دول المغرب العربي

أصداء الداخل والإقليم.. انعكاسات زيارة القاهرة على المشهد داخل تونس

اكتسبت زيارة الرئيس التونسي قيس سعيد إلى مصر (9-11 أبريل) أهميتها من عدة اعتبارات، من أهمها التوقيت الذي جرت فيه الزيارة، علاوة على الاشتباكات الجارية في السياسة الداخلية التونسية والتي أعطت الزيارة دلالات ورسائل واضحة، فضلًا عن الواقع الإقليمي المعقد وملفات التعاون المشترك بين البلدين سواءً على الصعيد الإقليمي أو على صعيد مجالات التعاون الثنائي الحاضرة بقوة في الزيارة التي امتدت ثلاثة أيام، عُقدت خلالها قمة بين الرئيسين عبد الفتاح السيسي وقيس سعيد (10 أبريل).

صيانة الأمن القومي العربي

ارتكزت السياسة الخارجية المصرية على عدة أسس، أهمها أن الأمن القومي العربي كل لا يتجزأ، وأن تضرر الأمن القومي لأي من الدول العربية يعد اختراقًا للأمن القومي العربي في مجمله. ولذلك مع اشتعال الميدان الليبي عمدت الدولة المصرية إلى تعميق التعاون المشترك مع دول الجوار الليبي من أجل الاتفاق على أسس مجابهة شاملة لتداعيات الأزمة الليبية وتفاعلاتها على دول الجوار، والتوافق على مبادئ العمل على الوصول إلى حل سياسي للأزمة الليبية. ذلك فضلًا عن العمل مع دول الجوار الليبي ومنها تونس من أجل قطع الطريق أمام الدول الإقليمية التي أرادت استغلال الفوضى في ليبيا للتمدد منها إلى دول جوارها.

وتأتي زيارة الرئيس التونسي إلى القاهرة انعكاسًا لهذه التحركات المصرية لبلورة موقف عربي موحد في مواجهة المشروعات الإقليمية في المحيط العربي، وخاصة السعي التركي لاجتذاب دول المغرب العربي في محور إقليمي جديد بناء على تداخلات أنقرة السياسية والعسكرية في ليبيا. بيد أن الوصول إلى حل سياسي واختيار سلطة تنفيذية ليبية جديدة قد أفضى إلى فشل الرهان على الحلول العسكرية والمحاور المعادية، وإلى وجود واقع ليبي جديد بدأت تونس في التعاطي معه من خلال زيارة سعيّد إلى طرابلس (17 مارس).

المعنى الشامل للأمن القومي العربي ذاته أكده الرئيس التونسي قيس سعيد أثناء زيارته إلى القاهرة، من خلال القول إن “الأمن القومي المصري جزء لا يتجزأ من الأمن القومي التونسي والأمن العربي”، وذلك في ضوء التطورات الأخيرة في ملف سد النهضة الإثيوبي، وفشل المفاوضات بين الدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا) في التوصل لاتفاق قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل السد.

ومع اقتراب موعد الملء الثاني للسد تنسق مصر والسودان مواقفهما بشأن الخطوات التصعيدية التي ستُتخذ بعد فشل المفاوضات، ومن أهم هذه الخطوات المتفق عليها بين البلدين طرح القضية مرة ثانية أمام مجلس الأمن الدولي. ومن هنا تأتي أهمية تصريح الرئيس التونسي بأن “الموقف المصري في كافة المحافل الدولية يعد موقفًا عربيًا، وتونس لن تقبل بأن يتم المساس بالأمن المائي لمصر”, لا سيّما وأن تونس هي العضو غير الدائم في مجلس الأمن الدولي ممثلة عن الدول العربية (2020-2021).

إعادة رسم الدبلوماسية التونسية

لا تنفصل زيارة الرئيس التونسي إلى مصر عن كونها امتدادًا لزيارته التي أجراها إلى ليبيا (17 مارس) من حيث الأهداف التي تقف وراءها والرسائل التي تبعث بها إلى الداخل التونسي المتأزم على وقع الأزمة الممتدة بين الرئيس سعيّد من جهة ورئيس الحكومة هشام المشيشي ورئيس البرلمان وحركة النهضة راشد الغنوشي من جهة أخرى،

وتأتي الزيارة في خضم متغيرات عدة، يمكن من خلالها اعتبارها تحولًا فارقًا في مسار الدبلوماسية التونسية؛ فقد حُسب الرئيس التونسي الذي جاء من خارج الطيف السياسي التونسي، بشكل أو بآخر على حركة النهضة فور توليه السلطة، خاصة بعد أن أعلنت “النهضة” دعمه في جولة الإعادة من الانتخابات، مما أعطى الحركة مساحة مناورة ومحاولة استغلال ذلك في فرض هيمنتها على السياسة التونسية، وراحت تعضد من انضمام تونس إلى المحور التركي – القطري. واستقبل سعيّد بعد ذلك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ثم أمير قطر تميم بن حمد ضمن أول الزيارات التي قام بها مسؤولون إلى تونس بعد انتخابه، وأعلن الرئيس التركي عزمه إرسال مقاتلين إلى ليبيا أثناء زيارته إلى تونس (25 ديسمبر 2019).

وذلك كله كانعكاس لهيمنة حركة النهضة على السياسة الخارجية لتونس، وباتت بعد ذلك هذه السياسة ومازالت أحد أدوات الصراع الداخلي في تونس بين سعيّد والغنوشي، وخاصة في الموقف تجاه الأزمة الليبية؛ إذ تحرك الغنوشي دبلوماسيًا بالتنسيق مع تركيا، وبات يجري اللقاءات والاتصالات مع الأتراك والمسؤولين في طرابلس، بعيدًا عن موقف الرئاسة التونسية التي يعد ملف السياسة الخارجية أحد الملفات الرئيسة المنوطة بها. 

ومن هنا يكمن التحول الفارق في سياسة تونس الخارجية بزيارة سعيّد إلى ليبيا لتأكيد دعم بلاده لمخرجات الحوار السياسي الليبي، ثم زيارته إلى مصر صاحبة التجربة الفريدة في مواجهة الإخوان، وتأكيده من القاهرة “تطابق وجهات النظر مع مصر بشأن قضايا إقليمية ودولية وفي مقدمتها الملف الليبي والقضية الفلسطينية ومكافحة الإرهاب”، وهو ما يمثل انفتاحًا وخروجًا على سياسة المحاور التي كان يُراد لتونس التخندق فيها.

آثار وانعكاسات

لا يبدو خيار التراجع واردًا لدى الرئيس قيس سعيّد في الأزمة المستعرة مع حركة النهضة، وتشير تحركاته الداخلية والخارجية وتصريحاته في المحافل والمناسبات كافة إلى أن مواقفه كما هي، وهو ما بدا كذلك في موقفه من قانون المحكمة الدستورية الذي أقره البرلمان (25 مارس) ورفض سعيّد التصديق عليه وأعاده إلى البرلمان من جديد (3 أبريل).

وقد عمد سعيّد خلال زيارته إلى مصر عبر جولاته المتعددة في القاهرة إلى إيصال رسائل إلى الداخل التونسي بالإشارة إلى التجربة المصرية وما حققته مصر خلال السنوات الأخيرة من تقدم بعد أن قضى المصريون على حكم جماعة الإخوان، على العكس من تونس التي مازال حكم الجماعة فيها أحد أسباب الرئيسة لأزمتها السياسية. ثم صعّد الرئيس التونسي ضد الجماعة خلال زيارته إلى جامع الزيتونة (12 أبريل) عبر القول “الله توجه إلى المسلمين والمؤمنين وليس إلى الإسلاميين، والنبي إبراهيم كان مسلما ولم يكن إسلاميا، هناك مناورة كبرى يقصد منها تفريق المجتمع فالقضية لم تكن أبدأ إسلام أو غير إسلام”.

وأدى ذلك إلى وضع حركة النهضة في موضع الدفاع عن النفس، في ضوء الانتقادات التي توجه لها داخل تونس بشكل مستمر وأدت إلى تراجع شعبيتها وفقًا لاستطلاعات الرأي إلى 20.4% مقابل 38.5% للحزب الدستوري الحر. وظهر هذا الدفاع في تصريح القيادي نور الدين البحري بأن “النهضة حزب سياسي وليس جماعة ولم ولن تنتسب لتنظيم الإخوان المسلمين الدولي، وفي حل من أي ارتباطات بهذه الجماعة أو روافدها”.

استشعرت حركة النهضة الخطر من زيارة قيس سعيّد إلى القاهرة وإمكانية تكرار التجربة المصرية في مواجهة الإخوان، خاصة وأن الدعم الذي تعول عليه دائمًا فروع جماعة الإخوان بدأ في التلاشي في ضوء سعي تركيا لتصحيح علاقاتها مع مصر وعدد من دول المنطقة، وهو ما يستدعي بالضرورة تغير التعاطي التركي مع جماعة الإخوان بوصف هذا التعاطي والدعم هو السبب الأبرز في تضرر علاقات القاهرة وأنقرة.

إجمالًا، بات واضحًا أن الرئيس التونسي تخلى عن الحسابات التي كانت تربط تحركاته في إطار مواجهته مع حركة النهضة في بداية حكمه، والتي جعلت منه انعكاسًا لسياسات “النهضة” في بعض الأوقات بسبب قوة الحركة داخل المشهد السياسي التونسي النابعة من الأكثرية البرلمانية التي تحوزها، والقواعد الشعبية التي تملك تأليبها على الرئيس. 

ففي ظل المواجهة الدائرة بين سعيّد من جانب والمشيشي والغنوشي من جانب آخر بفعل أزمة التعديل الوزاري لم يعد لدى الرئيس التونسي ما يخسره، ومن ثم فإن تعويل بعض الأطراف داخل تونس على تراجعه عن مواقفه أو القبول بحلول تصب في صالح الحركة ورئيس الحكومة هشام المشيشي يبدو صعبًا، علاوة على أن التفاعلات الداخلية الإقليمية تضع حركة النهضة في موقف صعب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى