إيران

مؤشرات متضاربة.. هل يوجه ترامب ضربة عسكرية لإيران؟

تتعمق حالة اللا يقين في الوقت الراهن بعد خسارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية أمام المرشح الديمقراطي جو بايدن، وما يمكن أن يفعله ترامب خلال الفترة المتبقية حتى تسليم الحكم إلى بايدن (20 يناير)، ولا سيّما في الملف الإيراني. وذلك بعد أن نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرًا كشفت فيه عن أن ترامب سأل كبار مستشاريه خلال اجتماع (12 نوفمبر) عن الخيارات المتاحة لشن ضربة عسكرية ضد منشأة نطنز النووية الإيرانية في الأسابيع المقبلة. ورغم الحديث عن أنه قرر عدم المضي قدمًا في هذا الأمر إلا أن مؤشرات تفيد باحتمالية ذلك.

دوافع ترامب

يمتلك دونالد ترامب في مثل هذا الموقف عددًا من الذرائع التي قد تدفعه نحو توجيه مثل هذه الضربة العسكرية لإيران، ومنها:

تعقيد مهمة بايدن

النهج الذي أعلن الرئيس المنتخب جو بايدن تبنيه تجاه التعامل مع إيران مغاير تمامًا للنهج الذي سار وفقًا له ترامب خلال فترة رئاسته للولايات المتحدة. فبينما انسحب ترامب من خطة العمل الشاملة المشتركة “الاتفاق النووي الإيراني” (مايو 2018)، واتبع استراتيجية الضغط الأقصى لمعاقبة طهران، يريد بايدن إعادة التفاوض مع إيران على اتفاق نووي جديد أو على أقل تقدير العودة إلى الاتفاق الذي انسحبت منه واشنطن.

وبدا واضحًا أن ترامب عمل منذ ما قبل الانتخابات على استمرار الولايات المتحدة في الاستراتيجية التي وضعها للتعامل مع طهران، وذلك من خلال استمرار فرض العقوبات على إيران بشكل يجعلها أمرًا واقعًا من الصعب تجاوزه أو الحيد عنه مع أي إدارة أمريكية جديدة. وكان المبعوث الأمريكي لإيران وفنزويلا إليوت أبرامز قال (19 نوفمبر) إن “أي حكومة أمريكية تريد العودة إلى الاتفاق النووي ستواجه العديد من العقبات”.

ولذا فإن توجيه ضربة عسكرية ضد إيران يحقق الغرض ذاته لترامب، ويضمن استمرار حدود المواجهة الأمريكية الإيرانية الحالية خلال إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن، فضلًا عن تعقيد الفترة الأولى من إدارته للولايات المتحدة عبر تحمل التكلفة السياسية لأي قرار سيضطر إلى اتخاذه بناء على هذه الضربة العسكرية التي لن يكون الرد الإيراني عليها مأمونًا، وسيستدعي رد فعل أمريكي إما بالصمت وإظهار بايدن في موقف ضعف، أو الدفع نحو مواجهة عسكرية مفتوحة.

السلاح النووي الإيراني

تزايدت المخاوف الدولية من تطوير إيران لسلاح نووي مؤخرًا في ظل الازدياد المطرد في معدلات تخصيب اليورانيوم، وكميات اليورانيوم المخصب التي تحتفظ بها إيران، فضلًا عن الاستمرار في تطوير منشآت نووية سرية. وقد اعترفت طهران بإطلاق أجهزة طرد مركزي متطورة لتخصيب اليورانيوم رُكّبت في مصنعها تحت الأرض في مجمع نطنز، معلنة (22 نوفمبر) عبر ممثلها في الوكالة الدولية للطاقة الذرية كاظم غريب آبادي أنها دخلت مرحلة جديدة من تخصيب اليورانيوم في محطة نطنز النووية.

وذلك بعد ما أكدت الوكالة (18 نوفمبر) أن إيران قامت بتركيب أجهزة طرد مركزي تحت الأرض. مشيرة إلى أنها تحققت من أن إيران بدأت في تغذية سداسي فلوريد اليورانيوم في سلسلة من 174 جهاز طرد مركزي تم تركيبها مؤخرًا في نطنز، داعية طهران إلى أن تشرح “بشكل كامل وسريع” وجود جزيئات من اليورانيوم في مكان لم تعلن عنه الدولة. 

وكانت الوكالة قد أكدت (11 نوفمبر) أن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب يزيد الآن بـ12 ضعفًا على الحد المنصوص عليه في اتفاق عام 2015 مع القوى العالمية. وأنها تواصل تخصيب اليورانيوم بدرجة نقاء تصل إلى 4.5%، أي أعلى من 3.67% المسموح بها بموجب الاتفاق.

ويمكن أن يمثل هذا كله ذريعة لترامب لشن ضربة عسكرية ضد منشآت نووية إيرانية مثلما بحث مع مستشاريه في الاجتماع الذي أفصحت عنه صحيفة نيويورك تايمز، وذلك تحت دافع أن إيران تقترب حثيثًا من تطوير سلاح نووي، وأن توجيه ضربة للمنشآت النووية الإيرانية سيحول دون حدوث هذ الأمر الذي يمثل خطرًا ليس للولايات المتحدة فقط.

مؤشرات العمل العسكري

تغيير قيادات البنتاجون

أعلن ترامب (9 نوفمبر) إقالة وزير الدفاع مارك إسبر وتعيين مدير المركز الوطني لمحاربة الإرهاب كريستوفر ميلر وزيرا للدفاع بالإنابة، وتعيين الكولونيل المتقاعد دوغلاس ماكجريجور، كبيرًا لمستشاري وزير الدفاع، والجنرال المتقاعد أنتوني تاتا قائمًا بأعمال نائب وزير الدفاع للشؤون السياسية، وعزرا كوهين واتنيك وكيلًا لوزارة الدفاع للاستخبارات والأمن، فضلًا عن تعيين كبير مستشاري مكافحة الإرهاب بالبيت الأبيض كاش باتيل رئيسًا لأركان الجيش الأمريكي.

المسؤولون الخمسة المعينون حديثًا وصفوا بأنهم أكثر ولاءً لترامب من القادة السابقين. بجانب أنهم معروفون بمواقفهم الواضحة في عدد من الملفات، ومنها ضرورة سحب القوات، ومنهم من يتخذ موقفًا عدائيًا من إيران. ومن ثم يمكن قراءة هذه التغييرات في إطار نية ترامب توجيه ضربة عسكرية لطهران.

سحب القوات

بعد التغييرات التي طالت البنتاجون، أعلن وزير الدفاع بالإنابة كريس ميلر (17 نوفمبر) أنه سيتم سحب 2000 جندي من أفغانستان و500 جندي من العراق بحلول 15 يناير، بحيث لا يبقى سوى 2500 جندي أمريكي في كل بلد. وهو قرار لقى معارضة كبيرة من قيادات البنتاجون السابقة وخاصة وزير الدفاع مارك إسبر الذي عارض سحب القوات من أفغانستان وأرسل –حسب CNN- مذكرة سرية إلى البيت الأبيض أكد فيها أن “التوصية بالإجماع لسلسلة القيادة هي ألا تسحب الولايات المتحدة وجود قواتها في أفغانستان حتى يتم استيفاء الشروط”.

وذكرت وكالة الأنباء السورية (15 نوفمبر) أن رتلًا عسكريًا أمريكيًا من 50 عربة مدرعة ودبابة غادر الأراضي السورية عبر معبر الوليد باتجاه الأراضي العراقية، وقبلها تحدثت مصادر سورية عن انسحاب رتل عسكري (13 نوفمبر) من ريف الحسكة عبر معبر الوليد باتجاه العراق.

إذا ما وُضع هذا المشهد في سياق احتمالات توجيه ضربة لإيران، فيمكن قراءة خفض القوات الأمريكية في كل من العراق وأفغانستان وسحب بعض القوات الموجودة في سوريا إلى العراق بأنه قد يكون استعدادًا أمريكيًا لتبعات ما بعد توجيه الضربة العسكرية، عبر حصر نطاق وجود القوات الأمريكية في مناطق محددة عالية التحصين؛ لتكون في مأمن من الرد الإيراني، سواء في القواعد العسكرية الموجودة في العراق مثل عين الأسد وأربيل أو في بؤر بعيدة عن نطاق استهداف إيران عبر الجماعات الموالية لها في أفغانستان.

التنسيق مع إسرائيل

شهد الأسبوع الماضي تنسيقًا رفيعًا بين واشنطن وتل أبيب على الصُعد السياسية والعسكرية؛ إذ زار وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إسرائيل (18 نوفمبر) ضمن جولة خارجية موسعة، والتقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لبحث الملف الإيراني وقضايا أخرى. وكذلك أجرى رئيس هيئة الأركان المشتركة مارك ميلي اتصالًا مع رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أفيف كوخافي (12 نوفمبر) ناقشا فيه البيئة الأمنية الحالية في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وقبلها زار المبعوث الأمريكي لإيران إليوت أبرامز إسرائيل (8 نوفمبر) والتقى برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ورئيس مجلس الأمن القومي مئير بن شبات ووزير الدفاع بيني جانتس ووزير الخارجية جابي أشكنازي.

تتفق رؤى إدارة ترامب وحكومة نتنياهو بشأن إيران؛ إذ ترى إسرائيل أن عزم بايدن العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران قد يؤثر سلبًا على أمنها، وقال وزير المستوطنات الإسرائيلي تساحي هنغبي (4 نوفمبر) إن الصفقة الإيرانية التي وقعها الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في عام 2015 كانت خطأ فادحًا، وإذا التزم بايدن بهذه السياسة فستحدث في النهاية مواجهة عنيفة بين إسرائيل وإيران، مشيدًا بسياسة الضغط الأقصى التي اتبعها ترامب. ومن ثم قد تُرى هذه التحركات في إطار الاستعداد لتوجيه ضربة لإيران، والتي قد تكون بجهد عسكري أمريكي إسرائيلي مشترك.

هجمات وكلاء إيران في العراق

ظل الوجود الأمريكي في العراق تحت النيران لفترة طويلة، حتى شهدت الضربات التي توجهها الميلشيات العراقية التابعة لإيران توقفًا على إثر هدنة أعلنت عنها الميلشيات (10 أكتوبر)، إلا أن صواريخ استهدفت السفارة الأمريكية بالمنطقة الخضراء ببغداد (17 نوفمبر) وتصدت منظومة الدفاع الجوي الأمريكية “سيرام” لعدد منها، وأعلنت جماعة تُدعى “أصحاب الكهف” مسؤوليتها عنها، وأعلن زعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي (19 نوفمبر) انتهاء الهدنة.

يمثل هذا الاستهداف تصعيدًا إيرانيًا في المواجهة مع واشنطن، رغم ما نشرته وكالة آسوشيتد برس بأن قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني حث أثناء زيارة للعراق مؤخرًا قادة الميلشيات على التأهب وتجنب إثارة التوتر مع واشنطن حتى انقضاء ولاية دونالد ترامب. ومن شأن هذا الهجوم الأخير أن يستدعي ردًا أمريكيًا.

خيار الردع

في المقابل من المؤشرات السابقة، تدل مؤشرات أخرى على أن دونالد ترامب لن يُقدم على خطوة غير محسوبة العواقب كاستهداف إيران وتوجيه ضربة عسكرية لها في الأيام الأخيرة من ولايته طالما لم يحدث ما يستدعي ذلك مثل انخراط إيران في أنشطة عسكرية تقتل أمريكيين.

استمرار فرض العقوبات

تستمر إدارة ترامب حتى أيامها الأخيرة في سياسة الضغط الأقصى ضد إيران، ولذلك فرضت حزمة جديدة من العقوبات (18 نوفمبر) استهدفت بها مسؤولين بالحرس الثوري الإيراني وربطتها بقمع الاحتجاجات التي خرجت قبل عام في إيران، وأدرجت وزير المخابرات الإيراني محمود علاوي على القائمة السوداء.

وفرضت كذلك عقوبات على “مؤسسة المستضعفين” الواقعة تحت إشراف المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي و61 كيانًا وشخصًا مرتبطًا بها. متعهدة بفرض عقوبات جديدة خلال الفترة المقبلة. هذه العقوبات تعد مؤشرًا على أن إدارة ترامب عازمة على استكمال النهج الذي بدأته وتراه ناجحًا في تحجيم النشاط الإيراني، وأنها ليست مضطرة إلى استخدام الحل العسكري في هذا الوقت.

الضربات الإسرائيلية في سوريا

صعّدت إسرائيل في الأسبوع الأخير من ضرباتها للمواقع الإيرانية في سوريا، وأعلنت مسؤوليتها على غير العادة عن هجوم (18 نوفمبر) استهدف “مستودعات ومقار وموقع عسكرية تابعة لفيلق القدس الإيراني والجيش السوري”. وعلق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هذا الهجوم بالقول “لن نسمح بتموضع عسكري إيراني ضدنا في سوريا ولن نسمح باي محاولة للاعتداء علينا من الأراضي السورية”.

تشير هذه الضربات الإسرائيلية الواضحة إلى تأكيد إسرائيل لثوابتها فيما يخص السياسة تجاه إيران، وكذلك إلى عدم رغبة أمريكية في توجيه ضربة استباقية لطهران، وإنما العمل على إثارة إيران ودفعها نحو توجيه ضربة تتقاطع مع الخطوط الحمراء التي وضعتها الإدارة الأمريكية وهي استهداف أمريكيين بما يستدعي ضربة أمريكية مقابلة.

نشر قاذفات بي-52

أرسل الجيش الأمريكي (21 نوفمبر) عددًا من القاذفات الاستراتيجية بي-52 ستراتوفورتريس في الشرق الأوسط عبر المجال الجوي الإسرائيلي بهدف “ردع العدوان وطمأنة شركاء الولايات المتحدة وحلفائها”. وقال اللفتنانت جنرال جريج جيلو قائد سلاح الجو التاسع: “إن القدرة على تحريك القوات بسرعة إلى داخل وخارج وحول مسرح العمليات للاستيلاء على المبادرة والاحتفاظ بها واستغلالها هي مفتاح لردع أي عدوان محتمل”.

يُعدُّ إرسال القاذفات بي -52 التي تمتلك القدرة على حمل وإلقاء نحو 32000 كيلو جرامًا من القنابل، وتملك نطاقًا قتاليًا أكبر من 14162 كيلو مترًا دون التزود بالوقود، رسالة ردع قوية لإيران بأن واشنطن قادرة على الرد على أي هجوم إيراني في مسرح العمليات الإقليمي.

إجمالًا، مجمل هذه المؤشرات يرجح عدم إقدام الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب على توجيه ضربة عسكرية لإيران، وأن يكون الهدف هو ردع إيران عن أي عمل عسكري في الذكرى الأولى لاغتيال قاسم سليماني. وذلك لعدة أسباب يأتي ضمن أهمها رد الفعل الإيراني الذي قد يكون مكلفًا للولايات المتحدة بشريًا ويقود إلى حرب شاملة حسب حسين دهقان مستشار المرشد الإيراني (21 نوفمبر).

ذلك فضلًا عن أن توجيه ضربة للمنشآت النووية الإيرانية أمر معقد سيحتاج إلى إعداد ضخم يتضمن ما يزيد عن 50 طائرة مقاتلة من طُرز مختلفة للقيام بمهام الضرب والتشويش واستهداف الدفاعات الجوية، وقطع بحرية تقوم بمهام الإسناد، وتنسيق عالي المستوى مع الدول التي ستشارك في الضربة مثل إسرائيل أو التي سيُستخدم مجالها الجوي في توجيهها. ولكن تبقى الاحتمالات قائمة بتوجيه ضربة أمريكية لأحد وكلاء إيران مثل جماعة الحوثيين التي تجري مناقشات بالخارجية الأمريكية لتصنيفها كجماعة إرهابية، أو توجيه ضربات سيبرانية لأحد المنشآت الإيرانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى