إسرائيل

إسرائيل توجه بوصلة “بايدن” باتجاه أهدافها في المنطقة

كان المرصد السوري لحقوق الإنسان قد أعلن في 17 نوفمبر 2020، عن مقتل 10 عسكريين “سوريين وإيرانيين” جراء غارات جوية شنتها إسرائيل على أهداف داخل سوريا. وقال الجيش الإسرائيلي إن مقاتلاته قصفت “أهدافا عسكرية تابعة لفيلق القدس الإيراني والجيش السوري”، وذلك بعد الكشف عن عبوات ناسفة زرعت بالقرب من الحدود الإسرائيلية.

وحسب ما جاء في صحيفة نيويورك تايمز (في نوفمبر 2020): تم اغتيال أبو محمد المصري، الرجل الثاني في تنظيم القاعدة في أغسطس 2020؛ على إثر مهمة سرية دبرتها واشنطن، وقام بتنفيذها عملاء إسرائيليون على الأراضي الإيرانية. تلا ذلك أن قام وزير الخارجية الأمريكي “مايك بومبيو” بزيارة مستوطنة “بيسجوت” في الضفة الغربية، وهضبة الجولان، في 18 نوفمبر 2020. وفي الأخير، تصادق الحكومة الإسرائيلية بوتيرة سريعة عملية بناء المستوطنات في الضفة الغربية، وخاصة في القدس الشرقية.  

لم تكن الضربات الإسرائيلية الأخيرة هي الأولى أو الفريدة من نوعها، ولن تكون الأخيرة في السماء السورية. كما أن السياسات الاستيطانية الإسرائيلية ليست بجديدة على إسرائيل، ولكن جميع ما سبق يُمكن فهمه في إطار واحد (ضمن مجموعة أطر أخرى) وهو “اقتراب جو بايدن من تقلد السلطة في يناير 2020“.

أولا: تغيير ملامح الوضع في سوريا

تشعر إسرائيل بقلق بالغ من أن إدارة بايدن سوف تكرر سياسات باراك أوباما وتتفاوض على صفقة جديدة مع إيران بشأن برنامجها النووي، وربما تغض الطرف عن وكلاء إيران الإقليميين في لبنان وسوريا والعراق، أو التهديدات غير التقليدية التي توجهها إيران ضد إسرائيل في المجال السيبراني على سبيل المثال، أو قدرة طهران على تطوير تقنيات تمكنها من نشر نفوذ ما.  لذلك ستحاول إسرائيل التأثير على أي مناقشات سياسية أمريكية فيما يتعلق بالسرعة والنطاق والسرعة التي يمكن بها إعادة الدخول في مفاوضات مع طهران.

في مقال رأي نُشر في 13 سبتمبر، انتقد بايدن سياسة إدارة ترامب المتشددة تجاه إيران في ظل حملة الضغط الأقصى، وكذلك انسحاب البيت الأبيض عام 2018 من الاتفاق النووي الإيراني. كما أشارت أجندة الحزب الديموقراطي 2020 إلى أن الآليات والتكتيكات الصلبة التي اعتمد عليها ترامب في سياساته تجاه الشرق الأوسط غير مرغوبة، بل يرمي التفضيل إلى استخدام الأدوات الدبلوماسية وإنشاء قنوات الحوار.

لذا ستدفع إسرائيل إيران للتصرف كعدو، وتحفز لدى طهران التخلي عن صبرها وانضباطها الاستراتيجي عبر استخدام نهج افتعال أزمات “جس النبض”، ظهر ذلك في حدثين مهمين، هما:

(الأول) استفادت إسرائيل من التنسيق الاستخباري والعمل السري مع واشنطن. في محاولة لربط إيران بالقاعدة، من المرجح أن تكون إسرائيل هي المسؤولة عن تسريب الأخبار الأخيرة بأن الرجل الثاني في قيادة تنظيم القاعدة، أبو محمد المصري، قد اغتيل في عملية أمريكية إسرائيلية مشتركة في أغسطس الماضي، 2020. وقد يكون للجهاز السري الإسرائيلي المزيد من المعلومات الاستخبارية السرية التي يقرر تسريبها لتقويض سمعة إيران الدولية والتأثير على عملية التفاوض. 

(الثاني) المحاولات المتكررة لإسرائيل بتغيير ملامح الوضع الراهن في سوريا، عبر استهداف ضربات جوية لقواعد عسكرية إيرانية، وسورية. وعبر السعي لكشف مزيد من المعلومات الاستخبارية حول خريطة التموضع الإيراني في سوريا، وخاصة بالقرب من الجولان، وربط هذا التموضع بانتشار عناصر لتنظيم حزب الله اللبناني. وربط ذلك كله بأمن إسرائيل في الجولان (وذلك حسب الرواية الإسرائيلية: على لسان وزير الدفاع الإسرائيلي)؛ في رسالة إلى طهران والمجتمع الدولي أن أيا كانت طبيعة الإدارة الأمريكية فلن تقف عائقا أمام تحرك إسرائيل في الدفاع عن نفسه.

ستستمر إسرائيل في استفزاز إيران سياسيًا وحتى عسكريًا أيضًا في محاولة للتسبب في دفعها للانتقام (أي إيران) وبالتالي تقوض سمعة طهران الدبلوماسية. ولكن يبدو أن سوريا ستبقى هي الساحة الأمثل بالنسبة لإسرائيل لتحفيز هذا النوع من السياسيات ضد إيران. 

ثانيا: تغيير ملامح الأرض في الضفة الغربية

يعد ملف المستوطنات في الضفة الملف الذي يلحق ملف إيران ووكلائها في المنطقة مباشرة، والذي يرسم ملامح القلق الإسرائيلي من الإدارة الأمريكية الجديدة.

لذا تصادق إسرائيل بوتيرة سريعة على إنشاء مستوطنات جديدة في القدس الشرقية وتُضفي الطابع الرسمي على الأبنية غير القانونية في الضفة الغربية؛ للحفاظ على المكاسب الاستراتيجية التي حققتها خلال السنوات الأربع الماضية مع إدارة دونالد ترامب. ففي 15 نوفمبر، أعلنت سلطة الأراضي الإسرائيلية أنها تمضي قدمًا في خطة لبناء 1257 منزلًا في منطقة جفعات هاماتوس بالقرب من القدس الشرقية. 

بينما ذكر بايدن إنه لن يدعم عمليات الضم خلال الحملة الانتخابية، إلا أنه لم يوضح التغييرات السياسية التي قد تتخذها إدارته القادمة لتثبيط المزيد من بناء المستوطنات. في حين إن الإدارة الأمريكية الحالية ممثلة في وزير خارجيتها (في زيارته الأخيرة)، اعترفت بشرعية المنتجات الإسرائيلية الصادرة من مستوطنات الضفة، كما كررت اعترافها بسيادة إسرائيل على الجولان. 

تكرار الاعتراف الأمريكي بشرعية السيادة الإسرائيلية على المستوطنات والجولان يمكن عدّه مستجدًا إذا فُهم في إطار مستجدات المشهد السياسي الداخلي في إسرائيل. 

يبدو أن رئيس الحكومة الإسرائيلية “بنيامين نتانياهو” يشعر بالقلق حيال هشاشة الحكومة الحالية؛ فسيؤدي عدم الاستقرار السياسي داخل إسرائيل إلى زيادة خطر حدوث عمليات ضم إضافية في الأشهر المقبلة، حيث تواجه الحكومة الإسرائيلية ضغوطًا متزايدة من المستوطنين اليمينيين الغاضبين من فشلها في ضم الأراضي في الضفة الغربية كما وعدت في يوليو 2020. انعكس هذا الغضب إلى مكاسب سياسية لليمينا، وهو حزب ديني متشدد مؤيد للاستيطان، زعيمه نفتالي بينيت، منافس لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. إن إضعاف أو حتى انهيار حكومة الوحدة الهشة لنتنياهو من شأنه أن يزيد من تعزيز القوى المؤيدة للضم في إسرائيل.

وفي حال تعثر حكومة الوحدة الحالية، فإن المنافسين اليمينيين سيدفعون إسرائيل إلى التفكير في استراتيجيات أكثر تشددًا، بما في ذلك الضم المحتمل لأراضي غور الأردن، بالإضافة إلى التحضير لمزيد من التحركات العسكرية أحادية الجانب ضد برنامج إيران النووي ووكلائها الإقليميين. وهو الأمر الذي قد يتسبب في انتكاس التقارب الإسرائيلي مع دول المنطقة، ويدفع باهتزازات إقليمية حادة.

بيد أن حكومة الوحدة الإسرائيلية (الحالية) مليئة بالانقسامات السياسية بين فاعليها الأساسيين، نتنياهو ووزير الدفاع بيني غانتس، قد يؤدي استمرار الضربات الشديدة ضد بعضهما البعض في النهاية إلى تآكل الثقة بما يكفي لانهيار الحكومة. ولكن يبقى مسارا غير مرغوبا لدى نتانياهو الذي يحرص على الحفاظ على صورة ديموقراطية، وطنية لحكومته الحالية من أجل اتصال سلس وهادئ مع الإدارة الديموقراطية الجديدة في البيت الأبيض.

ختاما، يمكن القول إنه قبل أن يتولى الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن السلطة في يناير، ستحاول إسرائيل ترسيخ سياسات سلفه المؤيدة لإسرائيل في الضفة الغربية وضد إيران. من المرجح أن تتبع إسرائيل المسار الأقل خطورة لتحقيق هذين الهدفين من خلال التركيز على توسيع المستوطنات في الضفة الغربية، مع استخدام أدوات سياسية واستخباراتية لتقليل فرص إحياء المفاوضات الأمريكية مع طهران.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى