تركيا

مركز إسرائيلي : تركيا تشهر سلاح مضيق “البسفور” في وجه اليونان

عرض – نرمين سعيد

ذكر مركز بيجن- السادات الإسرائيلي للدراسات الاستراتيجية أن التصعيد والتوتر الحاصل أخيرًا في منطقة بحر “إيجة” من شأنه تقوية الروابط السياسية بين اليونان وحلفائها الغربيين في أوروبا وغيرها، ونقل الاتحاد الأوروبي من مجرد التلويح بفرض العقوبات على أنقرة إلى فرضها فعليًا.

وفي هذا الإطار فإن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يحاول اللعب على وتر حساس في العلاقات السياسية فهو يقوم بالتصعيد في منطقة بحر إيجة بالقدر الذي يضمن له تحقيق مكاسب على مستوى شعبية حزبه ذي المرجعية الإسلامية، ولكنه في نفس الوقت لن يصعد بالقدر الذي يسهل للاتحاد الأوروبي فرض العقوبات عليه.

وفي هذا السياق قال ديفيد ل.فيليبس مدير برنامج بناء السلام والحقوق في معهد حقوق الإنسان بجامعة كولومبيا إنه في الذكرى السنوية الأولى لغزو تركيا واحتلالها مناطق في شمال شرق سوريا فإن الرئيس التركي يسعى إلى صرف انتباه الأتراك عن أوضاع الديمقراطية الفاشلة في الداخل التركي، إضافة إلى تشتيت الانتباه فيما يتعلق بالاقتصاد المحلي شديد التعثر ومستويات الهبوط القياسية لليرة التركية، وذلك عن طريق الترويج لحروبه وجولاته العسكرية في سوريا والعراق وليبيا والصومال وكذلك منطقة شرق المتوسط. ولا تكتفي أنقرة بهذا وإنما تعتمد على التهديد بين حين وآخر بتنظيم ارتكاب إبادة جماعية للأرمن في ناجورنو قره باغ.

وقد كان فيليبس من أحد الموقعين على بيان “حان وقت الانفصال عن أردوغان” الذي نُشر في التاسع من أكتوبر الماضي عبر رئيس العدالة من أجل الأكراد “توماس إس كابلان” و “برنارد هنري ليفي” في صفحتين نشرتهم “نيويورك تايمز”.

ووفقًا للتقرير المنشور على موقع بيجن- السادات فإنه بعد أيام قليلة من نشر “نيويورك تايمز” للبيان تصاعدت حدة التوتر في بحر إيجة ومنطقة البحر الأبيض المتوسط بين الغريمين التقليديين “تركيا واليونان”، وأعلنت اليونان من جانبها عن “Navigational Telex” لتدريبات إطلاق النار في بحر إيجة والتي تضمنت يوم 29 أكتوبر وهو اليوم الوطني لتركيا.

ومن ناحية أنقرة فقد أعلنت عن إطلاق “Navtex” الخاصة بها في بحر إيجة بتاريخ 28 أكتوبر الماضي حيث قامت بإرسال سفينة المسح “Oruc Reis” إلى الجرف القاري المتنازع عليه بين أنقرة واليونان وصولًا لبعد 6.5 ميل بحري فقط من جزيرة كاستيلوريزو اليونانية.

وحسب التقرير فإن الاتحاد الأوروبي ليس المنظمة الوحيدة التي ترفض تركيا بسبب ممارساتها، لأن حلف الناتو الذي يجمع تركيا بين أعضائه ليس مجرد كيان أمني أو عسكري ولكنه تحالف من مجموعة من الدول التي تتشارك قيمًا معينة، والجمهورية التركية تحت حكم الراديكالي “رجب طيب أردوغان” تُعدُّ دولة معادية لأمريكا ومعادية للقيم الغربية والأوروبية وعلى هذا فإن تركيا لو تقدمت اليوم في ظل ممارساتها العدائية بطلب للانضمام لحلف الناتو فإن الطلب سيتم رفضه فورًا.

وفي موضع آخر يشير التقرير إلى أن هذا التصعيد في منطقتي المتوسط وإيجة من شأنه تقوية الروابط بين اليونان وحلفائها في الغرب والتي يعد من ضمنها دفع الاتحاد الأوروبي إلى التخلي عن مسألة مجرد التلويح بفرض العقوبات على تركيا إلى فرضها بشكل فعلي وحازم.

وقد بدا أن الكبار في الاتحاد الأوروبي يسيرون على هذا الطريق وهو ما انعكس في 14 أكتوبر الماضي عندما ألغى وزير الخارجية الألماني “هايكو ماس” رحلته التي كانت مخططة لأنقرة في محاولة لإظهار الدعم لأثينا في الوقت الذي أشار خلاله إلى أن أزمة “نافتكس” مع الجانب التركي سيتم تناولها، مما أوحى بإمكانية فرض عقوبات على تركيا. وقد وصفت وزارة الخارجية الأمريكية الخطوة التركية بإعلان التنقيب عن الثروات شرق المتوسط بالـ “استفزاز المحسوب”.

كما أضافت ” مورجان أورتاغوس” أن إعلان تركيا التنقيب في مناطق متنازع عليها في شرق المتوسط يثير التوترات في المنطقة ويعقد بشكل مقصود استئناف المحادثات المثمرة بين أثينا وأنقرة، ولكن يبدو أن الرئيس التركي لم يدرك بعد أن ممارسة الترهيب والأنشطة العسكرية المتعارضة مع القانون الدولي في منطقة شرق المتوسط لن يحل أية توترات وإنما سيزيد من تعقيد الأمور.

ووفقًا للتقرير فإن أردوغان يمتلك عدة دوافع للتصعيد، من ناحية فإن أيدولوجيته الراديكالية معادية للغرب بطبيعتها، كما أنه يهوى حصر أي صراع في إطار ضيق جدًا ومن منظور إسلامي يعادي الكفار. وعليه فإنه سوف يبذل قصارى جهده في محاولة لإثبات ولائه لهذا التيار الإسلامي الذي ينتمي له ويقوده. 

ولكن لإمساك العصا من المنتصف فإنه سيحرص على أن يكون هذا التصعيد أقل من القدر الذي يستدعي فرض الاتحاد الأوروبي لعقوبات رادعة. وفي وقت يعاني فيه الاقتصاد التركي من أوضاع متدهورة للغاية فإن أردوغان سيحرص جدًا على أن يزيد من وتيرة تحركاته الخارجية لصرف الأنظار.

في سياق آخر فإن أنقرة تمتلك الكثير من الخيارات لاستفزاز الجانب اليوناني والتصعيد معه، ومنها اللعب على اتفاقيات المضائق، فقد نصت اتفاقية مونترو الموقعة عام 1936 على أن يكون مضيق البسفور ممرًا مائيًا دوليًا، ولكنها منحت لأنقرة الحق في تقييد مرور حركة السفن غير المطلة على البحر الأسود، مع الوضع في الاعتبار أن حوالي 3 ملايين برميل نفط و20 مليون طن منتجات بترولية تعبر المضيق في كل عام، ومن المرجح أن تزداد هذه الأرقام في المستقبل القريب. فضلًا عن أن هناك أكثر من 40 ألف سفينة عبرت المضيق في عام 2019 أثناء نقل ما يقرب من 650 مليون طن من البضائع، ولا شك أن هذا المستوى من حركة المرور ونقل البضائع يؤكد أن المضيق يتمتع بموقع دولي متميز فيما يتعلق بنقل البضائع مما يجعله واحدًا من أهم ممرات التجارة البحرية الدولية في العالم.

والمهم في هذا السياق أنه في عام 2019 شكلت حركة السفن اليونانية عبر المضيق 21% من حركة التجارة العالمية و53% من طاقة الاتحاد الأوروبي، وذلك بعبور 4936 سفينة تزيد حمولة الواحدة منها على ألف طن وبإجمالي حوالي 390 مليون طن.

بينما في عام 2018 مثلت السفن اليونانية 32% من إجمالي سعة الناقلات و23% من سفن البضائع الجافة و15% من طاقة المواد الكيماوية والمنتجات البترولية كما بلغ حجم الأموال التي يدرها ذلك على الاقتصاد اليوناني حوالي 16.6 مليار يورو، وبالتالي فإن أنقرة إذا أقدمت على فرض قيود على حركة السفن اليونانية فإنها ستوجه ضربة قاصمة إلى الاقتصاد اليوناني.

وحسب محللين فإن أنقرة لديها الحق في إغلاق مضيقها أمام السفن اليونانية بحجة التهديدات في بحر إيجة والبحر الأبيض المتوسط، وذلك استنادًا للمادة 20 من اتفاقية مونترو والتي تنص على أنه في حالة وجود تركيا في وضع حرب فإن أحكام الاتفاقية من البند العاشر للبند الثامن عشر لا تطبق ويُترك لأنقرة حرية التقدير الكاملة فيما يتعلق بعبور السفن من عدمه.

ويشير التقرير في هذا الموضع إلى تصريحات الجنرال المتقاعد “جهاد يايجي” حول أنه إذا قام الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على أنقرة فإنها تملتك عدة خيارات بخصوص عرقلة حركة الملاحة في المضيق.

ولكن هذا ليس صحيحًا بشكل كامل لأن فرض الاتحاد الأوروبي لعقوبات على تركيا لا يعني أن الأخيرة في حالة حرب ولا يتيح لها إمكانية إغلاق المضيق بالتبعية، وكما هو العرف المتبع في الاتفاقات الدولية فإن البنود تستند إلى مبدأ حسن النية، وبالتالي من غير المقبول أن تسيء تركيا استغلال البنود لمجرد أنها استندت لهذا المبدأ، ولا طائل على الإطلاق من قيامها بإغلاق المضيق على السفن اليونانية لمجرد أنها تمتلك علاقات متوترة في منطقتي إيجة والمتوسط.

وعلى هذا فإن تركيا ستعمل جاهدة للحفاظ على المستوى الأمثل من التوتر في بحر إيجة وهو الذي يضمن أن يكون التوتر “حارًا “بدرجة كافية لإبقاء الأتراك متحدين وراء أردوغان، ولكن حرارته في نفس الوقت لا تثير ردود فعل غربية عنيفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى