أوروبا

لماذا يختلف القطب الشمالي عن بحر الصين الجنوبي كمسرح جيوستراتيجي؟

عرض/ آية عبد العزيز

نشر موقع War on the Rocks التحليلي مقالًا بعنوان “لماذا لم يكن القطب الشمالي هو بحر الصين الجنوبي “التالي”؟، في 5 نوفمبر 2020، لكل من إليزابيث بوكانان (Elizabeth Buchanan) المحاضرة في الدراسات الاستراتيجية في جامعة ديكين والمسئولة عن تدريس دورة الدراسات الدفاعية والاستراتيجية في الكلية الحربية الأسترالية. وزميلة في معهد الحرب الحديثة في ويست بوينت، وزميلة بحرية زائرة في كلية الدفاع بحلف الناتو سابقًا. وباك ستراسن (Bec Strating) المدير التنفيذي لشركة La Trobe Asia، ومحاضرًا أول في قسم السياسة والإعلام والفلسفة في جامعة لا تروب، ملبورن، أستراليا. 

يستعرض من خلاله التنافس حول المسارح البحرية الجيوستراتيجية بين القوى الكبرى، مع طرح تساؤل حول مدى إمكانية عسكرة القطب الشمالي على غرار بحر الصين الجنوبي؟ وإلى أي مدى تُعدُّ تحديات الصين للنظام البحري في بحر الصين الجنوبي إشارة إلى مقاربتها من المحيط المتجمد؟ حيث يُعد فهم الاختلافات وكذلك أوجه التشابه بين “المنافسات” الجيوسياسية فيهم أمرًا بالغ الأهمية للتنبؤ بالآثار الاستراتيجية للوضع والسياسات البحرية المستقبلية للصين. 

ويُجادل في أنه من المبالغة التبسيط في استقراء الاتجاهات في أحد المسرحين وتطبيقها على الآخر. إذ تتعامل الصين وروسيا مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) بطريقة محلية وقائمة على الاهتمامات عندما يتعلق الأمر ببحر الصين الجنوبي ومناطق القطب الشمالي. هذه المقاربات المحلية لقانون البحار لها آثار على فهم التحديات التي تواجه الإدارة المتعددة الأطراف القائمة على القواعد القانونية الدولية للمشاعات العالمية.

اختلافات جغرافية

وفقًا للمقال يعد كل من بحر الصين الجنوبي والقطب الشمالي موطنًا لعدد من القوى العظمى التي تسعى إلى زيادة نفوذها عازمةً على تقديم مطالبات بحرية غير متوافقة مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وتأكيد على أحقيتها القانونية الاستثنائية. فضلًا عن أن عدم رغبة الولايات المتحدة في التصديق على الاتفاقية يجعل الصورة القانونية والمؤسسية أكثر ضبابية. ومع ذلك، فإن المدى الذي يمكن فيه مقارنة بحر الصين الجنوبي والقطب الشمالي بـ “المشاعات المتنازع عليها” محدود، نتيجة لعدد من الأسباب التي تتجلى على النحو التالي: 

  • على الرغم من أن القطب الشمالي هو أصغر محيط في العالم، إلا أنه لا يزال أكبر بخمس مرات من بحر الصين الجنوبي، وهو موطن لمناطق اقتصادية ومساحات مائية محددة وهناك قواعد نافذة ومطبقة تحكم اللعبة فيه. 
  •  في المحيط المتجمد الشمالي الأوسط الأجزاء التي تعد خارج كل من المياه الإقليمية المطالب بها ومن المناطق الاقتصادية الخالصة هي تقريبًا في حجم البحر الأبيض المتوسط. 
  • أما المؤشرات الشائعة لـ “الحروب الباردة الجديدة” والاشتباكات في القطب الشمالي، فإن المنطقة هي موطن لاتفاقيات بحرية طويلة الأمد، والعديد من المعاهدات (بما في ذلك بشأن البحث والإنقاذ والاستجابات للانسكاب النفطي) التي تم التفاوض عليها بين دول القطب الشمالي، وهي محكومة من قبل مجلس القطب الشمالي القائم على توافق الآراء. كما أنها منطقة تغيب فيها التوترات المتجددة بين روسيا والغرب إلى حد كبير، وتظل منطقة تعاون وتنسيق دوليين. 
  • تمتلك خمس دول ساحلية في المحيط المتجمد الشمالي مناطق اقتصادية حصرية تمتد إلى بحار مختلفة (بحر جرينلاند، وبحر النرويج، وبحر بارنتس وبحر كارا، وبحر لابتيف، وبحر سيبيريا الشرقية، وبحر تشوكشي، وبحر بوفورت) فوق الدائرة القطبية الشمالية، التي تشكل بدورها المحيط المتجمد الشمالي. لقد نصبت الصين نفسها على أنها “دولة قريبة من القطب الشمالي”، معتبرةً المحيط المتجمد الشمالي المركزي من المشاعات عالمية.

في المقابل 

  • يُعدُّ بحر الصين الجنوبي بؤرة للخلاف والمنافسة، ويغطي أكثر من 3 ملايين كيلومتر مربع، ويخضع لمجموعة من المطالبات المتداخلة والاختصاصات القضائية، بما في ذلك السيادة على الجزر والصخور، والسيطرة على المعالم المنخفضة مثل الشعاب المرجانية والمياه الضحلة، والموارد وحرية الملاحة. 
  • تكثر الخلافات على المناطق الاقتصادية الخالصة. بجانب مطالبة الصين بـ “الحقوق السيادية” ضمن “خط التسع شرطات” أو “خط القطاعات التسعة” (حوالي 90 بالمائة من بحر الصين الجنوبي)، وهو ادعاء تم رفضه ودحضه بموجب حكم هيئة التحكيم بشأن بحر الصين الجنوبي لعام 2016. رفضت بكين هذا الحكم وتجاهلته إلى حد كبير. 
  • تتعلق نزاعات السيادة بملكية مئات المعالم المنتشرة في البحر، بما في ذلك الجزر والصخور والشعاب المرجانية والمياه الضحلة المغمورة والمرتفعات المنخفضة، والتي تطالب الصين وتايوان والفلبين وفيتنام وماليزيا ببعضها أو جميعها. تؤثر سيادة هذه المعالم الأرضية وتصنيفها -كجزر أو صخور أو ارتفاعات منخفضة- على الحقوق في الموارد البحرية، مثل النفط والغاز والأسماك. 
  • تطالب الدول الخمس المذكورة أعلاه، بجانب بروناي وإندونيسيا، بمناطق اقتصادية خالصة وجرف قاري في بحر الصين الجنوبي خارج البر الرئيسي وخطوط الأساس الأرخبيلية. ونشير إلى أنه بموجب القانون الدولي، تمنح هذه المناطق البحرية الدول حقوقًا سيادية محدودة وبالتالي ملكية موارد، بدلاً من السيادة الكاملة.

وفقا لهذا المقال فإن المنافسة الاستراتيجية في البحر كانت مدفوعة جزئيًا على الأقل بالعسكرة البحرية الصينية المتزايدة. نتيجة المخاوف التقليدية بشأن الدفاع الإقليمي، ومطالباتها القومية، ورغبتها في استغلال الموارد مثل النفط والغاز والأسماك، علاوة على إنه لا يمكن الوصول إلى ستة من أكبر 10 موانئ في الصين إلا من خلاله.

توازن القوى

أوضح المقال أن الصين انخرطت في عسكرة سريعة وواسعة النطاق وفي بناء جزر اصطناعية في بحر الصين الجنوبي ابتداءً من عام 2014، على الرغم من تعهدها بعدم عسكرة الجزر، إلا إنها قامت ببناء ثلاثة مطارات كبيرة في منتصف المحيط مناسبة للطائرات العسكرية في عام 2016. ووضعت صواريخ مضادة للسفن وصواريخ أرض-جو بعيدة المدى على جزر اصطناعية، معارضة عبور السفن الحربية، واستخدمت القوات البحرية شبه العسكرية من أجل مراقبة وترهيب السفن غير الصينية. 

وعليه فقد أثارت هذه الإجراءات مخاوف من أن الصين تهدف إلى مراجعة واستبدال أو تجاهل القواعد البحرية، وهو ما سينعكس على النظام الإقليمي بشكل عام. إنهم يتحدون بشكل مباشر التفوق البحري الأمريكي في المنطقة. لأن هذه الأنشطة الصينية تهدد المصالح الأمريكية في حرية الملاحة وتقوض النظام البحري العالمي، الأمر الذي مكّن البحرية الأمريكية من إظهار القوة وفرض العبور الحر لعقود.

على الجانب الآخر، أفاد المقال أن منطقة القطب الشمالي، ليست غريبة عن المنافسة الجيوسياسية، لقد كانت ساحة حاسمة خلال الحرب الباردة، لأنها أقصر مسافة للصواريخ والطيران بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. علاوة على أن المنطقة تشكل جناحًا رئيسًا لحلف شمال الأطلسي، وخط اتصال بحري استراتيجي مهم للإمداد في زمن الحرب يصل بين أوروبا وأمريكا الشمالية.

يظل التعاون الإقليمي والعلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا قائمين بعيدين إلى حد ما عن التوترات خارج القطب الشمالي. ويظهر لاعبون جدد وحوافز في “اللعبة الكبرى” في القطب الشمالي. لذا فإن توازن القوة الموجود مسبقًا بين الولايات المتحدة وروسيا في القطب الشمالي يعد اعتبارًا مهمًا عند إضافة بكين إلى القوي الفاعلة في القطب الشمالي

وفقًا للمقال فقد تم إحياء سياسة الولايات المتحدة في القطب الشمالي في السنوات الأخيرة كجزء من تركيز أوسع على المنافسة المتجددة بين القوى العظمى. تحت إدارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” كانت هناك سلسلة من التحديثات في القطب الشمالي؛ حيث وضعت كل من وزارة الدفاع والقوات الجوية وخفر السواحل استراتيجيات جديدة للقطب الشمالي.

أما الصين فتستخدم في المحيط الشمالي منطق وأدوات الجغرافيا الاقتصادية، بدلاً من العسكرة السريعة التي لجأت إليها في بحر الصين الجنوبي، لإمالة ميزان القوى في القطب الشمالي لصالحها من خلال المشاركة الاقتصادية مع دول الشمال في قطاع الموارد لزيادة النفوذ والشرعية والمشاركة في منطقة القطب الشمالي، فضلاً عن الروابط الاقتصادية المتنامية (وإن كانت بشكل طفيف) في أيسلندا والنرويج. 

ويستهدف الكثير من الاستثمار الأجنبي الصيني في مشاريع الطاقة القطبية الشمالية منطقة القطب الشمالي الروسية – لا سيما مشاريع الغاز الوطني المسال في شبه جزيرة يامال. ومع ذلك، فإن وعي الكرملين بدبلوماسية “فخ الديون” المحتملة التي تتعهد بها بكين أدى إلى سياسة روسية موحدة للحد من ملكية الصين للأغلبية لأي مشاريع روسية في القطب الشمالي. 

وبالرجوع إلى بحر الصين الجنوبي فقد كشف المقال أن الجهود المبذولة لزيادة التعاون -مثل مفاوضات مدونة قواعد السلوك بين الصين ورابطة دول جنوب شرق آسيا، أو خطط التنمية المشتركة- فشلت في تطوير آليات قوية لإدارة أو حل النزاعات البحرية والإقليمية. وبالنسبة للمصالح الأمريكية في سياق المسارح البحرية، فيُنظر إليها من الناحية التقليدية في حرية الملاحة، والحفاظ على القدرة على المناورة داخل سلسلة الجزر الأولى، على الرغم من الجهود الدبلوماسية الأخيرة شهدت الولايات المتحدة تقديم المزيد من الدعم للحقوق البحرية للدول الجارة للصين والمطالبة في جنوب شرق آسيا. 

وفي القطب الشمالي، تعد المصالح الأمريكية إقليمية في المقام الأول، لأنها واحدة من خمس دول ساحلية في المحيط المتجمد الشمالي. بجانب كونه منطقة حدودية مشتركة بين واشنطن وروسيا عبر مضيق بيرينج. بالإضافة إلى ذلك، هناك اهتمامات كبيرة بالموارد في قطاع القطب الشمالي في ألاسكا، وبالسكان الأصليين، ولا ننسي الأهمية الاستراتيجية الكبرى للقدرة علي نشر وتمدد القوة في كل من شمال المحيط الأطلسي والقطب الشمالي وشمال المحيط الهادئ.

وفي هذا الإطار رأى المقال أن استغلال الموارد الهيدروكربونية (النفط والغاز الطبيعي) يُمثل محركًا واضحًا للتنافس في كل من البحر الصين الجنوبي والقطب الشمالي. يقال كثيرا أن القطب الشمالي يحتوي على ما يقدر بنحو 30 % من الغاز المتبقي في العالم و13 % من احتياطيات النفط غير المستغلة. وتقع غالبية هذه الثروات في مناطق غير اتنازع عليها، أي في مناطق خاضعة لسيادة إحدى الدول.

أما الصين فلا يزال نشاطها في أعالي البحار في المحيط المتجمد الشمالي يُركز على الأولويات العلمية والبحثية، على الأقل في الوقت الحالي. كما إنها طرف في اتفاقية مصائد الأسماك في المحيط المتجمد الشمالي المركزي، وبينما يُسمح لها قانونًا باستغلال منطقة المحيط المتجمد الشمالي الوسطى، استمرت بكين في الالتزام بحظر مصايد الأسماك.

وتطرق المقال إلى ملامح علاقة الصين بدول جنوب شرق آسيا في بحر الصين الجنوبي؛ حيث حاولت بكين بقوة حرمان دول المنطقة من استحقاقاتها القانونية في الموارد البحرية بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. وهنا تكمن أحد التحديات المعاصرة المطروحة في بحر الصين الجنوبي ما يسمى بـ “تكتيكات المنطقة الرمادية” التي تستخدمها القوات البحرية الصينية وسفنها الشبه عسكرية China’s paranaval forces لتأكيد مطالباتها بقطع الأراضي (صخرات/جزر بالغة الصغر الخ) المتنازع عليها وبالمياه المجاورة لها. 

ينتهج كل من خفر السواحل البحري الصيني وأساطيل الصيد والميليشيات البحرية سلوكا ينخرط فيما يسمي ب “استراتيجية الملفوف” cabbage strategy، وتشكل مراحل ودرجات من الضغط هي بمثابة خطها الأول للدفاع البحري. وسمح قرب بكين من بحر الصين الجنوبي باستخدام الصين العدد المتزايد من الأصول البحرية لتنفيذ تكتيكات المنطقة الرمادية لتعزيز مطالبها. في المقابل، لم تتطور القدرات البحرية الصينية بعد بما يكفي لإبراز قوتها في بيئة أعالي البحار القطبية الشمالية الأكثر بعدًا وتعقيدًا.

القواعد القانونية الدولية

ذكر المقال أن تشويه وتطويع القواعد القانونية الدولية هما عنصر مركزي في نهج الصين تجاه بحر الصين الجنوبي. على الرغم من أنها انخرطت في استراتيجية “الحرب القانونية” لدعم مصالحها الإقليمية والبحرية في بحر الصين الجنوبي، فإن العديد من حججها القانونية الزائفة تتعارض مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، من المحتمل أن يكون أبرز ملف هو مطالبات بكين بـ “الحقوق التاريخية” داخل خط التسع شرطات.

أما المطلب الثاني هو استراتيجية “فور شا” الصينية Four Sha (four sands) strategy، التي تتضمن إنشاء خطوط أساس أرخبيلية مستقيمة حول مجموعات الجزر في جزر براتاس، وجزر باراسيل، وجزر سبراتلي، وضفة ماكليسفيلد. هنا، طور المحامون والأكاديميون في بكين نظرية قانونية جديدة مفادها أن “فور شا” هي المياه الإقليمية التاريخية للصين وجزء من منطقتها الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، على الرغم من أن الأرخبيل البحري لا يتوافق مع معايير رسم خطوط الأساس الأرخبيلية المستقيمة المنصوص عليها في المادة 47 من اتفاقية قانون البحار، التي تنص على أن نسبة مساحة المياه إلى مساحة الأرض يجب أن تكون بين واحد إلى واحد وتسعة إلى واحد. 

في مجموعات جزر بحر الصين الجنوبي هذه، تكون مساحة المياه كبيرة جدًا بحيث لا تفي بهذه المتطلبات. ومع ذلك، تشير نظرية “فور شا” إلى الرغبة في المطالبة بتوسيع ضخم لما يعتبر مياه داخلية ضمن خطوط الأساس هذه، والتي، إذا نجحت، ستمنح الصين السيادة الكاملة على المنطقة بدلًا من الحقوق السيادية المحدودة الممنوحة في المناطق البحرية الأخرى مثل المنطقة الاقتصادية الخالصة أو الجرف القارئ.

العنصر الثالث المتعلق باستراتيجية الحرب القانونية لدى الصين هو استخدام القانون المحلي لتبرير المعايير المزدوجة في تنفيذ مبادئ حرية الملاحة. على سبيل المثال، تؤكد بكين حقها في تنظيم الأنشطة العسكرية الأجنبية في المنطقة الاقتصادية الخالصة التي تطالب بها، على عكس التفاهمات الواسعة النطاق لبنود اتفاقية قانون البحار. قدمت بكين بحر الصين الجنوبي على أنه منطقة فريدة تخضع للقانون المحلي الصيني، وليس القانون الدولي، الذي يشكل شكلاً من أشكال الاستثناء القضائي.

ومع ذلك، في المحيط المتجمد الشمالي، واصلت بكين الالتزام بالهيكل القانوني الدولي المتفق عليه، على الرغم من وجودها المتزايد واهتمامها بالمنطقة، تنظر بكين إلى طرق الشحن الدولية الناشئة من منطقة القطب الشمالي الذائبة كعنصر رئيسي في مبادرة الحزام والطريق. ففي الوقت الحالي، تتطلع الصين إلى استخدام الممر الشمالي من الشرق إلى الغرب باعتباره ممرًا سريعًا وأقل تكلفة من غيره يوصل آسيا بأوروبا. ومن المعروف أن جزءًا كبيرًا من هذا الممر هو طريق البحر الشمالي لروسيا، وهو ممر مائي دولي كما حدده القانون الروسي.

وبالنظر إلى روسيا في هذا الإطار فوفقًا للمقال فإنها تحاكي إلى حد ما دعوات وحجج الصين القضائية الخاصة ببحر الصين الجنوبي؛ حيث تجادل موسكو بأن طريق بحر الشمال يُشكل “مضايق تستخدم للملاحة الداخلية”، وبالتالي فهو لا يخضع لجميع حقوق اتفاقية قانون البحار مثل المرور البريء. ينص تطبيق روسيا للمادة 234 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (المعروفة باسم قانون الجليد) على أنه يمكن للدول تعزيز سيادتها وسيطرتها على منطقة اقتصادية خالصة إذا كانت المنطقة خاضعة للتغطية الجليدية أو أسباب الإدارة البيئية المكثفة.

 لطالما طبقت موسكو هذا النهج القانوني بالكامل وطوّرت مفهوما لاستثنائية أعمق في السنوات الأخيرة، إذ وضعت قوانين محلية ونفذت استراتيجيات لإدارة طريق بحر الشمال، تشمل الأمثلة القوانين التي تتطلب إرشادًا روسيًا لجميع السفن التي تمر عبر طريق بحر الشمال، ورسوم العبور، والإنذار المسبق أو الإشارة إلى خطط لاستخدام الطريق. 

وجدير بالذكر أن الولايات المتحدة لها أيضا تصوراتها الخاصة باستثنائية وضعها، فهي ترفض التصديق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار بينما تتوقع من الآخرين الامتثال لها. وعليه فإن هذه القوى الثلاثة تتبنى نهج الاستثناء القضائي الذي يتم تطبيقه وفقًا للجغرافيا والمصالح بشكل غير متسق، الأمر الذي سيكون له تداعيات مقلقة على قدرات أنظمة الحوكمة العالمية لفرض المعايير العالمية التي تنطبق على جميع الدول. وعلى العموم فإن كلتا المنطقتين هما مؤشر لحالة التباين في كيفية تطبيق القواعد الدولية المتفق عليها، ويبقي أن وضع القطب الشمالي وبحر الصين الجنوبي في سلة واحدة كمسرحين تتنافس فيهما الصين، يؤدي إلى غموض واقع البيئات الاستراتيجية المتميزة للمنطقتين، لكون الدور المحوري يُكمن في الجغرافيا. بشكل عام، يعد بحر الصين الجنوبي والقطب الشمالي منطقتين بحريتين مختلفتين تمامًا لهما خصائص جيوسياسية مميزة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى