الصحافة الدولية

انقضاء معاهدة الصواريخ بين واشنطن وموسكو..يؤذن ببدء سباق تسلح مع “بكين”

المتابع للتعاطي الأمريكي مع اتفاقيات وقعت سابقا مع أطراف مختلفة، يعي تماما أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ وصوله لمقعده في يناير 2017 وضع نصب عينيه الانقلاب على كل ما أنجزته إدارة أوباما، وضرب رقما قياسيا بانسحابه من المعاهدة الموقعة مع روسيا والتي تلزم الجانبين الأمريكي والروسي بالتخلص من الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى، وهو ما علّق عليه الأمين العام للأمم المتحدة ” أنطونيو جويتريش” بأن العالم سيخسر وسيلة لا تقدر بثمن ضد الحرب النووية، وطالب الطرفين الأمريكي والروسي بتمديد المعاهدة الموقعة عام 1987 بين الرئيس الأمريكي رونالد ريجان والزعيم السوفييتي ميخائيل جورباتشوف.

\\SERVER\Folder Redirection\Nermeen.Saeed\Desktop\New folder (3)\Capture3.JPG

وعلق وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف على انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من المعاهدة، مُشيرًا إلى أن روسيا لديها موقف واضح وصريح تجاه هذه الخطوة، إذ أنها ستكتفي بعدم نشر صواريخ متوسطة وقصيرة المدى في المناطق التي لن تظهر بها أنظمة صواريخ أمريكية مماثلة.

وأشار “لافروف” إلى أن الوجود الفعلي للأسلحة النووية الأمريكية على أراضي خمس دول أوروبية باعتباره “جزءا من الأنشطة النووية المشتركة للدول من أعضاء حلف الناتو” يعدُ انتهاكا مباشرا وجسيما لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية. 

وبذلك يصل إجمالي الاتفاقيات التي انسحب منها الجانب الأمريكي 10 اتفاقيات. أبرزها الانسحاب الأمريكي من اتفاقية التغيرات المناخية التي تلزم 187 دولة بالإبقاء على درجات الحرارة العالمية المتزايدة عند مستويات أقل، ثم الانسحاب من خطة العمل المشتركة التي ترتّب عليها الكثير من التصعيد في الآونة الأخيرة.

وفيما يتعلق بالاتفاقات الموقعة مع الجانب الروسي انسحبت أمريكا مسبقًا من الاتفاقية المعنية بعمليات خفض متبادلة لترسانات الأسلحة النووية.

التهديد الأمريكي بالانسحاب من الاتفاقية 

\\SERVER\Folder Redirection\Nermeen.Saeed\Desktop\New folder (3)\Captureg.JPG

في فبراير 2019 لوح ترامب بأن واشنطن ستنسحب من اتفاقية الصوراريخ متوسطة وقصيرة المدى إذا لم تلتزم موسكو بما جاء فيها، وذلك في مدة أقصاها ستة أشهر، وكان الرئيس الأمريكي السابق أوباما، قد حذر الروس بأنهم انتهكوا المعاهدة عندما قاموا بإطلاق تجربة صاروخ “كروز” عام 2014، التي رأتها الولايات المتحدة تؤثر على الصواريخ الهجومية لحلف الناتو.

    الدوافع الأمريكية للانسحاب من المعاهدة 

في الوقت الذي روجت فيه إدارة “دونالد ترامب” بأن السبب في الانسحاب من الاتفاق المُوقّع مع روسيا في 1987 هو التجربة الصاروخية التي أجرتها موسكو في 2014، تشير مصادر أخرى إلى أن السبب الرئيس يرجع إلى الضغوط التي يمارسها الصقور في الكونجرس على ترامب وعلى وجه التحديد مستشاره للأمن القومي “جون بولتون”. خصوصًا وأن إنفاق الطرفين على التسلح حسب بيانات رسمية مثير للتعجب، ففي عام 2018 وحده وصل الإنفاق العسكري الأمريكي إلى 649 مليار دولار، بينما وصل الإنفاق الروسي 61.4 مليار دولار فقط.

\\SERVER\Folder Redirection\Nermeen.Saeed\Desktop\New folder (3)\Capture33.JPG

إضافة إلى أن واشنطن متخوفة من مجرد الطرح القائل باستعادة موسكو لنفوذها وإمكانية عودة القطبية الثنائية من جديد، علاوة على الدور الذي تلعبه روسيا على الساحة السورية وهو الأمر المؤرق لواشنطن إذا ما وُضع إلى جانب العلاقات الروسية الإيرانية القوية.

            الأطراف المتضررة 

على العكس من المتوقع بأن أكثر الأطراف تضررا من الانسحاب من الاتفاقية الموقعة بين الطرفين الأمريكي والروسي في 1987 هو الطرفين الأمريكي والروسي فإن الدلائل تشير إلى أن أكثر الأطراف تضررا هو القارة الأوروبية، لأن الحليف الأمريكي المزعوم لا يشغله في أي حال من الأحوال أن يضر بمن ادعى أنهم حلفاؤه. انقضاء الاتفاقية يجعل القارة الأوروبية بأكملها في مرمى الصواريخ الروسية متوسطة وقصيرة المدى.  

        “الكابوس” الصيني يؤرق واشنطن 

بولندا كانت من أولى الدول التي ألقت اللوم على موسكو في دفعها لواشنطن للانسحاب من الاتفاقية، وبررت موقفها أن موسكو لو أحجمت عن اختراق بنود الاتفاقية مرارًا وتكرارًا كان آخرها تجربة “كروز” في 2014، لم تكن واشنطن لتفكر في تعليق العمل بالاتفاقية لمدة ستة أشهر ثم الانسحاب منها مؤخرًا، الجانب البولندي غض الطرف عن أن واشنطن تسوق أسباب مغايرة للواقع للتراجع عن التزاماتها.

انحسار الاتفاقية بين طرفين فقط “أمريكا وروسيا” منذ عام 1987 خلق مجالًا مفتوحًا أمام قوى نامية عدة لتطوير نفسها في مجالات مختلفة أهمها “التسلح”، تنبهت واشنطن لذلك واختارت أن تنسحب من الاتفاقية لتكون قادرة على ردع بكين في أي وقت. الجيش الأمريكي المنتشر في قواعد مركزية في أنحاء العالم لا يتقبل عدم القدرة على النفاذ لأي منطقة، وربما من هنا جاء السعي الأمريكي لخفض التزاماته بالنسبة للحد من التسلح للحاق بالتطورات على الأرض. 

الحرب التجارية مع الصين..مجرد بداية 

السعي الأمريكي لا ينصب على تحجيم قدرات بكين العسكرية فحسب، بل أن رغبة واشنطن في إبرام اتفاقية نووية جديدة تكون بكين أحد أطرافها نابعة من الحرب المشتعلة بين الولايات المتحدة والصين والتي اتخذت من التجارة طريقًا لها ،وقد مثّلت أزمة ” هواوي” أبرز انعكاسات هذه الحرب، بالإضافة إلى السعي الأمريكي لتقويض النفوذ الصيني على كافة المستويات.

واشنطن تناقض نفسها

تصّور إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسها بأنها الحريصة على منع انتشار الأسلحة النووية في العالم، وتسعى في سبيل ذلك إلى التوصل إلى اتفاق مع كوريا الشمالية بخصوص برنامجها النووي، للحد من القدرات النووية لبيونج يانج، كما بررت إدارة ترامب انسحابها من الاتفاق النووي مع إيران بأن الاتفاق لم يحد من قدرات طهران النووية، بل أطلق لها العنان وقنّن مساعيها النووية.

ورغم ذلك كله، انسحبت واشنطن من معاهدة الصواريخ مع موسكو، مما يفسح المجال للبلدين، وجميع القوى الكبرى لسباق تسلح جديد.

 العالم في مواجهة سباق تسلُّح جديد

إعلان الولايات المتحدة تعليق العمل بمعاهدة الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، والرد الروسي على ذلك بتعليق العمل بالمعاهدة التي تم التوصل إليها في أعقاب الحرب الباردة، يعني انتهاء هذه المعاهدة تمامًا، وإطلاق شرارة سباق التسلُّح النووي في العالم، ولا سيّما بين القوى الكبرى.

ويبدو أن كلًّا من الولايات المتحدة وروسيا تعُدّان العدة لهذا السباق، ولذلك صرّح سيرجى ريابكوف، نائب وزير الخارجية الروسي، بأن “روسيا لن تخسر أبدًا في سباق تسلح جديد بات يلوح في الأفق بعد خروج واشنطن من معاهدة الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى، وهذا التحفُّز ليس من الجانب الروسي فحسب، فالولايات المتحدة ومن ورائها حلف شمال الأطلسي “الناتو” على أهبة الاستعداد للمواجهة النووية المرتقبة، وقد تعهد الحلف على لسان أمينه العام ينس ستولتنبر، بالرد بطريقة مسؤولة ومحسوبة على المخاطر الكبرى التي تشكلها روسيا على أمن الحلف.

\\SERVER\Folder Redirection\Nermeen.Saeed\Desktop\New folder (3)\Capturegt.JPG

مخاطر كارثية تلوح في الأفق عبّر عنها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش في تصريحاته التي أعقبت انسحاب واشنطن من الاتفاق، ودعا كل الأطراف إلى تجنب التطورات المزعزعة للاستقرار والسعي بشكل عاجل إلى التوصل لاتفاق بشأن مسار جديد مشترك للحد من انتشار الأسلحة عالميًا. فلم يعد إلا اتفاق واحد هو الفعّال بين واشنطن وموسكو في مجال الأسلحة النووية. وهو ما ينص على أن يبقى عدد أسلحة الترسانتين النوويتين للبلدين أدنى مما كان عليه في الحرب الباردة، وينتهي مفعوله في عام 2021.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى