الانتخابات الأمريكية

السفير محمد سالم خلال ندوة بالمركز المصري للفكر: نظرة الولايات المتحدة للشرق الأوسط تغيرت والعالم على شفا حقبة جديدة

أكد السفير محمد أنيس سالم، منسق مجموعة عمل الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية بالمجلس المصري للشؤون الخارجية، أننا  في مصر يمكن لنا بقوة في الوقت الحالي في ظل رئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي أن نشكل مقاربة شجاعة بالتزامن مع قدوم إدارة أمريكية جديدة؛ مستشهداً بأن السيسي فتح ملفات كثيرة جداً حساسة وطرحها واتخذ مبادرة فيها وعاد لها أكثر من مرة واتخذ قراراتٍ كثيرة جداً كانت مطروحة علينا منذ زمن كنا مترددين في اتخاذها مثل قضايا تخص الاقتصاد المصري،العملة المصرية، وقناة السويس. 

جاء ذلك خلال ندوة عقدها المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، مساء اليوم الأحد، تحت عنوان “الانتخابات الأمريكية: النتائج والتداعيات في الشرق الأوسط”، قدمها الدكتور خالد عكاشة مدير المركز، وأدراها الأستاذ عزت إبراهيم رئيس وحدة الدراسات الإعلامية بالمركز، بحضور السفير محمد سالم متحدثًا رئيسيًا، وعدد من الباحثين في المركز.

وأوضح سالم أن العالم على شفا حقبة جديدة بعد انتخاب جو بايدن رئيسًا للولايات المتحدة، مشيرًا إلى أننا أمام رئيس جديد سيصاحب وجوده مجموعة من التغيرات المؤسسية والفكرية التي لابد من التعامل معها.  

وأشار السفير سالم إلى وجود ميراث تركه ترامب خلال الـ 4 سنوات الماضية، يتعلق جوهرة بالابتعاد عن أسس رئيسية ميزت الاستراتيجية الأمريكية خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ونهاية الحرب البادرة وسقوط الاتحاد السوفيتي، مشددًا على أهمية هذا الأمر بالنظر إلى حصول ترامب على أكثر من 70 مليون صوت في الانتخابات الأخيرة، وهذا يعني أن هناك حركة سياسية تؤيد هذا الاتجاه، وهو ما يطرح تحدي أمام بايدن الذي يقدم نفسه على أنه رئيس لكل الأمريكيين، حيث سيكون عليه ليس فقط تحقيق التوازن داخل الحزب الديمقراطي، ولكن التوازن مع تلك القوة التصويتية الكبيرة خاصة مع سيطرة الجمهوريين بشكل كبير على مجلس الشيوخ. 

وقدم سالم 5 ملاحظات بخصوص ميراث ترامب، وهي: 

  • الابتعاد عن المفاهيم العقائدية التي كانت تحكم السياسة الأمريكية مثل مبدأ كارتر ومبدأ ريجان وهكذا، حيث كانت الإدارات الأمريكية تقوم على مبادئ في بعض الملفات ومنها ما يتعلق بالشرق الأوسط.  
  • الابتعاد عن استخدام المؤسسات الأمريكية التي كان لها دورًا تقليديًا في صناعة السياسة الخارجية الامريكية، فضلًا عن الشخصيات السياسية التي يكون لها دور كبير في صياغة السياسة الخارجية، والاعتماد على أقاربه في إدارة ملفات خارجية.
  • مثَّل ترامب نوعًا من الانحياز الفج لأقصى اليمين الإسرائيلي، حيث إنه طرح مشروعات للحل تتوافق مع رؤية اليمين الإسرائيلي المتشدد، ومن ذلك قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها وتحريض إسرائيل على ضم أجزاء من الضفة الغربية، وهي خطوات نأت إدارات أمريكية سابقة ديمقراطية وجمهورية على حد سواء، بنفسها عنها. ومن تلك الممارسات عزم وزير الخارجية مايك بومبيو زيارة الجولان المحتل، على الرغم من أنها لن تحقق أي مكاسب سياسية لترامب الذي انصرف عنه اللوبي اليهودي وأعطى أصواتًا أكبر لبايدن.
  • تجاهل مؤسسات مثل المخابرات والبنتاجون ومراكز الأبحاث، ومهاجمتها علنًا، ومن ذلك قول ترامب إنه يصدق نظيره الروسي فلاديمير بوتين الذي أكد أن روسيا لم تتدخل في الانتخابات الرئاسية 2016 ورفضه لتحقيقات الـ CIA.
  • تصريحات ترامب غير المنضبطة، وتغريداته التي يهاجم فيها الصحفيين.

وأكد السفير محمد سالم أن بايدن سوف يعود لأصول صنع السياسية الخارجية الأمريكية التقليدية، والاعتماد على المؤسسات، ووضع استراتيجيات وأسلوب عمل للتعامل مع العالم الخارجي، مشيرًا إلى أن أحد أولوياته تتعلق بالعلاقات مع الكتلة الغربية وهو ما ظهر في إجراءه اتصالات مع 7 دول بما اليابان وكوريا الجنوبية خلال الأيام الماضية.

ولفت سالم إلى أن بادين سيضطر للتعامل مع مجموعة من الملفات والمشاكل التي تركها ترامب ومنها: قضايا الوضع الداخلي، ومسألة التعينات، وإعادة بناء التحالف الغربي الذي لاقى هجوم كبير من ترامب، وصل إلى حد اعتبار أن حلف الناتو لم يعد له دورًا.

وشدد السفير سالم على أن المشهد الشرق أوسطي في أعين الأمريكيين تغير، وظهرت العديد من التحليلات التي تناولت مسألة الشرق الأوسط بشكل جديد، حيث رأي البعض أن ظاهرة الحروب الممتدة في العالم العربي صعبت الطريق أمام الولايات المتحدة لتطبيق سياسة واضحة تجاه دول المنطقة، ورأى بعض آخر أن جميع محاولات الولايات المتحدة للتدخل والتأثير على الشرق الأوسط فشلت، ورأوا أن الولايات المتحدة يجب أن تكتفي بلعب دور الموازن الخارجي بحيث إنها لا تتدخل مباشرة في كل نزاع، إنما تلعب دور الموازن بين الأطراف المتصارعة في المنطقة، وهو ما لفت إليه الرئيس السابق باراك أوباما عندما تحدث عن ضرورة وجود توازن بين السعودية وايران.

وأكد سالم أن الشرق الأوسط لم تعد له تلك الأهمية التاريخية، فالولايات المتحدة لم تعد تحتاج لبترول العرب خاصة أن الجزء الأكبر منه يصدر للدول البازغة في آسيا التي تمثل تحديًا للولايات المتحدة، في مقابل ازدياد أهمية التحول نحو آسيا لمواجهة الصعود الصيني، فضلًا عن أن كل محاولات الولايات المتحدة لإقامة نظام أمن إقليمي في المنطقة، والتي كانت آخرها محاولة ترامب لإنشاء ناتو عربي، فشلت، وحتى تلك المساعي العربية لإقامة قوات عربية مشتركة أو قوات حفظ سلام عربية لم تتقدم بالدرجة الكافية.

وأشار سالم إلى أنه وبالنظر إلى الشرق الأوسط، فلا بد أن نترك هامشاً للمفاجآت، فعلى سبيل المثال كان الرئيس الأمركي الأسباق جورج بوش قد قرر عدم التدخل في الشرق الأوسط، إلا أن أحداث 11 سبتمبر قادته إلى التدخل هناك. وقد تكرر ذلك في مرات أخرى.

وأوضح السفير أن إدارة بايدن سيكون لها 3 دوافع لتدخلها في الشرق الأوسط وهم:

  1. منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وهو الهدف الإستراتيجي.
  2. تحجيم الإرهاب، والولايات امتحدة ناجحة إلى حد كبير في ذلك.
  3. المحافظة على تدفق النفط؛ حتى لا يحدث اضطراب في الاقتصاد والطاقة على المستوى العالمي.

ويشير السفير إلى أن محرك التنمية في المنطقة لا يزال هو سعر البترول، التحويلات للدول العربية، والمعونات من دول الخليج العربي، وهو ذو تأثير كبير جداً على الوضع الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة.

واستطرد السفير قائلاً إنه من المتوقع أن يتم التركيز بشكل أكبر على العمل الدبلوماسي لا العسكري، ولذا فليس هناك من تعجب في الاستمرار في نهج ترامب بشأن سحب القوات الأمريكية من المنطقة ومواصلة تسليح الدول، حيث إنه لا مانع من أن يستمر هذا الخط.

ويتوقع السفير ألا يكون هناك استثمار بثقل في مبادرات كبرى لحل القضية الفلسطينية أو السورية، لكن من الممكن أن تكون هناك بعض المحاولات لتشجيع التحرك نحو إيجاد حل في اليمن.

وأوضح السفير من جانب آخر أن مصر لديها فرصة للتعامل مع إدارة جديدة هي قريبة من الإدارات السابقة التي تعاملت معها، وأنه يجب الاستعداد جيداً لهذه الإدارة.

ورداً على سؤال حول تأثير العوامل الشخصية الخاصة بنوعية الوفدين الجدد في الإدارة الأمريكية القادمة، قال السفير محمد أنيس سالم، إنه ليس هنالك من شك في أن العوامل الشخصية تلعب دورها في عملية اتخاذ القرار، وفي الوقت نفسه لدينا مجموعة في الولايات المتحدة ممن عملوا مع إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما معروفين بمواقف معينة ومحددة التزموا بها، ولذا فإن فكرة القيم ستعود معنا في الإدارة الأمريكية الجديدة، واصفاً ذلك بأنها سمة مهمة في السياسة الخارجية الأمريكية في المدارس المختلفة بشأن السياسية الخارجية.

ودعا السفير إلى إعادة قراءة الفترة الزمنية والقرارات التي ارتبطت بهؤلاء الأشخاص والدقة في ذلك مشيراً إلى أن جهاز صنع السياسة الخارجية في الولايات المتحدة يتسم بالبراجماتية الشديدة. 

 وعلى الجانب الآخر، أشار سالم إلى أن هناك تغييراً مهماً في العاملين في هذا الجهاز، قائلاً إنه من الممكن أن يتغي الأشخاص بشكل كبير.

ودعا السفير إلى وضع إستراتيجية للتعامل وأن نُخرج الأوضاع الداخلية المصرية من أجندة الحديث مع القوى الخارجية، فمصر ليست أقل من أية دولة في العالم ذات ثقل. وعليه، يضيف السفير، لا يجب طرح الموضوعات المحلية المصرية في التعامل معهم. 

وبشأن حالة التوترات الجارية في الولايات المتحدة بالتزامن مع الانتخابات يقول السفير، إن الولايات المتحدة تمر بلحظة صعبة في بناء التوافق الجديد، فذلك سوف يأخذ بعض الوقت.

وحول مستقبل الاتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية وطالبان في ظل إدارة بايدن، قال السفير إن التوجه العام للسياسة الأمريكية لن يتغير، ألا وهو الانسحاب العسكري من الشرق الأوسط؛ لأن واشنطن لا تريد مزيداً من الضحايا بين الجنود وهو أمر يشكل تكلفة سياسية عالية.

وأوضح السفير أنه لتحقيق هذا الهدف، فقد تم التغاضي عن تطرف حركة طالبان لأسباب براجماتية. 

وفيما يخص مستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية في ظل إدارة بايدن المقبلة:

طرح السفير وجهة نظر قائلة بأن بايدن سيحاول تعديل لاتفاق النووي بحيث يشمل ملف الصواريخ الإيرانية والدور الإيراني الإقليمي، مرجحاً ألا يتم إدخال تغييرات كبيرة؛ لأنه ليس من الطبيعي أن يتم إعادة التفاوض في الاتفاقية كلها.

وأشار السفير إلى أنه يجب أن يكون هناك توافق عربي في هذا الصدد، مؤكداً أن بايدن سيعود في الغالب لقواعد السياسة الخاريجية الأمريكية من حيث وضع القدس لمباحثات الحل النهائي، الاعتراف بدور السلطة الفلسطينية، حل الدولتين ومعارضة المستعمرات، ومواصلة الدعم للأونروا وفتح مكتب للمنظمة في واشنطن. 

وردًا على سؤال بشأن الموقف الأمريكي من سد النهضة، أكد السفير محمد سالم أن موقف ترامب القوي من قضية سد النهضة انعكاس لنجاح دبلوماسي مصري، وهو يتمثل في عدة عناصر منها:

  • الوساطة الامريكية التي كلف بها وزير الخزانة ستيفن منوتشين، وهو أمر يعكس أيضًا الأسلوب غير التقليدي لترامب ولاقى اعتراض من الأجهزة الأمريكية التي رات انه من غير المناسب اسناد ملف يتعلق بالسياسة الخارجية إلى وزير الخزانة.
  • مساعدة مصر في اللجوء على مجلس الأمن، حيث إن روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا لم يكونوا متحمسين لتلك القضية، كما أن مندوبي إفريقيا في المجلس كانوا يفضلون الذهاب إلى الاتحاد الإفريقي، لكن الولايات المتحدة ساعدت في عقد تلك الجلسة.
  • تصريحات ترامب التي أخذت شكل غير تقليدي وعنيف.

وفي شأن موقف إدارة بايدن من قضية سد النهضة، أوضح سالم أن إثيوبيا استطاعت استقطاب جزء من تكوين الحزب الديمقراطي يطلق عليهم “اللوبي الأسود” وهم ممثلين بـ 55 شخصًا في الكونجرس، بمجموعة من الرسائل غير الدقيقة ذات الطابع الشعبوي تتعلق بأن الاتفاقيات التي تستند إليها مصر تعود إلى العصر الاستعماري وان إثيوبيا دولة فقيرة وتحتاج إلى التنمية، مشددًا على أن ذلك يتطلب من مصر تبني خطاب يوضح عدم اعتراضها على حق أثيوبيا في التنمية بما لا يتعارض مع حقوق مصر.

ولفت سالم إلى أن الولايات المتحدة قد لا تكون متحمسة للدخول في صدام مع قوة إفريقية مهمة لها تأثير إقليمي لصالح مصر، مشيرًا إلى أنه يجب على مصر تحديد طبيعة الدور الذي تطلبه من الولايات المتحدة في هذا الشأن ومدى كلفته واستعداد الولايات المتحدة لتحملها، والمقابل الذي قد تحصل عليه منه.

وردًا على سؤال بشأن مسار ملف رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، أكد سالم أن بايدن لن يتراجع عن الخطوات التي حققتها إدارة ترامب في هذا الشأن نظرًا لأن كلفتها السياسية ليست كبيرة والسودان لديه استعداد لدفعها كما ان صداها في الإقليم ليس كبيرًا، وقد يستكملها ترامب خلال الفترة المتبقية له داخل البيت الأبيض لأنه يسعى لوضع أسس في يعض القضايا لا يستطيع بايدن أن يحيد عنها.

وفي شان العلاقات مع روسيا والصين، أوضح سالم أنه في عودة بادين إلى الأسس الاستراتيجية التقليدية للولايات المتحدة سيرى الصين وروسيا كخصوم رئيسيين للولايات المتحدة، لكن هذا لا يمنع أن تكون هناك نقاط توافق بين واشنطن وموسكو خاصة فيما يتعلق باتفاقية ستارت، كما أن بايدن سوف يجد مجالات برجماتية للتعامل مع الصين لتفادي مواجهة مسلحة معها، وسوف يركز على إدارة الصعود الصيني بطريقة هادئة، وهذا لا يعني أن قضايا مثل هونج كونج والديمقراطية وحقوق الإنسان سوف تغيب عن العلاقات بين البلدين، فهي ستظل حاضرة لكن لن يترتب عليها صدام أو أزمات كبيرة.

أما فيما يتعلق بالتعامل مع التيارات الشعوبية، رأى سالم أن بادين سيعتمد على فكرة أن “الديمقراطية هي الحل”، حيث يوجد قواعد حاكمة داخل المجتمعات. 

 وبشأن الجدل بين المتابعین للشأن الأمريكي حول الانقسام الداخلي في الولايات المتحدة، أكد السفير أن ظروف الإعلام في العالم كله تجعل من الصعب إدارة الإعلام بطريقة مركزية، ولذا فهذا يقود إلى تعددية في الآراء والمواقف. 

وأشار سالم إلى أن الإعلام الاجتماعي أدخل الأخبار الزائفة، وعليه فإن الأمر يحتاج إلى فرز مستمر وتنشيط لآلة الإعلام. 

وأكد السفير أن آلة الإعلام المصرية قوية جداً ومؤثرة وأفادت التحليلات التي صدرت عن الباحثين المصريين الخاصة بالشأن الأمريكي العالم العربي كله،  ولذا فإن الدور المصري مهم.  

ودعا السفير محمد أنيس سالم في النهاية إلى تشكيل مواقف عربية مشتركة في ظل هذه الأجواء كالدول الأوربية، مؤكداً أن هذا ليس أمراً صعباً. 

 ودعا السفير إلى تشكيل طرح استراتيجي خاص بالشرق الأوسط عند الحديث مع واشنطن مستقبلاً. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى