مقالات رأي

مصر.. حضارة الــ 12 ألف سنة

يمكن القول إن الحضارة المصرية القديمة وتاريخ مصر عمومًا نالته حملات تشويه لم تحدث لتاريخ أو حضارة دولة أخرى، هنالك ميزانيات تصرف في دول بعينها سنويًا من أجل إثبات أن حضارتهم وتاريخهم أقدم من مصر، وهنالك مؤسسات على مستوى العالم متخصصة في هذا المضمار.  بالإضافة إلى طابور طويل من المؤرخين تحت الطلب، وانتهاءً بخبراء آثار لديهم هوس الإعجاز العلمي للكتب السماوية، ما جعل كلًا يحبذ تفسير جزء من تاريخ الحضارة المصرية القديمة بما يجعل دينه هو ما سبق الجميع.

خبراء العرب قبل الغرب، ومؤسسات إسلامية قبل المؤسسات الصهيونية، تلعب في هذا المضمار، وخبراء آثار حتى لو كانوا علمانيين فإن لديهم تفضيلًا لتفسير تاريخ مصر وفقًا لرؤى العهد القديم أو الجديد، وقاموا بترجمة البرديات وكتابات القدماء المصريين وفقًا لتفسيرهم، ثم اختتم هذا المشهد بما نراه من المصريين حكومة وشعبًا.

اليوم أصبح لدينا ما يمكن تسميته تاريخ موازٍ للتاريخ الحقيقي، ومعلومات مشوهة ومبتورة أصبحت حقيقة لا تقبل الجدل، يكتبه أنصاف مثقفين في مقالات تنشر في صحف مهمة قبل أن تجد طريقها في الكتاب السنوي المجمع في سوق معرض الكتاب، ولتصبح هذه القصاصات المبتورة مرجعًا بينما يتوارى التاريخ الحقيقي في المجلدات التاريخية الضخمة التي لا يقرأها أحد.

وأصبح كل من يقترب من تصحيح هذه المعلومات يواجه أسطولًا وجيشًا من المؤرخين تحت الطلب، أقلام مأجورة من دول الجوار قبل أن تكون مأجورة من الدول البعيدة، والغرض هو طمس هوية وحضارات هذا الشعب وجعل تاريخه مجرد نسخة مسخ تفيد في مسخها أساطير عربية وعبرية وحتى أوروبية عن تفوقهم الحضاري على الحضارة المصرية القديمة.

أول الأخطاء التاريخية اعتبار ان تاريخ توحيد القطرين عام 3200 ق.م هو تاريخ بداية الحضارة المصرية القديمة، بينما توجد حقبة تاريخية كبرى يطلق عليها عصر ما قبل الأسرات، تبدأ منذ عام 10 آلاف قبل الميلاد وهو التاريخ الحقيقي لبدء الحضارات المصرية القديمة. وكانت مصر في كثير من عصوره موحدة أيضًا، وهنالك اكتشافات أثرية تعود إلى عام 5000 ق.م تشير إلى تبادل تجارى مع شعوب فلسطين، ما يعني أننا نتحدث عن حكومات وشعب منظم لديه القدرة على التواصل السياسي والتجاري مع دول الجوار.

تعرف هذه الحقبة باسم حضارة بداري Badari culture، وكعادة المصريين منذ فجر التاريخ المعروف كانوا يؤمنون بالبعث والحياة الأخرى والخلود والثواب والعقاب، وكانوا يصدرون الفاكهة لشعوب ما يعرف اليوم بشبه الجزيرة العربية، كما عُرفت عنهم عادة الآخذ بالثأر، وكانت عاصمة هذه الحضارة في محافظة أسيوط اليوم، وكان لهم لغة وأبجدية كتابة ولوائح قوانين تسري على الجميع.

تاريخ هذه الحقبة لا تجده بشكل كامل إلا في كتاب صدر عام 1928 بعنوان:

 The Badarin Civilization and Predynastic Remains near Badari وذلك في بريطانيا، وهو بحث مشترك بين اثنين من أهم خبراء الآثار في عصرهما هما:

Guy Brunton & Gertrude Caton-Thompso.

أسماء بعض حكام مرحلة مصر ما قبل الأسرات معروفة، وهناك اكتشافات وآثار عديدة لهذه المرحلة ما بين عامي 10آلاف ق.م و3200 ق.م، ومن أجل حماية مصر في هذا الزمن السحيق جرى تنظيم أول جيش مصري في التاريخ لحماية البلاد وحفظ الأمن الداخلي، ما يعني أن معلومة تأسيس الجيش المصري في زمن توحيد القطرين هي معلومة خاطئة؛ فالجيش تأسس أولًا قبل هذا التاريخ بأزمنة سحيقة قبل أن تقوم الحرب بين مملكتي الشمال والجنوب، وكان لكل منهما جيش مستقل قبل أن يظفر الملك مينا بقيادة جيشه لتوحيد القطرين.

وبالتالي نحن لسنا حضارة 7 آلاف سنة، فهذه أكذوبة صنعها الجاهلون بالتاريخ، بحسب علم المصريات الذي يشير إلى بداية حضارة مصر الأولى عام 10 آلاف قبل الميلاد نحن حضارة 12 ألف سنة.

ولكن ماذا عن اسم هذا البلد؟ هل هو فراعنة أم مصر ام كيمت كما خرج علينا بعض المثقفين هذه الأيام؟

في البداية مصطلح كيمت ليس له وجود في تاريخ الحضارة المصرية القديمة، بل هو “رت ن كمت”، ولاحقًا “كيمتو”، وكلاهما مصطلحات أطلقها المصريون على أنفسهم لفترة بمعني “أهل مصر”، وحتى اليوم غير معروف الوقت الذي ظهر ثم اختفت فيه هذه المسميات، والأكثر ترجيحًا أنها كانت مسميات فرعية مثلما سميت مصر بلقب المحروسة في بعض العصور، وكان هناك بعض المراسلات الرسمية تسمي مصر بالمحروسة في عصور ما بعد انهيار الخلافة العباسية.

ولكن عكس المحاولات المشبوهة لتدشين قومية كيمت على حساب القومية المصرية فإن هذه البلاد في الفترة ما بين 10 آلاف ق.م إلى سنوات طويلة بعد توحيد القطرين كانت تعرف باسم مصر وفقًا لعالم اللغويات وصاحب المعاجم اللغوية البريطاني إدوارد ويليام لين (1801 – 1876) والذي قضى سنوات طويلة في مصر لفهم لسان المصريين وأصل كلامهم.

ولقد أثار المسمى اليوناني القديم لمصر “اجيبتوس” خيال البعض، باعتباره مصدره قبط ومن قبله كيمت، ولكن من درس اللغة اليونانية يدرك ان Αίγυπτος ليست كلمة مصرية قديمة دخلت اليونانية أصلها كبت او كمت أو قبط، ولكن هو مصطلح مدمج لثلاثة كلمات يونانية هي “بلد أسفل بحر إيجة”، حيث أطلق اليونانيون على مصر مصطلح البلاد الموجودة أسفل بحر إيجة ولم يكن المسمى اليوناني وتاليًا اللاتيني أو الغربي بكل لغاته يشير الى كيميت او قبط بأي حال من الأحوال.

وهنالك مراجع ضعيفة تشير إلى أن المصطلح أصله كلمة مصرية قديمة هي “هيكوبتاح” ولم تكن اسمًا لمصر ولكن كانت من الكلمات المصرية القديمة الأولى التي وصلت إلى مسامع قدماء اليونان. وإن كان مسمى بلاد ما تحت بحر إيجة هو الأقرب نظرًا لأن هذا هو أسلوب قدماء اليونان في تسمية البلاد، فقد أطلقوا على العراق “بلاد ما بين النهرين” وأطلق قدماء اليونان على أجزاء من آسيا الوسطي مصطلح “ما وراء نهر الأوكسوس”.

وبالتالي يتفق مصطلح “بلاد ما تحت بحر إيجة” مع أسلوب الجغرافيين والملاحين والقواعد اللغوية اليونانية القديمة بعيدًا عن محاولات بعض المثقفين المسيحيين ربط اسم مصر القديمة بمصطلح قبط او قبطي أو من يحاول إلغاء اسم مصر التاريخي وربطه بمصطلح كيميت.

أما مصطلح فرعون فلم يتلقب به أحد من حكام مصر وكان لقبهم منذ عصر ما قبل الأسرات وحتى فناء الاسرة الثلاثين هو “الملك” فحسب، وحاول البعض نسب بعض المصطلحات المصرية القديمة التي لم تظهر إلا في سجلات الدولة المصرية الحديثة إلى لقب فرعون مدعين انها كلمات تنطق برعا أو برعون!

هذا النسب نفاه خبراء آثار ذوو مصدقيه معترف بها في المحافل الدولية عن المجموعة الأولى ذات السمعة الضعيفة في المحافل العلمية، وبالتالي أن نسمي حضارة على مسمي مصطلح مشكوك في أمره ولم يظهر أي مصطلح قريب منه إلا في الدولة الحديثة بعيدًا عن مرحلة ما قبل الأسرات ومرحلة الدولة القديمة ومرحلة الدولة الوسطى هو أمر منافٍ لأبسط قواعد مناهج البحث العلمي.

ولا يخفى على أحد النوايا اليهودية لإطلاق مصطلح فرعون على حكام مصر القديمة في بعض المراجع غير الموثقة أو حتى قيام بعض خبراء الآثار بترجمة كلمة ملك في اللغات المصرية القديمة إلى مصطلح فرعون.

لو كانت هذه الحضارة اسمها حضارة فرعونية أو حضارة كيمتية لتم إطلاق اسمها على العلم الذي يدرسها، بينما علم الحضارة التي قامت في بلادنا اسمه علم المصريات Egyptology وليس علم الفراعنة أو علم كيمت، ذلك لأن مؤرخي وعلماء الآثار حول العالم يعرفون أن مصطلح مصر هو الأصح عن مصطلح “فراعنة” الذي لم يطلق يومًا على شعب أو حكام مصر، أو مشتقات مصطلح “كيمت” الذي أطلقه المصريون على أنفسهم في بعض فترات التاريخ.

إيهاب عمر

باحث سياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى