تركيا وبلغاريا ورومانيا، بينما تعتبر روسيا هيمنتها على المنطقة قضية بقاء وأمن قومي وتعتمد عليها في الطاقة والتجارة والأمن والاقتصاد، إذ تعبر ناقة نفط روسية أو كازاخية مضيق البوسفور من البحر الأسود كل 15 دقيقة.

ويلعب أسطول البحر الأسود الروسي دورًا محوريًا في تنفيذ العقيدة البحرية الروسية المحدثة حتى عام 2030، التي تتعلق بضمان الحفاظ على وجود القوات البحرية الروسية في الساحات البحرية ذات الأهمية الاستراتيجية على المدى الطويل، وعلى رأسها البحر المتوسط والقطب الشمالي، وهو ما انعكس في الحملة العسكرية الروسية المطولة على سوريا التي أظهر خلالها أسطول البحر الأسود تواجدًا مكثفًا، إذ قام بدوريات وكان مسؤولاً عن إمداد أنظمة الأسلحة والذخائر من روسيا إلى سوريا باستخدام سفن الإمداد والمساعدة التي تنقل البضائع من قاعدتها في البحر الأسود إلى طرطوس، كما نفذت البحرية الروسية عدة هجمات على أهداف برية في سوريا خلال 2016 و2017 باستخدام الغواصات والسفن السطحية التي تطلق صواريخ الكروز من البحر الأسود والمتوسط وبحر قزوين.

وبصفة عامة تستخدم موسكو منطقة البحر الأسود لإطلاق عملياتها في سوريا وليبيا وشرق المتوسط، وللتأثير فيما يجري في البلقان والقوقاز وأوكرانيا ومولدوفا. أما بالنسبة لأوروبا، فيمثل البحر الأسود منطقة مهمة إذ تمتد مئات الكيلومترات من خطوط الأنابيب وكابلات الألياف الضوئية ويطل عليه موانئ رئيسية تعد مصدرًا مهمًا للنشاط الاقتصادي وعلى رأسهم ميناء كونستانتا في رومانيا. 

ومع نهاية الحرب الباردة بدأت إرهاصات تغير توازن القوى في البحر الأسود مع تنامي التعاون بين الناتو والدول المتشاطئة، حيث شاركت أوكرانيا وجورجيا -على الرغم من عدم كونهما عضوين -في عدد من عمليات الناتو؛ ففي عام 1999 أرسلت جورجيا قوات حفظ السلام التابعة لها إلى قوات كوسوفو، وفي عام 2004، تعاونت مع الناتو في إطار قوة المساعدة الأمنية الدولية “إيساف” في أفغانستان. وبالمثل، شاركت أوكرانيا في التسعينيات في قوة تحقيق الاستقرار التابعة للناتو في البوسنة والهرسك وقوة كوسوفو في كوسوفو، ومنذ عام 2003، شاركت فرقة أوكرانية في أنشطة قوات التحالف بالعراق، كما انضمت إلى مهمة “إيساف” عام 2007، وشاركت مع دول الناتو في مشاريع Blackseafor وBlack Sea Harmony. كما انضمت رومانيا وبلغاريا للحلف عام 2004.

وقد تغيرت العلاقات في منطقة البحر الأسود بشكل كبير منذ أن أنشأت الدول المطلة عليه؛ روسيا وتركيا وجورجيا وأوكرانيا ورومانيا وبلغاريا، قوة عمل بحرية مشتركة عام 2001 لتعزيز الاستقرار في المنطقة. كما أطلقت الولايات المتحدة برنامج تدريب وتجهيز مع جورجيا عام 2002، ودخلت الفناء الخلفي لروسيا. فضلًا عن ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014 الذي قطع الساحل الأوكراني إلى النصف وحول البحر الأسود إلى بحيرة تسيطر عليها روسيا، ومنصة لإطلاق ودعم العمليات البحرية في شرق المتوسط. علاوة على احتفاظ موسكو بوجود عسكري كبير في أبخازيا الجورجية يقدر بحوالي 4000 جندي. انتهاءً بعودة التصعيد خلال الأسابيع الماضية مع حشد تعزيزات عسكرية روسية على الحدود مع أوكرانيا، بالتزامن مع استعداد الناتو لإجراء مناورات عسكرية ضخمة في المنطقة كجزء من تدريبات Europe Defender-2021.

وبالمقابل يسعى الناتو لتعزيز تواجده في البحر الأسود برًا وبحرًا وجوًا، خاصة أن إجمالي قدرات القوات البحرية التركية والرومانية والبلغارية والأوكرانية أقل من أسطول البحر الأسود الروسي. ويتمركز المكون الأرضي لقوات الناتو في مدينة كرايوفا برومانيا حيث يقبع لواء من قوات متعددة الجنسيات، بينما يتألف المكون البحري من زيارات الحلفاء إلى الموانئ الرومانية والبلغارية والتدريبات المشتركة والتمارين التقليدية. كما تستضيف بلدة ديفسيلو نظام ايجيس للدفاع ضد الصواريخ البالستية الذي بدأ تشغيله في أغسطس 2016. 

علاوة على ذلك، تجري أساطيل الناتو تدريبات بحرية دورية في البحر الأسود كان آخرها في يناير الماضي بمشاركة المدمرات الأمريكية يو إس إس بورتر، ويو إس إس دونالد كوك، ويو إس إن إس لارامي، حيث أجروا عمليات قيادة وتحكم وعمليات بحرية متعددة المجالات باستخدام طائرات الاستطلاع الأمريكية P-8 وطائرات أواكس التابعة للناتو. كما استضافت رومانيا في مارس الفائت التدريب البحري السنوي “Sea Shield 2021” بمشاركة قوات متعددة الجنسيات من ألبانيا وبلغاريا وكرواتيا وفرنسا واليونان وإيطاليا واليابان وهولندا وبولندا وإسبانيا والمجموعة الدائمة لحلف الناتو البحرية الثانية وتركيا والولايات المتحدة التي شاركت بالطراد يو إس إس مونتيري (CG-61) والمدمرة يو إس إس توماس هودنر (DDG-116). 

بالإضافة إلى ذلك، نشرت القوات الجوية الإسبانية ست طائرات مقاتلة في قاعدة كوجالنيسينو الجوية برومانيا للقيام بمهام الشرطة الجوية للناتو. وعادة ما تقوم القوات البحرية الأمريكية بدوريات في المياه لنحو ثلثي العام، فمثلًا أمضت ثماني سفن أمريكية 120 يومًا في القيام بدوريات بالبحر الأسود عام 2020. 

وفوق ذلك يطمح الناتو لإنشاء قيادة مشتركة للبحر الأسود قادرة على تطوير استجابة عسكرية وسياسية للمتغيرات الناشئة والدفاع عن حدوده الشرقية، حيث يقتصر الوضع الحالي على ردود فعل متفرقة من دول الناتو أو الاتحاد الأوروبي، والانخراط في برامج عسكرية مشتركة مع دول الإقليم، مع الافتقار إلى التوجيه التشغيلي والعملياتي للحلف في البحر الأسود.

التداعيات الجيوسياسية لقناة إسطنبول 

تخضع المنظومة الأمنية للبحر الأسود إلى اتفاقية مونترو الموقعة في سويسرا عام 1936، التي تؤكد سيطرة تركيا على مضائقها؛ البسفور والدردنيل، وتحمي البحر الأسود من الصراع الدولي وتمنح تركيا يدًا قوية في تحقيق التوازن بين روسيا والغرب، إذ تنص على ألا يزيد حجم السفن الحربية التابعة لدول غير البحر الأسود في المضيق عن 15000 طن، ولا يجوز عبور أكثر من تسع سفن حربية تابعة لدول غير مشاطئة للبحر الأسود، تبلغ حمولتها الإجمالية 30 ألف طن، ويُسمح لها بالبقاء في البحر الأسود لمدة لا تزيد عن 21 يومًا، وهو ما يضع قيودًا على كل من البحرية الأمريكية والناتو في البحر الأسود. 

وفي كل الأحوال يتطلب نشر أي سفينة بحرية في البحر الأسود بإخطار أنقرة قبل مرورها بـ 15يومًا بالنسبة للدول غير المتشاطئة، و8 أيام بالنسبة للدول المتشاطئة. وفي حالة الحرب، يحق لتركيا منع مرور السفن من الدول المتحاربة، وكذلك السفن التجارية التي تحمل أسلحة إلى الدول التي تقاتل تركيا. وقد تم إسناد هذا الدور التنظيمي إلى تركيا بسبب تدهور الوضع الأمني ​​في أوروبا ما قبل الحرب العالمية الثانية، وهي الظروف التي قد لا تنشأ مرة أخرى، وكانت الاتفاقية سارية لمدة 20 عامًا قابلة للتجديد بموافقة ضمنية، وسيكون تاريخ التجديد الخامس في عام 2036، ويشير عدم اعتراض أي دولة حتى الآن على تجديدها إلى أنها حققت توازنًا عادلًا بين مصالح جميع الأطراف.

وعلى مدار عقود، أيد المسؤولون الأتراك بشدة اتفاقية مونترو كأكبر انتصار دبلوماسي منفرد أكمل معاهدة لوزان للسلام عام 1923 التي حددت معظم حدود تركيا الحديثة، وسمحت لأنقرة البقاء على الحياد خلال الحرب العالمية الثانية، وضمنت السلام في البحر الأسود، لكن في ظل حزب العدالة والتنمية، تراجعت هذه الرؤية خاصة منذ إعلان رجب طيب أردوغان عن مشروع قناة اسطنبول في عام 2011. وتتجدد المخاوف بشأن مصير الاتفاقية مع الإعلان المتكرر عن الاستعداد لتنفيذ مشروع قناة إسطنبول.

فإذا تم حفر قناة إسطنبول، قد ينشأ جدل جديد بشأن ما إذا كانت قيود مونترو سارية على الممر المائي الجديد باعتبارها تهدف إلى توازن القوى في البحر الأسود وليس مجرد المرور عبر البوسفور، أم أن تلك القيود تنطبق فقط على المرور عبر البوسفور، ما ينذر باضطراب وفوضى في استقرار إقليم البحر الأسود مع عدم وجود ضمانات لاستعادة تركيا صلاحياتها السابقة. وفي هذا الصدد، تثير تصريحات أردوغان –رغم تأكيده عدم نيته الانسحاب من الاتفاقية في الوقت الراهن-شكوكًا بشأن مستقبلها على مدى الطويل؛ فقد أكد أنها كانت مكسبًا مهمًا في ظل ظروف عصرها، وأن بلاده ستواصل الالتزام بها حتى تجد فرصة لاتفاقية أفضل، مشددًا في الوقت ذاته على إمكانية مراجعة أي اتفاق بهدف تأمين اتفاق أفضل للبلاد

وبهذا يقترب الموقف التركي من الأمريكي، فغالبًا ما حثت واشنطن أنقرة على تجاوز الاتفاقية لأنها تقيد عبور السفن العسكرية؛ فخلال الحرب الباردة، حالت الاتفاقية دون محاولات الولايات المتحدة نشر حاملات طائرات وغواصات وسفن ذات حمولة ثقيلة في البحر الأسود لإبقاء الاتحاد السوفييتي تحت الضغط، وفي عام 2008، رفضت تركيا السماح لسفن عسكرية أمريكية كبيرة بدخول البحر الأسود بعد التدخل العسكري الروسي ضد جورجيا في صراع أوسيتيا الجنوبية، معتبرة أن وجود أساطيل قوتين عظيمتين في بحر صغير مثل البحر الأسود سيكون أمرًا خطيرًا، ومع ذلك لإرضاء حليفها في الناتو، شددت على أن اتفاقية مونترو تمنع أيضًا الروس من إقامة وجود عسكري كبير في البحر المتوسط ​​عبر المضائق التركية.

دوافع أنقرة لإثارة مسألة اتفاقية مونترو

رسخت اتفاقية مونترو نمطًا معنيًا من توازن القوى العسكري في البحر الأسود استمر 85 عامًا وسط قبول ضمني له من القوى الدولية انعكس على عدم إثارة حديث جدي بشأن تعديلها، لكن ما الذي دفع أنقرة إلى موقف يبدو أنه يتحدى التوازن الجيوسياسي في البحر الأسود؟

• رغبة أنقرة في إعادة رسم العلاقات مع الولايات المتحدة وشركاء الناتو بعد فترة من الاضطراب، وربما تجد طموحهما لوجود عسكري دائم في البحر الأسود مدخلًا جيدًا. وقد يبدو الحديث عن إلغاء أو تعديل مونترو مغازلة تركية لإدارة بادين بالتزامن مع تجدد القتال بين القوات الأوكرانية والانفصاليين المدعومين من روسيا في شرق أوكرانيا مع أكبر حشد روسي للقوى العسكرية على حدود أوكرانيا، حيث أكد بايدن دعمه الثابت لكييف في مواجهة العدوان الروسي المستمر في دونباس وشبه جزيرة القرم. 

ويظهر أردوغان تماهيًا مع الموقف الأمريكي باستضافة الرئيس الأوكراني فولودومير زيلينسكي، وتأكيد دعمه لوحدة أراضي أوكرانيا، والدعوة إلى وقف إطلاق النار والحل السلمي للصراع بالعودة إلى اتفاق مينسك (بروتوكول لوقف إطلاق النار تم الاتفاق عليه عام 2015 لكن قوض بسبب الاشتباكات المتكررة بين جيش كييف والمتمردين المدعومين من موسكو في دونباس)، بل عرض استعداد بلاده لمساعدة كييف في تلبية معايير عضوية الناتو، والعمل المشترك للقوات المسلحة الأوكرانية مع الناتو، بما في ذلك من خلال التدريبات العسكرية المشتركة المناسبة. 

فضلًا عن قبول طلب أمريكي بنقل سفينتين إلى البحر الأسود بعد أن أعلنت روسيا أنها سترسل 10 سفن إلى هناك بما في ذلك زوارق الإنزال والمدفعية من أسطول بحر قزوين، بدعوى إجراء تدريبات مخطط لها تركز على اختبار استعدادها صد القوات الهجومية البحرية والجوية، لكن لا يمكن فصلها عن التصعيد الحاصل الآن كونها تأتي بالتزامن مع نقل دبابات ومركبات مدرعة ومدفعية وأصول دفاع جوي إلى جنوب غرب روسيا، ونصب منصات إطلاق صواريخ على الحدود.

وتكتسب أنقرة أهمية محورية في استراتيجية واشنطن لترسيخ الوجود في البحر الأسود بالنظر إلى عدم ارتياحها للوجود العسكري الروسي المتزايد في المنطقة، حيث وصف أردوغان البحر الأسود بـ “بحيرة روسية” ودعا إلى وجود أكبر للناتو، وطورت تركيا استراتيجية متعددة الجوانب لمواجهة النفوذ الروسي في البحر الأسود، عبر تعزيز قواتها البحرية بما في ذلك طرادات فئة ADA، ونظام الدفاع الجوي منخفض الارتفاع “كروكوت”، وصاروخ “أتماكا” المضاد للسفن، فضلًا عن تكثيف التعاون مع أوكرانيا وجورجيا وأذربيجان، ففي العام الماضي، كشف أردوغان عن حزمة مساعدات عسكرية بقيمة 36 مليون دولار لأوكرانيا، واتفق البلدان على التعاون في تصميم وتصنيع محركات الطائرات ووحدات الرادار والطائرات بدون طيار وأنظمة الملاحة والنظر في التعاون في مشاريع التكنولوجيا المتقدمة، مثل أنظمة الصواريخ الباليستية. 

وتخطط تركيا أيضًا لبيع سفنها إلى أوكرانيا كجزء من صفقة دفاعية أكبر بكثير، والتي إذا تكللت بالنجاح، يمكن أن تغير ميزان القوى في البحر الأسود. بالإضافة إلى التعاون في الصناعات الدفاعية، والتدريب المشترك في البحر الأسود. كذلك استثمرت تركيا في تعزيز دفاعات جورجيا عبر تخصيص ملايين الدولارات لوزارة الدفاع الجورجية لإصلاح اللوجيستيات العسكرية للبلاد ونقل القدرات الدفاعية إليها مع مساندة مطالباتها بعضوية الناتو. كما نما التعاون الدفاعي التركي مع أذربيجان مثلما ظهر في نزاع ناجورنو كاراباخ الأخير.

وترتيبًا على ذلك، تصاعدت مخاوف موسكو وسط تقارير تفيد بأن تركيا ربما تساعد أوكرانيا في خططها لاستعادة دونباس وشبه جزيرة القرم والاستيلاء على القاعدة البحرية الروسية في ميناء سيفاستوبول بالبحر الأسود، فرغم تقاربه مع موسكو رفض أردوغان مرارًا ضم القرم وأقام تعاونًا عسكريًا مع أوكرانيا، وتعتبر الطائرات بدون طيار التركية Bayraktar TB2 في قلب الشراكة العسكرية بين البلدين. وهن هنا، تؤكد روسيا مرارًا أن مشروع قناة إسطنبول لا يؤثر على الشروط الدولية التي رتبتها مونترو، التي تعتبرها عاملًا رئيسيًا للاستقرار في حوض البحر الأسود وسلامة مضائقه.

• تعزيز نفوذها الجيوسياسي وتقديم نفسها باعتبارها قوة إقليمية تسعى إلى مكان بين القوى الدولية، وترى امتلاك سلطة حصرية للتحكم في المرور من وإلى البحر الأسود سبيلًا جيدًا لذلك. وبالتالي قد تضع قناة إسطنبول المجتمع الدولي أمام أمر واقع يمهد للتفاوض على وضع جديد بشأن مونترو. لكن يعتقد محللين روس أن وجود سفن أمريكية أو بريطانية أو فرنسية في البحر الأسود يتعارض مع طموحات أنقرة للتحول إلى قوة إقليمية، وبالتالي فهي تسعى فقط لتعديل يسمح بمرور حاملات الطائرات التي لا تحمل أسلحة نووية عبر مضائقها، لتتمكن من إرسال حاملات طائراتها وربما أيضًا غواصات إلى البحر الأسود.

• مشروع قناة إسطنبول، الذي لا يقتصر على حفر ممر مائي بهدف معلن يتمثل في تسهيل حركة المرور عبر مضيق البوسفور المزدحم بما يهدد السلامة ويتسبب في تأخيرات مكلفة، حيث يتضمن المشروع أيضًا تطويرًا مترامي الأطراف على ضفاف القناة، بما في ذلك المناطق السكنية لما لا يقل عن نصف مليون شخص، والساحات التجارية، والأماكن السياحية، والمراسي والموانئ. وتشير التقديرات الأولية إلى أن المشروع يمكن أن يدر عائدات تصل إلى 60 مليار دولار للمطورين. وفي ظل شكوك بشأن جدوى المشروع اقتصاديًا ربما تحتاج أنقرة إلى وضع نظام المضائق الحالي موضع تساؤل من أجل توفير غطاء سياسي له.

• الموقف الداخلي، حيث تخشى الحكومة التركية من تراجع الدعم في استطلاعات الرأي وسط أزمة اقتصادية طاحنة، وربما ترى الخلافات بشأن مونترو وقناة إسطنبول تمثل أرضية جديدة للعب سياستها المميزة المتمثلة في الاستقطاب وتعزيز قاعدتها القومية المحافظة. 

ختامًا، لا شك أن الإخلال بأحكام مونترو سيخلق سباق تسلح في منطقة البحر الأسود مما يهد استقرار ميزان القوى العسكرية الذي استمر عقودًا، وينذر بخلافات تهدد التحالف الهش موسكو وأنقرة، بل وتمتد إل العلاقات مع بكين التي تراقب البحر الأسود باهتمام خاص انطلاقًا من حرصها على تنظيم مرور السفن الحربية وتشديد سيطرتها على الممر البحري الاستراتيجي إلى بحر الصين الجنوبي، وتوسيع وجودها البحري من خلال شبكة من الموانئ والقواعد العسكرية كجزء من مبادرة الحزام والطريق. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى