مكافحة الإرهاب

أضواء على سيكولوجية “حسم”: التكفير في مواجهة التفكير

يتخذون من المعتصم ومعاذ أسماء حركية لهم وفي هذا تشويه وظلم للتراث الإسلامي الذي لم يعرف إرهابًا أو قتلًا أو ترويعًا للأبرياء، ولم يجابه إلا كل معتد. تحدثوا عن نهضة إسلامية فكذبوا، ائتُمنوا على مصر وشعبها لمدة عام فخانوها وتآمروا عليها وتخابروا مع أعدائها ثم عُزلوا، فخاصموا وفجروا. 

وليس الحادث الإرهابي الذي وقع أمام معهد الأورام بكورنيش النيل إلا انعكاس فاضح  لما وصلوا إليه من فجور في الخصام وانعدام في الإنسانية وكرههًا للوطن الذي اتخذوا منه أرضًا يعيشون فيه، وحقدًا على من جاوروهم في مسكن أو في مقعد دراسي أو اصطفوا بجانبهم للصلاة، والوجوه تظهر والضمائر تبطن.

سيكولوجيا معتلة صورت لهم أن التكفير سيصمد أمام التفكير، وأنهم قادرون على مواجهة جموع المصريين، أسر بأكملها سيطرت عليها أيدولوجيا العنف والتكفير والإرهاب، مشاهد متكررة، وقواسم مشتركة في الحوادث، الهجمات وحتى المحاكمات.

ولمن يتذكر فإنه في  15-12-2016 نُفّذ حكم الإعدام في الإرهابي “عادل حبارة” والملايين شاهدوا أسرته المتشحة بأردية سوداء تخفي شخصياتهم وتغطي وجوههم وهي تتوعد الشعب المصري بأن “الدور عليهم”، وتنعتهم بالكفرة ولم يمض الكثير حتى نُفّذ حكم الإعدام في قتلة الشهيد النائب “هشام بركات” وظهرت نفس المشاهد ونفس الوجوه، بل وطفت على السطح مبررات هزلية من ذوي القتلة لتبرئتهم على غرار “ابني لم يفعل شيئًا سوى أن أرشد عن منزل النائب العام”  ووالدة الأحمدي المنفذ الرئيسي لاغتيال النائب العام رددت أنه طلب الشهادة ونالها، ولو قُدّر للمعتصم! أن يعيش ليُحاكم لتكررت المشاهد بتفاصيلها.

الفكر التكفيري والسيكولوجية الإجرامية ضاربة بجذورها في عائلات وأسر هي أشد فتكًا على المجتمع من الإرهابيين أنفسهم. وعلى ذلك، فإلى أي مدى تعتبر الأسر مسئولة عما تقترفه أيادي أبنائهم من إرهاب! 

C:\Users\owner\Desktop\f5fff9d5-db7d-4287-b044-0973c3a51b42.jpg

شاب نشأ على الإرهاب

عبد الرحمن خالد محمود عبد الرحمن، عضو حركة حسم، صاحب الأربعة وعشرين عامًا، والهارب من أمر ضبط وإحضار على ذمة القضية 122/2018 جنايات عسكرية المعروفة باسم “طلائع حسم”، والمُدرج على قوائم الإرهاب بقرار من محكمة الجنايات، هو منفذ العملية الإرهابية أمام المعهد القومي للأورام، يوم 5 أغسطس 2019، وأعلنت وزارة الداخلية التأكد من هوية ابن قرية مركز سنورس بمحافظة الفيوم، من خلال مطابقة البصمة الوراثية للأشلاء التي عُثر عليها والمُجمّعة من مكان الحادث مع نظيرتها لأفراد أسرته.

لم يكن عبد الرحمن الوحيد من أسرته الذي اتخذ من الإرهاب طريقًا، فشقيقه إبراهيم خالد كان أيضًا أحد أعضاء الخلية الإرهابية التي تولت مهمة الإعداد للعملية الإرهابية، وتمت تصفيته من قبل وزارة الداخلية، بعد القبض عليه حين حاول أحد المتهمين تهريبه بإطلاق النار على قوات الأمن ليتمكنا من الهرب.

أسرة الإرهابيين الاثنين حرصت على توديع فلذة كبدها، وإلقاء النظرة الأخيرة عليه، في حديقة الأزهر، بعد أن حصل على التكليف بالانتقال بالسيارة المفخخة، وهو ما أظهره المقطع المصور الذي نشرته وزارة الداخلية. سمح لنفسه بأن يلقي نظرة الوداع على ذويه في الوقت الذي توجه فيه للإجهاز على العشرات ممن وضعتهم أقدارهم في طريق الإرهاب.

جغرافية الجريمة

محافظة الفيوم، ذات الموقع المتفرد في إقليم شمال الصعيد في الصحراء الغربية والتي يباعد بينها وبين جنوب غرب القاهرة 100 كيلومتر، أفرزت بيئة متنوعة بين زراعات وصحاري ساعدت على إيواء الإرهابيين ومساعدتهم على الفرار. مركز سنورس بالتحديد، خرج منه أكثر أعضاء الخلية الإرهابية المتورطة في حادث معهد الأورام، وهو ما يعطي دلالة حول جغرافية تلك المحافظة والعوامل الأخرى التي جعلتها بيئة خصبة لنمو تلك الأفكار الهدامة.

  وتزداد الإشارة إلى هذه الدلالة بالعلم بأن منفذ حادث الكنيسة البطرسية بالعباسية في 11 ديسمبر 2016 محمود شفيق محمد مصطفى، من أبناء مركز سنورس بمحافظة الفيوم أيضًا، والكثير من العمليات الإرهابية التي قامت بها جماعة الإخوان وذراعها حركة حسم، كان من بين منفذيها أبناء لمحافظة الفيوم.

وقد اشتهرت المحافظة منذ أمد بعيد، بأنها تضم الكثيرين من القيادات والعناصر الإخوانية والسلفية، ولذلك لم يكن غريبًا أن تعطي المحافظة صوتها لمرشح جماعة الإخوان المسلمين في انتخابات 2012 الرئيس المعزول محمد مرسي؛ إذ ذهبت أصوات أكثر من 47% من إجمالي المصوتين في المحافظة، إليه في الجولة الأولى من الانتخابات، أما في جولة الإعادة، فازدادت هذه النسبة، لتصل إلى 78% من إجمالي المصوت، ولم يكن غريبًا أن تستغل هذه القيادات الإخوانية والسلفية بعض شباب المحافظة واستقطابهم فكريًا والزج بهم في طريق اللا عودة.

إهمال وفقر وتردي للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، أمور عانى منها أهالي محافظة الفيوم على مدار عقود، جعلت من المحافظة مسرحًا مناسبًا للجماعات المتشددة والمتطرفة لتلعب فيه أدوارها الدنيئة، وهو ما أدى إلى تفريخ هذا العدد من الإرهابيين.

تركيا، كلمة السر

تزامن بيان وزارة الداخلية والذي تضمن الإعلان عن هوية منفذ الهجوم الإرهابي وعملية مداهمة أوكارهم مع إعلان وزارة الخارجية الأمريكية، عن إدانة الولايات المتحدة الامريكية “الهجوم الإرهابي” خارج معهد الأورام، وأكدت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية مورجان أورتاجوس، أن الولايات المتحدة تقف بجوار مصر في معركتها ضد الإرهاب، وذلك خلال كلمتها التي نشرتها وزارة الخارجية الأمريكية على مواقع التواصل الاجتماعي.

أشار بيان وزارة الداخلية إلى أنه تم القبض على الإرهابي حسام عادل أحمد – واسمه الحركي “معاذ”، وهو مسئول الدعم اللوجيستي، وانضم للحركة عام 2018، والذي أوضح في اعترافاته بأن كل عضو بالتنظيم يتلقى تكليفاته من مسئولي التنظيم الإرهابي في تركيا والسودان كل على حدة، وأكد أن “المعتصم” أخد تكليفًا بنقل سيارة بها متفجرات لمنطقة بعينها، إلى أن يتم التكليف مجددًا لتنفيذ عملية إرهابية بها.

وأسفرت عمليات الفحص عن تحديد عناصر الخلية العنقودية لحركة “حسم”، وتحديد مرتكبي الحادث، فبالإضافة إلى حسام عادل “معاذ”، وهو أحد عناصر الرصد والدعم بحركة حسم الإرهابية، وعبد الرحمن جمعة محمد حسين، وإبراهيم خالد شقيق الانتحاري مرتكب الحادث، والذي يعد أحد الكوادر التي تتلقى التكليفات من كوادر “حسم” بالخارج، وأبرزهم الهارب أحمد محمد عبد الرحمن القيادي بتنظيم الإخوان الارهابي، بجانب الهارب بإحدى الدول محمد عايش وهو أحد الكوادر العسكرية لحركة حسم بحد المعسكرات الإرهابية بتلك الدولة.

في 72 ساعة: الأجهزة الأمنية تثأر 

كشفت معاينة فريق المباحث والنيابة العامة أن السيارة التي كان يقلها الإرهابي “معتصم” والتي أدت إلى وقوع الحادث أمام معهد الأورام، كان بها قرابة 150 كيلو من مادة «TNT» شديدة الانفجار.

ولم يعتقد الكثيرون أن العدالة ستنفذ على وجه السرعة وبهذا الحسم، ففي 72 ساعة استطاعت الأجهزة الأمنية الكشف عن تفاصيل العملية الإرهابية ورصدت خط سير الجاني بل وحددت المخططين والمنفذين، حيث أسفرت عملية المداهمة عن مصرع 17 عنصر بعد  تبادل إطلاق النيران مع قوات الشرطة، أسفر عن مقتل عنصرين من التنظيم هما المدعو إبراهيم خالد، والذي أرشد عن مكان اختباء “إسلام محمد قرنى محمد” السابق اتهامه في إحدى قضايا تصنيع المتفجرات وأحد عناصر حركة حسم الإرهابية بمنطقة التبين بحلوان، وأثناء مداهمتها قام الأخير بإطلاق النيران على قوات الشرطة فتم التعامل معهما مما أسفر عن مصرعهما،  وتم تحديد وكرين اتخذتهما تلك العناصر للاختباء، أحدهما بمبنى مهجور بالطريق الصحراوي بمركز إطسا بالفيوم، والآخر شقة بمنطقة الشروق”3″ بالقاهرة، وبمداهمة الوكر الأول حاولت المجموعة الإرهابية القيام بعملية لتفجير العبوات ناسفة وإلقاءها على القوات تحت ساتر من إطلاق النيران، مما دفع القوات للتعامل معهم وأسفر ذلك عن مصرع ثمانية عناصر من الخلية الإرهابية المسلحة.

وبمداهمة الوكر الثاني بمنطقة الشروق قامت تلك المجموعة المسلحة بإطلاق النيران على القوات بكثافة وأسفر التعامل معهم وتبادل إطلاق النيران عن مصرع سبعة عناصر من الخلية الإرهابية المسلحة.

تم العثور بحوزتهم في الوكر الأول على خمس قطع من السلاح الآلي وبندقتين خرطوش وخمس عبوات متفجرة معدة للاستخدام بالإضافة لكمية من المواد المستخدمة في تصنيع العبوات المتفجرة ومجموعة من الدوائر الكهربائية، وفي الوكر الثاني تم العثور بحوزتهم على أربعة أسلحة آلية وبندقية خرطوش ومعمل لتصنيع العبوات المتفجرة، بداخله كميات مختلفة من المواد المصنعة للعبوات المتفجرة.

كما أسفرت عمليات الفحص والتتبع للسيارة المستخدمة في الحادث عن تحديد خط سيرها قبل التنفيذ وصولاً لسيرها عكس الاتجاه بطريق الخطأ بشارع كورنيش النيل حتى منطقة الحادث.

مُصاب في كل بيت

مُصاب أليم في كل بيت في مصر نتيجة للإرهاب الخسيس، الذي لم يعد يفرق بين عسكري ومدني، بين طفل وشيخ، بين صحيح ومريض، الحادث الأخير كان أكثر ضحاياه والمتضررون منه من الكادحين الذين لم يكن الفقر فقط هو عدوهم، بل المرض اللعين أيضًا.

المعهد القومي للأورام هو قبلة هؤلاء من كل حدب وصوب للعلاج من المرض اللعين، ولكنّهم فوجئوا بما هو ألعن من المرض، ليضيق عليهم حتى في المكان الذي يرجون فيه الراحة من أسقامهم، فافترشوا الأرصفة، ثم تفرّقوا بين المشافي، ولا يعلمون ما هو مستقبل طريقهم للعلاج.

أفراح تنقلب إلى أحزان ومآس، هذا ما تفعله جماعة الإخوان التي وضعت نفسها في مواجهة مع المصريين، وتثبت ل يوم أنها منسلخة تمامًا عن كل ما هو مصري وكل ما هو إنساني، فالحادث الإرهابي أودى بحياة 19 مواطنًا من محافظة الغربية، كانوا في طريقهم لحضور زفاف، وساقتهم الأقدار لطريق هذا الإرهابي منفذ العملية فانتهى الزفاف إلى مأتم كبير. وفواجع العائلات المصرية من الإرهاب لا تنتهي، فقبل هذا فُجعت قرية الروضة بشمال سيناء، باستشهاد أسر ورجال عائلات بأكملها، في الحادث الإرهابي الذي استهدف مسجد الروضة في نوفمبر 2017.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى