أوروبا

هاجس الانتخابات المبكرة يطارد الحكومة الإيطالية

كلما ارتفع صوت روما في الملفات الخارجية، كلما كان ذلك انعكاسًا للأزمة الداخلية التي تمر بها الحكومة الإيطالية منذ ديسمبر 2016 حينما صوت الشعب الإيطالي برفض التعديل الدستوري.

وعلى ضوء فشل اليسار الإيطالي في الحشد لاستفتاء التعديل الدستوري في 4 ديسمبر 2016، دخلت إيطاليا أزمة سياسية أفضت إلى خسارة الحزب الديمقراطي الحاكم –ممثل اليسار الإيطالي التقليدي– في الانتخابات البرلمانية في 4 مارس 2018، ما أدى إلى صعود حزب رابطة الشمال بقيادة ماتيو سالفيني.

هذا السياسي القادم من ميلانو (مواليد 9 مارس 1973)، تولى رئاسة الحزب في 15 ديسمبر 2013، ويُعدُّ المنظر الذي يقف خلف تطوير اليمين القومي الإيطالي، إذ دمج ما بين الأفكار الوطنية القومية والأفكار الدينية الكاثوليكية الرومانية مستغلًا دراسته الأكاديمية للعلوم السياسية ثم التاريخ، ليعبر عن ثقافة إيطالية خالصة.

وقرعت أوروبا أجراس الخطر على ضوء صعود رابطة الشمال الإيطالية، والتي تناظر في سياستها الموالية لليمين القومي نفس سياسات حزب البديل الألماني أو مؤيدي بريكست البريطاني أو سياسة الترامبية الأمريكية نسبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

الخوف من صعود “ترامب إيطاليا” لسدة الحكم في روما، هيمن على علاقة أوروبا بإيطاليا عقب تلك الانتخابات، بعد أن وافق سالفيني زعيم اليمين القومي الإيطالي أن يدخل في ائتلاف حكومي، مكتفيًا بمنصب نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية في 1 يونيو 2018.

وعلى ضوء وجود سالفيني واليمين القومي داخل الوزارة الإيطالية، حدث تلاسن بين إيطاليا وفرنسا هو الأول من نوعه منذ الحرب العالمية الثانية فيما يتعلق بالملف الليبي.

ولكن وزير الداخلية القوي لم يستطع أن يفرض أجندة اليمين القومي، لذا لجأ إلى لعبة سياسية تتمثل في تقديم استقالة حزبه من الوزارة في 5 سبتمبر 2019 والنزول إلى الشارع في مظاهرات مطالبة بإجراء انتخابات برلمانية مبكرة، راهن سالفيني على أنه سيكتسحها ويشكل الوزارة الإيطالية بتوجه قومي خالص.

ونظرًا لمخاوف النخبة السياسية الإيطالية من هذا الانتصار، وفى خطوة غير متوقعة وأتت خارج حسابات سالفيني، قبلت الأحزاب الإيطالية الانضواء في ائتلاف حكومي برجماتي، وتنحية الأيديولوجيات السياسية من أجل قطع الطريق أمام انتصار اليمين القومي في الانتخابات المبكرة.

وهكذا جرى تعديل وزاري تضمن ائتلافًا جديدًا بين حركة النجوم الخمس والحزب الديمقراطي، وقبل حزب ثالث في البرلمان هو “فيفا إيطاليا” أن يكمل الكتلة التصويتية اللازمة لتمرير تشكيل التعديل الوزاري دون الذهاب إلى انتخابات مبكرة، ليقبل اليسار الإيطالي تحالفًا غير منسجم مع أفكاره، مقابل ألا يصعد اليمين القومي إلى سدة الحكم في روما.

ومنذ تأليف هذا الائتلاف الحكومي اليساري الهش الذي يرأسه المستقل جوزيبي كونتي، والأزمة الداخلية في إيطاليا هي محرك السياسة الدولية، إذ كلما طالبت المعارضة بالذهاب إلى انتخابات مبكرة بدلًا عن انتظار عام 2023، افتعلت روما أزمة ما في الشؤون الخارجية.

كذلك أتى فيضان فينسيا الشتاء الماضي وهو الأقوى منذ نصف قرن ليضرب السياحة الإيطالية، ولاحقًا أتى وباء كورونا واستوطن إيطاليا ليتحول الأمر إلى إبادة حقيقية لكبار السن مما جعل الجيش الإيطالي يتحرك للعمل مع الشرطة والقطاع الصحي من اجل معالجة الأزمة.

وعلى ضوء الهشاشة السياسية والاقتصادية داخل إيطاليا، تجمدت الحياة البرلمانية والحزبية انتظارًا لمدى قدرة صمود الحكومة أمام شبح الانتخابات المبكرة التي ستعيد رسم المشهد الإيطالي لسنوات، إما خسارة اليمين القومي حتى يلحق بدونالد ترامب الخارج من البيت الأبيض في يناير 2021، أو تمكين اليمين القومي وبدء التحول الإيطالي عن الاتحاد الأوروبي كما فعلت بريطانيا عقب استفتاء بريكست.

مطالب شعبية بتكرار بريكست

تحولت إيطاليا إلى أكبر بؤرة لفيروس كورونا في موجته الأولى، وكانت أول دولة في العالم تتجاوز أرقام الصين مهد فيروس كوفيد-19، وعلى ضوء المساعدات الأوروبية الضعيفة، صعدت حركة شعبية تطالب بالخروج من الاتحاد الأوروبي الذي لم يساعد إيطاليا في محنتها.

تمثل في موجة جديدة هي الأكبر من التدوين والتغريد عبر وسم #ITEXIT الذي يطالب بخروج إيطاليا من الاتحاد الأوروبي على غرار بريطانيا. هذا الوسم الذي بدأ عام 2016، وينشط كل فترة على يد الحركات والنشطاء والساسة والشخصيات العامة الداعية للانفصال الإيطالي، أصبح خير مقياس لمدى غضب الشعب الإيطالي مما سمّاه النشطاء “خذلان الاتحاد الأوروبي للأمة الإيطالية”.

الانتخابات المبكرة

من المتوقع ألا يقبل طرفا الائتلاف الحاكم الجديد الذهاب إلى ائتلاف جديد عقب الانتخابات، ما يعني أن الصراع السياسي في إيطاليا عكس اغلب دول أوروبا وأمريكا بدلاً من أن يشهد تداولًا للسلطة بين الحزبين الكبيرين سوف نرى صراعًا سياسيًا بين أربعة أحزاب تمثل اليمين واليسار التقليدي والجديد في إيطاليا.

في هذا التعقيد السياسي تصبح المزايدات السياسية والوطنية هي عنوان اللعبة، فلا عجب أن تصدر بعض الأطراف السياسية أو البرلمانية أو الصحفية الإيطالية بعض المغالاة في التعامل مع الملفات الخارجية بحثًا عن “ترميم الشعبية داخليًا” في معركة مهمة للغاية لحسم الصراع بين التيارات التقليدية والتيار القومي الجديد الصاعد في إيطاليا والغرب.


إيهاب عمر

باحث سياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى