تركيا

الـ”مونيتور” الأمريكية: هل ينجح أردوغان في تحسين صورته أمام الغرب؟

عرض – هبة زين

ينزلق الاقتصاد التركي إلى الهاوية، على مدى قرابة العامين، حيث عانى الاقتصاد التركي من انخفاض الليرة التركية، وإغلاق آلاف المصانع والشركات العاملة بتركيا، هذا فضلا عن السياسة الخارجية التركية التي استجلبت لتركيا عداءات مجانية بسبب التدخل العسكري في أكثر من جبهة، ما تسبب في قلق المستثمرين ونفور بعضهم الآخر عن الاستثمار في تركيا وهو ما يعكس حتما ركودا اقتصاديا.

وفي هذا الصدد، نشر موقع المونيتور تقريرا تحت عنوان “عالقًا بين المطرقة والسندان ، يسعى أردوغان إلى إيجاد مخرج” أكد فيه أن التطورات في الداخل والخارج تجبر الرئيس رجب طيب أردوغان على البحث عن مسار جديد يهدف إلى إخراج تركيا من ورطتها الاقتصادية الحالية وإضعاف العزلة السياسية في الغرب.

فبعد أن ضحى بصهره بيرات البيرق، وزير المالية والخزانة السابق، على مذبح “بداية جديدة”، وفقًا لتعبير الكاتب، يقدم أردوغان نفسه الآن على أنه إصلاحي اقتصادي وقضائي سيتغلب على ويلات تركيا. كما أعلن أردوغان أن إدارته تعمل على “خطة عمل حقوقية” جديدة لكي تكون، أكثر توافقاً مع الظروف المتغيرة لعالم اليوم.

وهو ما يشير إلى حجم الجهد المبذول من جانب أنقرة لإعادة التعامل مع الغرب نفسه الذي كان أردوغان وأنصاره يشوهونه لسنوات. هذا فضلا عن محاولة تعويض الليرة التركية عن بعض الخسائر الجسيمة التي لحقت بها فور قبول أردوغان لاستقالة البيرق – الذي تعرض للتوبيخ الشديد لسوء إدارة الاقتصاد – فيما يعتقد البعض أن تركيا بالفعل على أعتاب تغيير إيجابي.

يواجه أردوغان معركة شاقة من صنعه. فيعتقد الكثيرون أنه سيفشل في نهاية المطاف في الوفاء بكلماته لأن هذا سيتطلب منه حرفيًا إنكار كل ما أصر عليه حتى الآن.

وسخر رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، ورئيس حزب المستقبل المعارض حاليًا، والعضو البارز في حزب العدالة والتنمية الحاكم AKP)) سابقًا، من إعلان أردوغان الإصلاحي، قائلا في كلمة ألقاها أمام أنصاره، إن الأمر بدا كما لو أن حكومة جديدة قد وصلت إلى السلطة وكانت تتأسف على الحطام الذي ورثته عن الآخرين بعد سنوات من سوء الإدارة. ودعا أوغلو أردوغان إلى “القيام بعكس ما قاله وفعله حتى يوم أمس” إذا كان يريد الشروع في تعبئة حقيقية للإصلاحات.

على الرغم من شكوك داود أوغلو وأولئك الذين يفكرون مثله، فإن لدى أردوغان خيارات قليلة سوى محاولة القيام بشيء ما، في ظل الازمة الاقتصادية الحالية. فعليه أن يحسن بشكل كبير صورة تركيا الدولية المشوهة بشدة من أجل جذب رأس المال الأجنبي الذي تشتد الحاجة إليه. وهو ما يتطلب منه إصلاحًا وتحولًا في سياسته الخارجية.

ويعرف أردوغان جيدًا أن الإصلاح القضائي وتحسين سجل أنقرة المروع في مجال حقوق الإنسان هي متطلبات أساسية إذا أراد صفحة جديدة في علاقات تركيا مع الغرب.

وبدأت أذرع أردوغان في الظهور وتأييد نفس تحركاته للحفاظ على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة وأوروبا من أجل تأمين مصالح تركيا على المدى الطويل، ومن الأمثلة الصارخة على ذلك جيم كوكوك ، كاتب العمود في صحيفة “تركيا” اليومية الموالية للحكومة والمعروف بهجماته اللاذعة على منتقدي أردوغان المحليين والأجانب.

والذي أشار بإيجاز بعد إعلان أردوغان الإصلاحي. إلى إنه على الرغم من أن تركيا دولة ذات أغلبية مسلمة، إلا أنها كانت تتطلع دائمًا إلى الغرب.

 فقال كوكوك في مقاله، المال موجود في الغرب، لا يوجد شيء في الشرق. مضيفًا “مثلما نحن على وشك فترة جديدة محليًا ، يمكننا أيضًا أن نرى فترة جديدة تنفتح مع أوروبا وأمريكا”.

فالتصريحات المفعمة بالأمل والدعم لإعلان أردوغان الإصلاحي من قبل وسائل الإعلام الموالية للحكومة تعمل على تغيير تدريجي في عقلية الأوساط التي كانت حتى وقت قريب ترى الغرب على أنه مصدر كل مشاكل تركيا.

وتساعد نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية أيضًا على المضي قدمًا في هذا الاتجاه، فالرئيس المنتخب جو بايدن قد أعلن صراحة عن نيته وضع الديمقراطية وحقوق الإنسان على رأس قائمة أولوياته في التعامل مع تركيا.

في حين، تُظهر التطورات الأخيرة أيضًا أن الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا، بدعم من دول غربية أخرى، خلصت إلى أن تركيا مشكلة يتعين عليهم العمل معًا لمعالجتها.

وهو ما بدى واضحًا من خلال تصريحات وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، في مقابلة مع صحيفة لو فيجارو الفرنسية بعد لقاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 16 نوفمبر. والتي قال فيها “نتفق أنا و [الرئيس] ماكرون على أن تصرفات تركيا الأخيرة كانت عدوانية للغاية”. في إشارة إلى العمليات العسكرية لأنقرة في نزاع ناغورنو كاراباخ في ليبيا وفي شرق البحر المتوسط.

وأضاف بومبيو: “يجب على أوروبا والولايات المتحدة العمل معًا لإقناع أردوغان بأن مثل هذه الأعمال ليست في مصلحة شعبه”. ووجه بومبيو أيضًا ازدراءً كبيرًا لأنقرة هذا الأسبوع بزيارة اسطنبول، حيث التقى فقط بطريرك الروم الأرثوذكس، ورفض الخروج عن طريقه للقاء أي مسؤول حكومي.

وقد بعثت فرنسا وألمانيا برسالة قاسية مماثلة إلى أنقرة في أكتوبر، محذرة إياها من عواقب وخيمة إذا لم توقف أعمالها الاستفزازية ضد أعضاء الاتحاد الأوروبي.

فقال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان خلال مؤتمر صحفي مشترك في باريس مع نظيره الألماني هيكو ماس “من الواضح لنا أن تركيا تقوم بشكل دائم بأعمال استفزازية غير مقبولة”.

وذلك في إشارة إلى المواجهة بين تركيا واليونان وقبرص بشأن حقوق التنقيب عن الطاقة في شرق البحر المتوسط حيث تعهدت أنقرة بعمل عسكري إذا رأت أن مصالحها مهددة. واتفق ماس مع زميله الفرنسي، قائلاً إن تصرفات تركيا “غير مقبولة”.

وأضاف لودريان بشكل مهدد أن الاتحاد الأوروبي مستعد لتغيير ميزان القوى إذا لم تغير أنقرة مسارها في غضون أسابيع.

في ظل الظروف العادية، سيرد أردوغان بالعدوانية التي تتماشى بشكل جيد مع قاعدة الدعم الإسلامية والقومية المناهضة للغرب. لكن الوضع مختلف هذه المرة. تركيا تسند ظهرها إلى الجدار، على حد تعبير الكاتب، مما لا يترك مجالاً لأردوغان للتصرف بشكل متسق مع شخصيته. فيبدو أنه يدرك أن الدائرة تقترب من نهايتها بعواقب وخيمة على اقتصاد تركيا المدمر بالفعل، وعلى إدارته.

كما أن اعتماد أردوغان على روسيا لموازنة علاقاته المتوترة مع الغرب يبدو محفوفًا بالمخاطر بشكل متزايد. فعادت الخلافات بين أنقرة وموسكو حول سوريا وليبيا والقوقاز مرة أخرى.

كما أدى انتصار بايدن في الولايات المتحدة إلى تحطيم أي أمل في إمكانية فتح صفحة جديدة مع واشنطن، دون أن تضطر تركيا إلى التنازل كثيرًا في المقابل.

من جانبه، قال محلل السياسة الخارجية والدفاع نعيم بابور أوغلو في مقابلة مع وكالة سبوتنيك الروسية: “على الرغم من وجود حديث عن دبلوماسية هاتفية دافئة بين ترامب وأردوغان، إلا أن هذه العلاقة لم تجد انعكاسًا لها على أرض الواقع”.

مضيفًا إنه لا يعتقد أن موقف بومبيو السلبي من تركيا مستقل عن موقف إدارة ترامب. قائلا: “هذا ليس سوى تنازل الإدارة الأمريكية عن تركيا”.

الآن، يتعين على أردوغان التعامل مع بايدن، سواء أحب ذلك أم لا، ويعرف الكثيرون في أنقرة أن هذه لن تكون مهمة سهلة ما لم يتم البدء في نهج جديد.

وفي هذا الصدد، قال المحلل السياسي، مراد يتكين، عبر مدونته يتكين ريبورت، إنه يعتقد أن انتخاب بايدن لعب أيضًا دورًا في دفع أردوغان للإعلان عن إصلاحاته الجديدة. مضيفًا: “رأى أردوغان أخيرًا أن السبيل إلى استعادة الاقتصاد هو إيجاد أساس جديد للعلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي”.

وعن المدى الزمني الذي يمكن أن تمضي فيه حزمة إصلاحات أردوغان في الوقت الذي يحاول فيه استرضاء الغرب، مع الاحتفاظ بمصداقيته السياسية في الداخل، فالأمر مجهول بالنسبة للعديد من المحللين.

وختم يتكين كلامه بأن هناك حاجة إلى برلمان قوي وسلطة قضائية مستقلة وصحافة مستقلة. مضيفا إن إصلاحات أردوغان مجرد كلمات معلقة في الهواء، فهو غير مخلص.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى