أسواق وقضايا الطاقة

المشهد العالمي لتمويل الطاقة المتجددة

يسعى العالم لمواجهة التغيرات المناخية المتسارعة والمضي قدمًا في تحقيق أهداف التنمية المستدامة والوصول للاقتصاد منخفض الكربون، مما يتطلب تخصيص حصة ضخمة من رأس المال نحو الممارسات والأنشطة التي تدعم التحول على سبيل المثال نحو الطاقات المتجددة.

أطلقت الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (أيرينا) تقريرًا يصف المشهد العالمي لأسواق الطاقة المتجددة وما شهدته من نمو خلال الفترة 2013-2019، وما مدي تأثير جائحة كوفيد-19 على أسواق الطاقة المتجددة، وخطط التعافي المقترحة لتحقيق أهداف المناخ وتدبير التمويل تلك المشروعات.

أسواق الطاقة المتجددة في الفترة 2013-2018

حسب إحصائيات الوكالة الدولية للطاقة للمتجددة (أيرينا) شهدة فترة الخمس سنوات من 2013 حتى 2018 نموًا متزايدًا في استثمارات الطاقة المتجددة وخاصة طاقتي الشمس والرياح، فقدت استحوذت مشروعات الطاقة الشمسية الكهروضوئية على نسبة 46% من إجمالي الاستثمارات الطاقة المتجددة في العالم، بينما كان نصيب طاقة الرياح البحرية 29%، وأنظمة التدفئة 7%، والطاقة الشمسية الحرارية 6% والطاقة المائية 4% خلال نفس الفترة، حيث بلغت أجمالي الاستثمارات التراكمية 1.8 تريليون دولار أمريكي.

ويرجع ذلك بشكل رئيسي للتطور السريع في التكنولوجيا وخفض التكاليف، وعلى الرغم من ذلك شهد عام 2018 نموًا طفيفًا في الاستثمارات على غير المتوقع ينظر له على أنه يستمر لعام 2019، فقد بلغت إجمالي الاستثمارات في الطاقة المتجددة عام 2018 ما يقرب من 322 مليار دولار أمريكي، الأمر الذي وجه الأنظار إلى ضرورة زيادة الاستثمارات وتسارع وتيرة كل أنواع مشروعات الطاقات المتجددة إلى ثلاثة إضعاف على الأقل بحلول عام 2050 لتصل إلى 800 مليار دولار أمريكي تقريبا. 

يبقى القطاع الخاص هو الممول الرئيسي لمشروعات الطاقة المتجددة بنسبة تجاوزت 86% من إجمالي الاستثمارات، يقدم مطورو المشروعات حوالي 46% من التمويل الخاص بالمشروعات، تليه مؤسسات التمويل التجارية بنسبة 22%، وبلغت نسبة التمويل الحكومي 14% تعتمد بشكل مباشر على مؤسسات التنمية، ولكن يمكنه احداث فارق في جذب مزيد من استثمارات القطاع الخاص وتطوير السوق 

والجدير بالذكر أنه حتى الآن، لا تزال مصادر الطاقة المتجددة غير المرتبطة بالشبكة تمثل فقط 1٪ من إجمالي التمويل للمشروعات، بدأت عام 2007 بنحو 250 ألف دولار، ثم حدث نمو ملحوظ لتبلغ 21 مليون دولار عام 2013، ليتزايد النمو خلال الفترة 2013-2018 لتصبح 460 مليون دولار عام 2019. وجذبت بلدان أفريقيا 65٪ من استثمارات العالمية للطاقة المتجددة غير المرتبطة بالشبكة خلال الفترة 2007-2019، ذهبت معظمها للاستخدام السكني، مع تركيز الاستثمارات خاصة في شرق أفريقيا. ويوضح الشكل التالي القدرات المضافة سنويا من مشروعات الطاقة المتجددة المختلفة خلال الفترة من 2013 حتى 2019

شكل (1): القدرات المضافة سنويا من تقنيات الطاقة المتجددة خلال الفترة 2013 -2019

أسواق رائدة لاستثمارات الطاقة المتجددة

استقطبت منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ الحصة الأكبر من استثمارات الطاقة المتجددة، بنسبة 32٪ خلال 2013-2018، مدفوعة بشكل رئيس من قبل الصين. تليها بنسبة 19٪ و18٪ من أجمالي الاستثمارات العالمية أوروبا الغربية ودول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في الأمريكتين – بما في ذلك كندا وتشيلي والمكسيك والولايات المتحدة على التوالي. بينما جذبت الاقتصادات الناشئة والدول النامية نسبة ضئيلة تتركز في الغالب في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي 5٪، جنوب آسيا4٪، والشرق الأوسط وشمال إفريقيا (2٪).

ويوضح الشكل رقم (2) استثمارات مشروعات الطاقة المتجددة خلال الفترة 2013-2018 موزعة على التقنيات، وفقا لتقرير الوكالة الدولية للطاقة المتجددة   ” ايرينا”

شكل (2): استثمارات مشروعات الطاقة المتجددة خلال الفترة 2013-2018 موزعة على التقنيات

كوفيد-19 وأسواق الطاقة المتجددة

مع بداية ظهور فيروس كوفيد -19 وإعلانه من قبل منظمة الصحة العالمية وباءً عالميًا، ظهرت تداعياته السلبية على قطاع الطاقة بشكل عام، فقد انخفضت استثمارات الطاقة المتجددة في الربع الاول من عام 2020 بنسبة 34% مقارنة بنفس الفترة من عام 2019، مما أدى لاضطرابات في سلاسل التوريد وإغلاق أو تقليل إنتاج مصانع معدات الطاقة المتجددة في الصين وأوروبا. وتوقفت المشروعات تلك الفترة أو تم تأجيلها ربما إلى أجل غير معلوم.

ولكن الأخطر أن الحماس للتحول للطاقات النظيفة وزيادة استثماراتها أصابته التداعيات السلبية هو الآخر، إذ نادي البعض أن تكون الأولوية الأولي بعد الجائحة هو خطط التعافي الاقتصادي وليست مشروعات تخدم البيئة، مازال يعتبرها البعض دربًا من الرفاهية غير مكترثين بالمخاطر البيئية الضخمة لغازات الاحتباس الحراري الناتجة عن استخدام الوقود الاحفوري، ولعل ما أظهرته إجراءات الإغلاق أثناء جائحة كوفيد -19 أكبر دليل على هول ما تعانيه البيئة من تلوث وما سيشهده العالم أجمع من تغيرات مناخية متطرفة.

ولكن رغما عن ذلك هناك اتجاه قوي للمضي قدما في مشروعات التحول الطاقوي، ويبدو أن الوباء قد زاد الاهتمام باستثمارات أكثر استدامة مثل الطاقة المتجددة، حيث أثبتت أنها أكثر مرونة من المشروعات التقليدية، وشجع وضع مصادر الطاقة المتجددة في جوهر حزم التحفيز الأخضر الحكومات على عمل عقود والتزامات طويلة الأجل في قطاع الصناعة، وتعزيز ثقة المستثمرين وجذب رأس مال خاص إضافي إلى القطاع.

انخفاض تكلفة إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة

هناك انخفاض واضح في تكلفة مشروعات الطاقة المتجددة وكلما تطورت التقنيات واستقر السوق كلما انخفضت التكلفة، انخفاض التكاليف يعني أن كل دولار استثمرت في سنة معينة، زادت من القدرات المركبة في السنوات السابقة، بسبب مزيج من المنافسة والابتكار ورفع مستوى الإنتاج، فقد شهدت الطاقة الشمسية انخفاض بنسبة 77%، وطاقة الرياح البرية بنسبة 35%، والرياح البحرية بنسبة 21% خلال الفترة من 2010-2018، كما ظهر في الشكل رقم (3).

شكل رقم (3) انخفاض تكلفة مشروعات الطاقة المتجددة خلال 2010-2018

التحول لنظام طاقة عالمي أكثر استدامة

لتلبية الأهداف المناخية المتفق عليها عالميًا في اتفاقية باريس للمناخ يتطلب تضافر جهود أصحاب المصلحة لتسريع وتيرة التحول الطاقة، ليس لمشروعات الطاقة المتجددة فحسب وإنما يشمل بناء نظام طاقة متكامل وأكثر مرونة واستدامة يتضمن ممارسات كفاءة الطاقة في النقل والمباني، تقليل الاستثمارات في مشروعات الوقود الاحفوري، ايجاد السياسات والتدابير المحفزة لاستثمارات الطاقة المتجددة ومن بينها:

  • استخدام التمويل الحكومي لجذب التمويل الخاص: ويعني هذا أنه نظرًا لسيطرة القطاع الخاص على استثمارات الطاقة المتجددة في الفترة الأخيرة، لذا على القطاع الحكومي جذب مزيد من الاستثمارات خاصة في القطاعات التي تحتاج لذلك مثل بناء القدرات، ودعم المشروعات الصغيرة والرائدة، والابتكارات، والمساعدة في تأمين أدوات تمويل ومبادرات تقلل من المخاطر
  • حشد الاستثمار المؤسسي في الطاقة المتجددة: وهنا يتطلب الكثير من الجهود في تطوير السياسات والقوانين الفعالة في تطوير السوق وبناء القدرات حتى يتم الاستفادة من التعاون مع المؤسسات الدولية التي تمتلك أصولًا تعادل 87 تريليون دولار لاستثمارها وخاصة في زيادة الاتجاه نحو التحول الطاقوي أو بشروط مثل السندات الخضراء والتي من شأنها تحفيز الاستثمارات في الطاقة المتجددة بشكل كبير وتحقيقا لأهداف المناخ، وكذلك دفع المؤسسات الدولية للتمويل وتقديم الدعم الفني والمالي.
  • تعزيز مشاركة جميع الجهات الفاعلة: والتي من بينها الشركات الغير منتجة للطاقة والتي يمكنها تعزيز السياسات وأطر العمل المنظمة لزيادة الطلب على الطاقة المتجددة، ومن هنا يمكن دعمها ماليًا أو تقديم حوافز لمنتجي الطاقة المستقلين أو زيادة اعتمادها على السندات الخضراء 
  • زيادة تمويل مشروعات الطاقة المتجددة غير المرتبطة بالشبكة: والذي يعتبر التمويل أحد أهم التحديات التي تواجهها، سواء من المطورين أو المستهلكين، لذا لابد من معايير جديدة موحدة للمشروعات، وتطوير أدوات تمويل جديدة وتجميع المشروعات لزيادة قدرتها وبالتالي زيادة استثماراتها هو ما يجب اتباعه لتحقيق أمن الطاقة للجميع بحلول 2030 والذي يحتاج 45 مليار دولار حسب الوكالة الدولية للطاقة IEA” “.

وأخيرًا، لوضع العالم في المسار الصحيح نحو الاقتصاد منخفض الكربون وتحقيقًا لأهداف المناخ، يجب ضخ المزيد من الاستثمارات ليس فقط في مشروعات الطاقة المتجددة وإنما في كافة ممارسات كفاءة الطاقة والحفاظ على البيئة، فإذا بلغ إجمالي الاستثمارات خلال الفترة 2013-2018 حوالي 300 مليار دولار، فإن العالم سيحتاج إلى ثلاثة أضعاف هذا الرقم حتى 2050، مع إعطاء الأولوية للاقتصادات النامية.

المصادر: 

  1. www.bnef.com/fundscommitted/search
  2. www.bnef.com/core/insights/22191/view
  3. تقارير الوكالة الدولية للطاقة المتجددة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى