آسيا

اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملةRCEP .. نجاح صيني وخسارة أمريكية

وقعت 15 دولة جنوب شرق وشرق آسيوية إضافة إلى أستراليا ونيوزيلاندا اتفاقية تشكل أكبر تكتل تجاري في العالم، وهي اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة المعروفة اختصارًا باسم “RCEP” تضم دول رابطة دول جنوب شرق آسيا “آسيان” العشرة إضافة إلى العمالقة الاقتصاديين في شرق آسيا “الصين، وكوريا الجنوبية واليابان”، بجانب أستراليا ونيوزيلاندا، والتي وُقعت خلال لقاء قمة افتراضي نتيجة ظروف تفشي كورونا برعاية فيتنام، وتغطي ما يوازي ثلث الاقتصاد العالمي وكذلك ثلث سكان العالم تقريبًا. 

وبالتالي تضم هذه الاتفاقية عددًا من الدول أكبر من اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ والموقع عام 2016 ويضم 12 دولة بدون الصين بدعم من الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما قبل انسحاب الولايات المتحدة منها في عهد إدارة دونالد ترامب في العام التالي ليضم 11 دولة دون الولايات المتحدة.

8 سنوات من المفاوضات

بعد توقيع الاتفاق قال رئيس الوزراء السنغافوري لي هيسن لونغ “وقعنا بعد مسيرة قاسية استمرت ثماني سنوات”، فمنذ العام 2012 بدأت عملية التفاوض لخروج هذا الاتفاق إلى النور في كمبوديا بين دول الآسيان العشرة والدول الخمسة الموقعة على الاتفاق النهائي إضافة إلى الهند التي انسحبت لأسباب سنذكرها لاحقا. هذه الدول خاضت 31 جولة من المفاوضات وعددًا من اجتماعات وزارية و3 قمم لزعماء الدول حتى خروج هذا الاتفاق.

المخاوف الهندية

قبل عام تقريبًا من توقيع الاتفاق “نوفمبر 2019” قرر رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الانسحاب من الاتفاق ليصبح قاصرًا على 15 دولة. نيودلهي كان لها مجموعة من التخوفات التي كانت واضحة خلال عملية التفاوض، فبحسب صحيفة ذي إيكونومست إن هذه التخوفات ظهرت جلية في الاجتماع الوزاري في بانكوك في أكتوبر من عام 2019 حيث أوردت التقارير الإعلامية طلب المفاوضين الهنود تغييرات على النص النهائي في اللحظة الأخيرة نظرًا لموقفها الحمائي.

ووفقًا للموقع فإن للهند اتفاقيات تجارة حرة مع كل من اليابان ودول الآسيان وكوريا الجنوبية، لكن هذا الموقف يختلف مع الصين. إضافة إلى وجود عجز تجاري سنوي يصل إلى 60 مليار دولار، ويظهر هذا الأمر في علاقات نيودلهي وبكين التجارية حيث تصدر الهند المواد الخام والسلع الأساسية للصين فيما تصدر الثانية سلعًا تامة الصنع تشمل الإلكترونيات والأدوية المتطورة للأولى. 

المفاوضون الهنود هنا تخوفوا من من أن هذه الاتفاقية التي تخفض من التعريفات الجمركية بين الدول الموقعة ستؤدي إلى عدم قدرة المصنعين المحليين على منافسة المنتجات الصينية، إضافة إلى أنها لن تعطي أي ميزة نسبية للمصدرين الهنود مثل قدرة منتجي الألبان المحليين على المنافسة أمام المنتجات الأسترالية والنيوزيلندية.

وترجع صحيفة تايمز أوف إنديا بحسب محللين الانسحاب إلى أن الهند ستكون ثالث أكبر قوة اقتصادية في التكتل بعد الصين واليابان، وأنها ستخسر استثماراتها ويدفع المستهلكون فيها أكثر مما ينبغي، خاصة حينما تواجه سلاسل التجارة الدولية تحديات مثل تفشي كورونا.

على الجانب الآخر هناك مجموعة من العوامل السياسية التي تجعل انضمام الهند صعبا، فالعلاقات الهندية الصينية تشوبها توترات نتيجة لمشكلات حدودية وانتقاد بكين لإلغاء نيودلهي الوضع الخاص الممنوح لجامو وكشمير. 

التحركات الاستراتيجية للصين من أجل التوسع في مبادرة الحزام والطريق لا تريح الهند خاصة مع مغازلتها لكل من سريلانكا وباكستان، في حين لا ترتاح بكين لدخول نيودلهي في التحالف الرباعي مع اليابان وأستراليا والولايات المتحدة والمعروف اختصارًا باسم QUAD. ورغم كل هذه التخوفات فإنه وبحسب مسؤولين في الآسيان وتقارير إعلامية لا يزال الباب أمام الهند مفتوحًا للانضمام إلى الاتفاق إن أرادت ذلك.

أهم بنود الاتفاق

وفقًا لملخص الاتفاقية الصادر عن الآسيان فإنها تعدد مميزاتها الرئيسية في الحداثة والشمول والجودة والمنفعة المشتركة. 

أما الاتفاقية فتنقسم إلى 20 فصلًا رئيسيا كالتالي: 

الأول: يشمل الأحكام العامة والتعريفات المرتبطة بالاتفاق. 

الثاني: يشمل تجارة السلع وهو ما يحدد العناصر الأساسية لتحقيق مستوى عالٍ من تحرير التجارة بين الأطراف والتي تشمل منح بضائع الأطراف الأخرى المعاملة الوطنية، وتخفيض أو إلغاء الرسوم الجمركية، والإعفاء المؤقت لدخول سلع، إضافة إلى إعادة التأكيد على الالتزامات الوارد في قرارات منظمة التجارة العالمية المتعلقة بقواعد المنافسة التصديرية، والقواعد الخاصة بتحديد المعاملة المطبقة في حالات التفضيلات الجمركية المختلفة الخاصة بكل طرف، بالإضافة لاحتواء هذا الفصل على أحكام بشأن التدابير غير الجمركية المكملة لتحرير التعريفات والقضاء العام على القيود الكمية.

الثالث: يتضمن قواعد المنشأ للسلع التي تستحق معاملة تعريفية تفضيلية بموجب الاتفاقية، ويحتوي على قسمين

 أ- قواعد المنشأ: المعاملة المطبقة على مواد التعبئة والتغليف وحاويات النقل والشحن، ومعالجة الملحقات وقطع الغيار والأدوات.

ب – إجراءات التصديق العملياتية والتي تقدم إجراءات تفصيلية لإثبات قواعد المنشأ وفقًا للاتفاقية للمطالبة بمعاملة تعريفية تفضيلية.

الرابع: يحوي الإجراءات الجمركية وتسهيل التجارة (CPTF) ويهدف إلى ضمان إمكانية التنبؤ والاتساق والشفافية في تطبيق القوانين واللوائح الجمركية، وتعزيز الإدارة الفعالة للإجراءات الجمركية والتخليص السريع للبضائع.

الخامس: التدابير الصحية والصحة النباتية حيث يعتمد الإطار الأساسي لتطبيق التدابير الخاصة بحماية حياة أو صحة الإنسان أو الحيوان أو النبات وكذلك تسهيل التجارة من خلال تقليل الآثار السلبية لتدابير الصحة والصحة النباتية على التجارة.

السادس: يتعلق باللوائح الفنية والمعايير وإجراءات تقييم المطابقة، حيث يهدف الفصل إلى تعزيز تنفيذ اتفاقية منظمة التجارة العالمية بشأن الحواجز التقنية أمام التجارة (اتفاقية TBT) إصافة إلى الفهم المتبادل وقبول المعايير واللوائح الفنية لكل طرف، وتقييم المطابقة الإجراءات، وتعزيز تبادل المعلومات والتعاون في هذا المجال.

السابع: متعلق بسبل الانتصاف التجارية ويشمل تدابير الحماية ورسوم الإغراق والتعويض، كما يشمل ملحقًا حول إجراءات مكافحة الإغراق والرسوم التعويضية التي تمارسها بعض الأطراف والتي قد تعزز أهداف الشفافية والإجراءات القانونية في إجراءات التعويض التجاري.

الثامن: يتعلق بتجارة الخدمات لإزالة التدابير التقييدية والتمييزية التي تؤثر على التجارة في الخدمات، حيث يحتوي على أحكام حديثة وشاملة بما في ذلك قواعد الوصول إلى الأسواق، والمعاملة الوطنية، ومعاملة الدولة الأكثر رعاية، والوجود المحلي، الذي يخضع لجداول التزامات الأطراف أو جداول الحجوزات والتدابير غير المطابقة، وكذلك الالتزامات الإضافية.. ويشمل هذا الفصل 3 ملحقات ترتبط بقواعد الخدمات المالية وخدمات الاتصالات والثالث يتعلق بالخدمات المهنية.

التاسع: يتعلق بحركة الأشخاص الطبييعين والالتزامات المتعلقة بتسهيل الدخول المؤقت والإقامة المؤقتة للأشخاص الطبيعيين المنخرطين في التجارة في السلع أو الخدمات أو الاستثمار.

العاشر: يحتوي على أحكام تغطي أركان الاستثمار الأربعة: الحماية والتحرير والترويج والتسهيلات.

الحادي عشر: ينص على حماية حقوق الملكية الفكرية بما يتجاوز مستوى اتفاقية منظمة التجارة العالمية بشأن الجوانب المتعلقة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية المعروفة اختصارًا باتفاقية TRIPS.

الثاني عشر: يهدف إلى تعزيز التجارة الإلكترونية بين الأطراف واستخدام أوسع للتجارة الإلكترونية على الصعيد العالمي. 

 الثالث عشر: يهدف إلى تعزيز المنافسة في الأسواق وتعزيز الكفاءة الاقتصادية ورفاهية المستهلك، حيث يشمل التزامات الأطراف باعتماد أو الحفاظ على قوانين ولوائح المنافسة وإنشاء أو الحفاظ على سلطات تنفيذ قوانين المنافسة الخاصة بها، مع الاعتراف بالحقوق السيادية لكل دولة يشملها الاتفاق في تطوير وإنفاذ قوانين وسياسات المنافسة الخاصة بها، والسماح بالاستبعاد أو الإعفاءات على أساس السياسة العامة أو المصلحة العامة.

الرابع عشر: يتعلق بالشركات الصغيرة والمتوسطة حيث يلزم الأطراف الموقعة بتعزيز تبادل المعلومات المتعلقة بـ RCEP ذات الصلة بالشركات الصغيرة والمتوسطة من خلال إنشاء منصة معلومات يمكن الوصول إليها تحتوي على النص الكامل لاتفاقية RCEP، والقوانين واللوائح المتعلقة بالتجارة والاستثمار ذات الصلة بهذه المؤسسات، وغيرها من المعلومات المتعلقة بالأعمال التجارية التي قد تكون مفيدة للشركات الصغيرة والمتوسطة للاستفادة من الاتفاقية.

الخامس عشر: يهدف إلى تحقيق البعد التنموي للاتفاقية عبر التعاون المشترك والتقني. 

السادس عشر: يتعلق بالمشتريات الحكومية حيث ينشر كل طرف معلومات عن المشتريات الحكومية في ملحق هذا الفصل بما يتفق مع هدف تعزيز الشفافية في هذا المجال من أجل تحسينه في المستقبل. 

السابع عشر: يتضمن الأحكام والاستثناءات العامة فيشمل الالتزامات المتعلقة بالشفافية فيما يتعلق بقوانين كل دولة ولوائحها وإجراءاتها وأحكامها الإدارية فيما يتعلق بالمسائل التي تغطيها الاتفاقية. 

الثامن عشر: يحدد القواعد المؤسسية للتكتل واجتماعاتها الوزارية ولجنتها المشتركة التي تشمل 4 لجان هي: السلع والخدمات والاستثمار؛ التنمية المستدامة؛ وبيئة الأعمال، إضافة إلى الهياكل الفرعية المنبثقة عن اللجنة المشتركة. 

التاسع عشر: يتحدث عن القواعد وإجراءات تسوية النزاعات بين الدول المعنية بموجب الاتفاقية. 

العشرين: وهو الأحكام النهائية فيحدد العلاقة بين اتفاقية RCEP وغيرها من الاتفاقيات الدولية، آلية المراجعة العامة، وإجراءات تعديل الاتفاقية، أحكام الانضمام.

ويمكن الاطلاع على تفاصيل الاتفاق عبر هذا الرابط : https://rcepsec.org/legal-text/ 

مَن يكسب مِن الاتفاق؟

وفقا لصحيفة فاينانشال تايمز فإن الاقتصاديين يقولون إن هذه الاتفاقية التي تعزز التكامل الاقتصادي في المنطقة ستضيف حوالي 200 مليار دولار للاقتصاد العالمي بحلول عام 2030. 

وتعد هذه هي الاتفاقية التجارية الأولى التي تجمع الصين وكوريا الجنوبية واليابان، إذ تمثل خطوة تجاه التقارب لتصبح منطقة تجارية متماسكة على غرار الاتحاد الأوروبي وأمريكا الشمالية، حتى لو لم يكن متوقعًا تخفيضًا كبيرًا في التعريفات الجمركية إلا أنها ستسمح بالوصول إلى 2.2 مليار مستهلك محتمل.

تُعدُّ الصين بهذه الاتفاقية أكبر المستفيدين حيث تضع ثاني أكبر اقتصاد في العالم في وضع أفضل لوضع قواعد التجارة في هذه المنطقة، وسيساعدها ذلك أيضا في تقليص اعتمادها على الأسواق والتكنولوجيا الخارجية عبر المحيطات بحسب كبيرة اقتصاديين بنك “ING” ايريس بانغ.

وستسمح هذه الاتفاقية لليابان بإعفاءات جمركية تصل إلى 86% من صادراتها إلى الصين التي – ولأول مرة – تدخل معها في اتفاقية تجارة حرة تحت هذا التكتل بحسب صحيفة Nikkei اليابانية.

أما كوريا الجنوبية فإن شركاتها التي تبيع قطع غيار السيارات إلى إندونيسيا تدفع40 % كرسوم جمركية، ولكن ستقل هذه الرسوم إلى الصفر بعد دخول الاتفاقية حيز التنفيذ حسبما نقلت وكالة أنباء يونهاب الرسمية عن المكتب الرئاسي في البلاد. 

الولايات المتحدة الخاسر الأكبر

بخروج الولايات المتحدة من اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئTPP  عام 2017 والذي تطور إلى اتفاق الشراكة الشامل التدريجي عبر الهادئ CPTPP- وعدم شمولها في اتفاقية RCEP  الذي يضم أهم حليفين لها في شرق آسيا وأكبر منافس لها تصبح خارج أهم وأكبر تكتلين تجاريين تم تشكيلهما مؤخرًا ويغطيان أكثر منطقتين نموًا في العالم.

وبحسب المحللين فإن هذه الخطوات قد تقلص من دور الولايات المتحدة في هذه المنطقة، إضافة إلى أن واشنطن والاتحاد الأوروبي –القوتان الاقتصاديتان التقليديتان- لن يصبح لهما صوت حينما تضع آسيا قواعد تجارتها.

تحديات سياسية واقتصادية

رغم أهمية هذه الخطوة إلا أن المشكلات السياسية الثنائية بين الدول الموقعة تشكل تحديًا أمام هذه الاتفاقية، فعلى سبيل المثال لا يزال الخلاف التاريخي بين كوريا الجنوبية واليابان والمرتبط بقضية العمالة القسرية في زمن الحرب العالمية الثانية يشكل أزمة تسببت في فرض طوكيو قيودًا على صادرتها لسول. 

على الجانب الآخر يفرض النزاع على الموارد في بحر الصين الجنوبي بين بكين وبعض دول آسيان نفسه بقوة من حين إلى آخر ما قد يؤدي إلى خلافات مشابهة لتلك التي بين كوريا الجنوبية واليابان. 

أما اقتصاديا فبحسب بروفيسور بيتري أستاذ الاقتصاد الدولي بجامعة جونز هوبكنز الأمريكية فإن هذه الاتفاقية غير طموحة نسبيًا؛ إذ إنها ألغت ما يقرب من 90% من التعريفات الجمركية مقارنة بـ100% في اتفاق الشراكة عبر الهادئ CPTPP، إضافة إلى غياب الزراعة بقدر كبير واختلاط الخدمات، مشيرًا إلى أنRCEP لا تفعل إلا القليل نسبيًا لوضع معايير مشتركة للمنتجات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى