آسيا

كيف يمكن قراءة خطة الصين الخمسية؟

عُقد اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني الحاكم بين يومي 26 و29 أكتوبر الماضي لمناقشة الخطة الخمسية الرابعة عشر للبلاد، وتم إعلان أن الرئيس شي جين بينج سيقود “سفينة الاشتراكية التي تبحر في مهب الريح” على اعتبار أن الصين قد وعدت بإحياء اقتصادي في ظل انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) حول العالم، ذلك بجانب زيادة الاعتماد على الذات في التكنولوجيا، والحفاظ على جيش أقوى يحمي مصالح البلاد اقتصاديًا وسياسيًا.

بدأت الخطة الخمسية منذ 1953 في عهد الرئيس ماو تسي تونغ واستهدفت الانتقال من الاقتصاد الزراعي إلى الاقتصاد الصناعي. واستمرت فيما بعد كوسيلة لتحديد القيادات تطلعاتهم على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية وتحديد الأولويات الخاصة بسياسات الطاقة ومشاريع البنية التحتية، ومحاولة تقليل النتائج السلبية التي عانت منها البلاد بسبب الاندفاع نحو التصنيع مما أدى لمجاعات أثرت على الملايين.

ويمكن قراءة أهمية الخطة الأخيرة في عهد شي بأنه يتولى عملية صياغتها بنفسه رغم أنها مسألة كانت من مهام رئيس الوزراء، ذلك بعد أن أصدر الحزب قواعد تستهدف قيام شي جين بينج بوضع الأجندة السياسية، وتذهب التحليلات إلى أن هذه القواعد قد تمنع أي خلافات مستقبلية. تطرق نقاش اللجنة المركزية خلال اجتماعها لبعض أهداف البلاد طويلة الأمد بحلول 2035 وعلى رأسها “تحقيق التحديث الاشتراكي”. لم تكن هذه هي الخطة طويلة الأجل الوحيدة، فقد سبق أن تم وضع خطة طويلة الأمد في 1995 حتى 2010. يفتح هذا الأمر المجال لمحاولة معرفة ما تحتويه الخطة، وقراءة ما جاءت به.

توسيع الاقتصاد

شهد الاقتصاد الصيني نموًا قدره 4.9% في الربع الثالث من العام الجاري، وهو ما يدفع بأن تستهدف الخطة الخمسية الجديدة الحصول على ناتج محلي إجمالي قدره 100 تريليون يوان (حوالي 14.89 تريليون دولار) هذا العام، وتوسيع الأسواق الداخلية عبر تعزيز الإنتاجية الإجمالية للعوامل وإعادة التوازن للتنمية الاقتصادية عبر القطاعات. وترى اللجنة المركزية أن “الاقتصاد يتحسن على المدى الطويل، هناك استقرار اجتماعي واسع، وهناك ظروف مواتية على العديد من الجبهات لمواصلة التنمية” وأن “الأمة ستشكل أساس نظام جديد للاقتصاد المفتوح على أعلى مستوى”. وتذهب التوقعات إلى أن الاقتصاد الصيني سيشكل 72% من حجم الاقتصاد الأمريكي بحلول نهاية العام، حيث استطاعت بكين كسب الخبرة من إعادة فتح الاقتصاد والسيطرة على انتشار كوفيد-19. 

بالنسبة لمعدلات النمو، لم يتضمن البيان الخاص بالخطة تحديد كيفية تحقيق نمو الناتج المحلي الإجمالي، لكن تتجه التوقعات بأن نصيب الفرد منه سيكون مطابقًا للدول المتقدمة مثل كوريا الجنوبية بحلول 2035، هذا يعني أنه سيتراوح بين 35 ألف إلى 40 ألف دولار، مقارنة بحوالي 10 آلاف عام 2019. تستهدف الخطة الرابعة عشر تقليص الفجوة المتسعة بين مستويات المعيشة في المناطق الحضرية والريفية، وتنبع خطورة هذا الأمر في أنه يمكن أن يهدد الحزب الشيوعي في حالة عدم الاستقرار الاجتماعي.

أما على مستوى العلاقات الاقتصادية بالخارج، فقد أكدت الخطة الجديدة التعاون الدولي لتعزيز التجارة والاستثمار، ودفع مبادرة الحزام والطريق، من أجل “المشاركة بنشاط في إصلاح نظام الحوكمة الاقتصادية العالمية”، فقد أكدت اللجنة المركزية في بيانها على استراتيجية “التداول المزدوج”، التي تجمع بين تسهيل التداول المحلي مع التداول الخارجي، وتعزيز الاستهلاك وتوسيع مجال الاستثمار.

محورية الابتكار

فيما يخص الابتكار، ركز البيان الذي تم فيه إعلان الخطة على مسألة الابتكار في مواضع عديدة (حوالي 15 مرة) من أجل الاعتماد على الذات تكنولوجيًا كأحد ركائز الاستراتيجية الوطنية للتنمية خاصة مع التقييد الذي فرضته إدارة ترامب عليها. يرى باحثون أن قطاع البحث والتطوير يشكل حوالي 3% من الناتج المحلي الإجمالي في الخطة الجديدة، وذلك من أجل تسريع عملية التحديث الصناعي، ومواجهة القيود التقنية المفروضة على البلاد. قد يتركز الأمر على تطوير شبكات الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات. 

بدأت اللجنة المركزية بالتركيز على مسألة الابتكار في خطتها الخمسية لعام 2015، وكان ذلك من خلال وضع هدف زيادة الإنفاق على البحث والتطوير من 2.1٪ من الناتج المحلي الإجمالي إلى 2.5٪ بحلول عام 2020، بجانب زيادة الإيرادات السنوية لشركات التكنولوجيا الفائقة من 22 تريليون يوان صيني إلى 34 تريليون يوان صيني. ودفعت الدولة بمبادرة “صنع في الصين” في الخطة الخمسية السابقة، وتم فيها تحديد عشرة قطاعات ذات أولوية لتعزيز الشركات الوطنية، ونقل التكنولوجيا من الشركات الأجنبية إلى الشركات الصينية.

تقليل الانبعاثات الدفيئة

تأتي الخطة الخمسية في ظل مواجهة بكين ضغوطًا دولية للحد من انبعاثاتها للغازات المسببة للاحتباس الحراري، لكن أعلن الرئيس الصيني شي جين بينج في سبتمبر 2020 أن البلاد تهدف للوصول إلى ذروة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون قبل عام 2030 وستحقق “حيادية الكربون” بحلول عام 2060، مما يعني أنها لن تكون مصدرًا صافيًا لانبعاثات غازات الدفيئة. وقد أشارت اللجنة المركزية للحزب الحاكم إلى أن الخمس سنوات المقبلة ستشهد تحسين كفاءة الطاقة والموارد، وسيتم تخفيض الحجم الإجمالي للملوثات الرئيسية. 

تبلغ نسبة الوقود الأحفوري في استخدامات الطاقة الصينية حوالي 80%، وسيأخذ إجراء تحويلات نظام الطاقة حوالي 40 عامًا وفقًا لآراء الخبراء، وذلك لأن كمية الطاقة التي يوفرها الوقود غير الأحفوري تحتاج إلى زيادة نسبة النمو إلى حوالي 20% بحلول 2025 و62% عام 2050 لتحقيق “حيادية الكربون”. 

غموض عسكري

لم تتم الإشارة إلى التفاصيل الخاصة بالجانب العسكري، واكتفت اللجنة بالتأكيد على “تعزيز التدريب العسكري والاستعداد بشكل كامل” و”تحقيق وحدة دولة مزدهرة وجيش قوي”، بالإضافة إلى ما أكده الرئيس شي بأن الجيش شهد تحسنًا بشكل كبير كأحد أولوياته الأساسية منذ توليه منصبه في 2012.

ودعت اللجنة إلى تماسك مدني عسكري من أجل تعزيز نظام الأمن القومي عبر ضمان الأمن الاقتصادي والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي. يأتي ذلك في ظل تصعيد التوتر العسكري بداية من جبال الهيمالايا حتى تايوان وبحر الصين الجنوبي وهونج كونج، فقد تعهد الحزب بالحفاظ على “الازدهار والاستقرار على المدى الطويل” في هونج كونج وماكاو، بالإضافة إلى الدعوة لـ”إعادة توحيد الوطن الأم”.

العلاقات الخارجية غير مفصّلة

يأتي اجتماع اللجنة المركزية في ظل عدد من التحديات الخارجية مثل التنافس الصيني- الأمريكي خاصة مع انتشار فيروس كورونا ومن قبلها الحرب التجارية. ورغم ذلك، لم يشهد اجتماع اللجنة المركزية الحديث عن الشأن الدولي، مثل التعليق على الانتخابات الرئاسية الأمريكية والقضايا الحدودية الصينية. لكن تم الاكتفاء بعبارات مثل أن “العالم قد دخل فترة من الاضطراب والتحول وأنه يشهد تحولًا كبيرًا” لأن “ميزان القوى الدولية يمر بتعديل عميق”، وأن الوضع الدولي يشهد تعقيدًا.

لكن يتضح من خلال أحد منشورات الحزب الشيوعي أن الصين كانت تستعد لصراع طويل مع الولايات المتحدة، وبدأت من خلال الوقوف في موقع دفاعي في بادئ الأمر كي تستطيع الصمود في المواجهة الاستراتيجية والفوز في هذه الحرب. رغم وجود توجهات بأن تأثير الهجوم الأمريكي منذ 2018 لم يكن كبيرًا، قد تشتمل الخطة الخمسية على تكتيكات لكسب مزيد من الوقت لتجنب المواجهة المباشرة أو السريعة مع الولايات المتحدة، واعتبر أحد الآراء التحليلية أن الصين لن تبدأ هجومها إلا عند الوثوق من قدرتها على سد الثغرات التكنولوجية مع الولايات المتحدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى