ليبيا

الجسر الجوي التركي إلى ليبيا … يؤجج الصراع ويدعم الإرهاب

تتوالى تحركات الجيش الوطني الليبي للفرض سيادته على الأراضي الليبية، وتحرير العاصمة “طرابلس” من قبضة المليشيات والتنظيمات التي قوضت أمن المواطنين بتلك المناطق، وتورطت وحكومة الوفاق في إهدار ثروات ومقدرات الشعب الليبي لصالح مشروعاتها ومصالحها المشبوهة. حيث تورطت عدة دول في التأثير على مجريات الصراع الليبي، واستمرت هذه العواصم -مخالفة للقرارات الأممية- في دعم تلك المجموعات الإرهابية؛ أملا في تحقيق مكتسبات عبر تلك المليشيات عند استقرار الوضع لها.

وتكررت إدانات القيادة العامة للجيش الوطني الليبي، والأطراف الدولية المعتدلة المنخرطة بالصراع، للتدخلات الخارجية المقوضة لمسارات الاستقرار في ليبيا وبرامج القضاء على الإرهاب في ليبيا. وبرزت التحركات التركية والقطرية في دعم المليشيات والمجموعات المسلحة منذ اندلاع الأزمة.
وكشفت عدة تقارير أممية ودولية  حجما كبيرا من الدعم الموجه إلى المجموعات والتنظيمات المسلحة الموالية لحكومة الوفاق بالغرب الليبي عبر المطارات والموانئ التركية، ومن أبرزها السفينة “أمازون” والتي وصلت إلى ميناء طرابلس منتصف مايو الماضي قادمة من ميناء سامسون التركي، وتحمل على متنها 40 مدرعة لصالح المليشيات المسلحة والجماعات الإرهابية المدعومة من حكومة الوفاق في طرابلس.

الجسر الجوي التركي لدعم مليشيات الوفاق

لم تتوقف الانتهاكات التركية لقرار مجلس الامن الدولي رقم (1970) والصادر في مارس2011 والقاضي بـ “منع بيع أو توريد الأسلحة وما يتصل بها من أعتدة إلى ليبيا، ويشمل ذلك الأسلحة والذخيرة والمركبات والمعدات العسكرية والمعدات شبه العسكرية وقطع الغيار”. 

ووردت عدة تقارير عن وجود غرفة عمليات يديرها ضباط أتراك بتشغيل الطائرات المسيرة بقاعدة مصراته. ومع تصاعد وتيرة دعم أنقرة لتلك التنظيمات بدأ الجيش الليبي في العمل على استهداف مناطق تمركز وإدارة العمليات التابعة لمليشيات طرابلس وغرف العمليات التركية بالمطارات العسكرية ومستودعات الذخيرة الخاصة بها.

وكشفت متغيرات العمليات العسكرية في ليبيا عن اتجاه تركيا لإنقاذ المجموعات المسلحة التابعة لحكومة الوفاق بشكل مستميت عبر بدء جسر جوي متواصل لتوفير الدعم والعتاد لتلك المليشيات بنمط يعكس مدى تراجع الوضع وهشاشة قدرات الكتائب المدعومة من أنقرة. 

ويمكن قراءة هذا التطور النوعي في مسار الدعم التركي لهذه التنظيمات في مجموعة تحولات مرتبطة بدوافع تركية ضرورية للإبقاء على وجودها كفاعل مؤثر على ساحة الصراع الليبي. وهو ما برز في عمليات نقل المقاتلين من مناطق صراع أخرى كسوريا، إدلب على وجه الخصوص، الى محاور القتال في طرابلس.وتسليم تلك المليشيات أسلحة متقدمة وذخائر وصواريخ موجهه؛ لمواجهة تقدم الجيش الوطني. بالإضافة الى تدعيم غرفة العمليات التركية الخاصة بالطائرات المسيرة؛ لتعويض خسائرها التي منيت بها بعد إسقاط الجيش الوطني للكثير منها خلال الفترة الأخيرة. فضلاً عن محاولة إظهار دعهما التام للمليشيات في مسرح العمليات التركي؛ لتلافي حالات التراجع المعنوي وما استتبعها من انحسار لدرجة صمودها أمها وحدات الجيش الليبي في مختلف المناطق.

الطائرة الأوكرانية … قصف محلي وآثار دولية

أعلن اللواء “محمد المنفور” آمر غرفة عمليات القوات الجوية بالجيش الليبي، يوم الثلاثاء الماضي ، أن طائرات سلاح الجو استهدفت ودمرت بالكامل طائرة نقل كانت محملة بذخائر وعتاد عسكري -أسلحة وصواريخ موجهة- في مطار مصراته العسكري كانت قادمة من أنقرة، شحنة الطائرة يستخدمها سلاح الجو التركي المُسير انطلاقا من القاعدة. 

وقد التزمت حكومة الوفاق والمليشيات التابعة لها الصمت لفترة ليست بالطويلة قبل أن تعلن بعض الصفحات التابعة لتلك المجموعات عن الخسائر التي خلفها الهجوم على مطار مصراته العسكري، حيث أعلنت المليشيات أن القصف أدى الى وقوع ثلاثة جرحى، وتدمير طائرة شحن أجنبية وشحنة الذخائر المحملة بها، الا أنها أكدت على سلامة المرافق الأساسية بالمطار والطائرات.

وبينما التزمت تركيا الصمت حول العملية ونتائجها، إلا أن وزارة الشئون الخارجية الأوكرانية أعلنت تدمير طائرة شحن تابعة لشركة “SKY AVIA TRANS” أثناء وجودها بقاعدة مصراته العسكرية قادمة من مدينة أنقرة التركية، وأعلنت أن الشحنة كانت تحتوي على مساعدات إنسانية موجهة لمنظمة الهلال الأحمر الليبي. وقالت الوزارة أن الهجوم أدى الى تدمير ذيل الطائرة، وإصابة أحد افراد الطاقم بجروح طفيفة، واحتراق وثائق جواز سفر الملاح. وانه تم نقل الطاقم بالكامل الى مكان آمن.

مسارات الرحلة الأخيرة … وانكشاف الحقائق

أوردت عدة مصادر أن الطائرة من طراز “إل يوشن 76″ وهي طائرة شحن عسكرية مصنعة سنة 1993، وتحمل رمز تسجيل (UR-COZ)، وأنها كانت مملوكة لشركة مقرها في إسطنبول تسمى “ALFA AIR” قبل أن تفلس وتنتقل ملكية الطائرة لشركة “SKY AVIA TRANS” الأوكرانية التي تأسست سنة 2017، وهي تعمل بصفة أساسية من العاصمة التركية أنقرة. وبمراجعة سجل رحلات الطائرة الأوكرانية اتضح أن الرحلة الأخيرة كانت إحدى الرحلات المتكررة للطائرة وأخريات من أسطول طائرات الشحن الجوي التركية، والتي ساعدت في نقل مقاتلين وعتاد عسكري وذخائر الى ليبيا، وهو ما أكده مصدر أمني لبعض وكالات الانباء حول أن رحلتين على الأقل نقلت معدات ومواد خاصة لبناء مرفق عسكري تركي في الجزء الشرقي من الكلية الجوية.

وتبين عبر التدقيق في مسار رحلة الطائرة الأخيرة أنها غادرت الطائرة الشق العسكري من مطار (أنقرة – إيسبونغا) الدولي نحو وجهتها في قاعدة مصراتة، في يوم قصفها برحلتين من أنقرة إلى مصراتة.الرحلة الأولى وصلت فيها قبالة أجواء مصراتة ثماستمرت في المناورة قبالة الساحل لقرابة 30 دقيقة، قبل أن تبدأ في العودة أدراجها نحو أنقرة دون هبوط في مصراتة مستخدمة رقم رحلة مختلف وهو(TKR-7722).

وأطفأت الطائرة جهاز التتبع الخاص بها، في الأولى لم تشغله إطلاقا منذ إقلاعها من أنقرة وشغلته عند المناورة أمام مصراتة دون هبوط ، وبعد وصولها الى تركيا قامت مجددا بالإقلاع بعد قرابة ساعتين ونصف،الامر الذي ينفى أن سبب عدم هبوطها في مصراته قبل العودة كان سبب تقني. وقامت الطائرة بتغيير رقم رحلتها وتحركت الى مصراته مجدداً في الرحلة الثانيةلتستكمل مخطط الرحلة الأولى بذات الحمولة. ومع إقلاعها قام الطيار بتشغيل نمط التتبع ثم قام بإطفائه قبل دخول الأجواء الليبية بأقل من ساعة. 

ارتدادات مدوية لعملية قصف قاعدة مصراته

تجاوزت نتائج عملية استهداف الجيش الوطني لمطار مصراته العسكري تعطيل الأنشطة المشبوهة للطائرات التركية؛ إذ وردت تقارير حول تراجع بعض الدول التي كانت تتجه الى مثل هذا النشاط التركي عن استكمال ما هو مخطط وفقاً لأجندة أعمالها المتعلقة بدعم المليشيات الارهابية في ليبيا. وأورد موقع “italmrada” الإيطالي المتخصص في رصد حركة الملاحة الجوية العسكرية، أن طائرة إيطالية من طراز لوكهيد مارتن “C-130” انطلقتبرحلةمقيدةمنالقاعدة العسكرية بمطاربيزا،ثم تراجعت عن إكمال رحلتها ضمن مهمة إمداد إلى مصراتة،حيث استمرت في التحليق لدقائق بقرب جزيرة لامبيدوسا ثم دون تنفيذ مهمته. 

ورجحت عدة تقديرات الى أن السبب الرئيس هو اتجاه القوات الجوية الليبية الى استهداف امدادات ومطارات المدن الغربية الواقعة تحت سيطرة المليشيات والتي تقوم بعض الدول باستخدامها لإمداد تلك التنظيمات بالمقاتلين والعتاد العسكري.

واتجهت مليشيات الوفاق الى نقل عمليات الطائرات التابعة لها من مطار مصراته الى مطار معتيقية الذي يحتوي على شق عسكري؛ في محاولة للإفلات من رقابة سلاح الجو بالجيش الوطني. وأكد اللواء “محمد المنفور”رصد انتقال طائرتين نوع (L-39)من مصراته إلى مطار معيتيقة، حيث أقلعت هذه الطائرات من معيتيقة واستهدفت مدنيين جنوب العاصمة. ولدى عودة تلك الطائرات الى مطار مصراته العسكري قام سلاح الجو باستهدافها عند الهبوط، وتم إصابتها وتدميرها بالكامل.

ومجمل القول، فإن الانتهاكات التركية للقرارات الأممية، واستمرار النهج التركي في اتباع سياسات تقوض من أمن المنطقة سيظل مستمرا دونما انقطاع لدوافع عدة كضعف المنظمات الأممية والإقليمية في تطبيق قراراتها، كذلك شعور تركيا بانحياز البعثة الأممية لصف حكومة الوفاق وتماهيها مع ممارسات التنظيمات والمليشيات التابعة لها، وضعف الإجراءات التي تم اتخاذها ضد أنقرة عقب عمليات تهريب الأسلحة الى ليبيا التي تم الكشف عنها بصورة كبيرة مسبقا. ومما سبق فإن تبني حلول الوساطة والحل السياسي للازمة الليبية سيظل معطلا؛ إذ ستظل المجموعات المتمتعة بالدعم والتمويل الخارجي متمسكة بالإجراءات التي سترى فقط أنها تحقق أهدافها في الهيمنة على المشهد الليبي وإقصاء الفواعل الاخرين، وهو ما يستدعي وجود تحرك إقليمي منتظم لتسوية الازمة وتحييد الأطراف الدولية الراغبة في إبقاء الصراع الليبي مشتعلا لتحقيق أهدافها دون النظر الى مستقبل واستقرار الدولة الليبية ووحدتها.  

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى