أفريقيا

النزاع في إثيوبيا.. انعكاسات محتملة على الجوار الإقليمي

شكٌلت الأزمة المندلعة في الداخل الإثيوبي بإقليم التيجراي شمالي إثيوبيا، معضلة أمنية وسياسية على دول الجوار الجغرافي لإثيوبيا خاصة دول القرن الأفريقي، التي تتماس جغرافيًا مع تلك الدولة الحيوية في إقليم القرن الأفريقي، وما زاد الأمر تعقيدًا قيام الحكومة الفيدرالية بشن هجمات جوية على القوات الموالية للجبهة الشعبية لتحرير تيجراي منذ الرابع من نوفمبر الجاري، الأمر الذي ألقى بظلاله بتأثيرات سلبية على دول الجوار خاصة إريتريا والسودان.

ولعل النزاع المندلع في الآونة الأخيرة، ليس وليد اللحظة الراهنة، بل تشكٌل بصورة كبيرة منذ قدوم “آبي أحمد” للسلطة في عام 2018، وانتهاجه سياسات تهميشية لهذا الإقليم، وقد جاءت تلك التطورات بعدما رفضت جبهة تحرير تيجراي قرار تأجيل الانتخابات إثر تفشي وباء كورونا وقامت بإجراء انتخابات في الإقليم في سبتمبر (2020)، مما أوجدت أزمة حقيقية داخل الدولة، ولازم ذلك تعالي الأصوات المطالبة بالانفصال.

توترات أمنية ضاغطة على الجوار الإقليمي

منذ أن تم الإعلان عن شن ضربات جوية على أهداف محددة داخل إقليم تيجراي الإثيوبي، تشهد إثيوبيا حالة من التوتر الأمني، ولعل هذا ناجم عن حالة التصعيد والتصعيد المضاد داخل إثيوبيا من جانب الحكومة الفيدرالية وحكومة إقليم التيجراي، وقد تجلى ذلك بصورة كبيرة في ظل إعلان حكومة التيجراي بإعلان حالة الطوارئ للدفاع عن أمن وسيادة الشعب التيجراي مع اتخاذ كافة التدابير اللازمة حيال الكيانات أو الأشخاص غير المتعاونة.

ولا يقتصر التوتر الأمني فقط على الداخل الإثيوبي بل ينعكس بدوره ويمتد إلى الحدود مع السودان التي تعتبر أحد أهم دول القرن الأفريقي المتأثرة سلبًا بهذا الصراع، ويُشكل هذا النزاع ضغطًا أمنيًا على الحدود الإثيوبية السودانية، وذلك للطبيعة الجغرافية المتقاربة لإقليم تيجراي الإثيوبي وولاية كسلا السودانية، وهو الأمر الذي دفع الخرطوم إلى التوجه لإغلاق حدود ولايتي القضارف وكسلا الأقرب لإثيوبيا، وذلك في العاشر من نوفمبر الجاري.

وعلى الرغم من التحديات الأمنية المتعددة التي تواجه حكومة الخرطوم، تأتي حالة التصعيد الداخلي في أثيوبيا لتُشكل ضغطًا متزايدًا عليها، في ضوء الحدود الهشة بين الدولتين، مما جعل السودان ترسل تعزيزات عسكرية كبيرة شرق البلاد مع الحدود مع إريتريا وإثيوبيا، تحسبًا لانتقال المقاتلين الإثيوبيين داخل السودان، حيث تلعب التوترات الداخلية في إقليم تيجراي دورًا كبيرًا في زيادة المخاطر في شرق السودان الذي يتسم بالهشاشة الكبيرة خاصة في ظل حالة الاستقطاب الكبير بين المكونات الإثنية داخله.

واتصالًا بالسابق، ونتيجة حتمة لحالة التدهور الأمني الداخلي فقد باتت الحدود بيئة خصبة لتوافد المقاتلين والأسلحة، وهو ما تجلى فيما أعلنه الجيش السوداني في الرابع عشر من نوفمبر الجاري، عن إحباط الفرقة الثانية مشاة التابعة له لمحاولة لتهريب ذخائر وأسلحة إلى إقليم تيجراي بلغت نحو (95 ألف) طلقة من عيار (9ملي) إلى جانب كميات كبيرة من المخدرات.

أزمة إنسانية ممتدة

لا يقتصر التأثير المحتمل للصراع داخل أثيوبيا إلى البعد الأمني فقط، بل يمتد ليلقي بظلاله على الجوانب الإنسانية المختلفة والتي تتمثل في حالات للنزوح والضغط على الحدود السودانية بصورة كبيرة، وقد برز ذلك بشكل كبير خلال الأيام القليلة الماضية إذ أن نتائج الضربات العسكرية الموجهة من جانب الجيش الاتحادي على إقليم تيجراي إلى نزوح نحو 14500 مواطن إثيوبي إلى الداخل السوداني، وفقًا لما أعلنته المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الثالث عشر من نوفمبر الجاري، وهو ما يُشكل بدوره عبئًا كبيرًا على الجانب السوداني الذي يعاني من ركود اقتصادي.

فسكان المناطق المتقارب مع الحدود السودانية المنتمين للتيجراي يبلغ نحو 6 ملايين، ومع استمرار القصف الجوي من جانب قوات الجيش الإثيوبي على هذا الإقليم، يرجح بصورة كبيرة إلى تدفق مئات الآلاف من هؤلاء السكان إلى الأراضي السودانية.

وبالتالي فإن العمليات العسكرية أدت إلى نزوح الآلاف إلى العمق السوداني مما يُشكل ضغطًا آخر وتحديًا أمام حكومة السودان، وقد تؤول الأحداث إلى اندلاع احتكاكات إثنية داخل دول الجوار، خاصة وأن الخرطوم لا تزال تعاني من صراع سياسي ذي طبيعة قبلية.

إريتريا تحت دائرة الضوء

إن مسرح العمليات في إقليم تيجراي، وتحديدًا في منطقة حُمرا الإثيوبية، يُمثل نقطة رابطة بين المثلث الحدودي للسودان وإريتريا وإثيوبيا، حيث تقع تلك المنطقة بجوار منطقة “أم حجر” الإريترية ومدينة “حمداييت” السودانية، وهو بعد مكاني يتسم بالتداخل الديمغرافي بين إثيوبيا وإريتريا إلى جانب التدخلات الأثنية الكبيرة بينهما، وبالتالي يتيح بشكل كبير في سهولة تحرك العناصر المسلحة من وإلى إريتريا.

وقد بات الموقف الإريتري تجاه الإقليم واضحًا عقب قيام ولاية تيجراي بإجراء الانتخابات الداخلية، إذ أعلنت في بيان صادر في 31 من أكتوبر الماضي رفضها لتلك الانتخابات، وترى في حكومة تيجراي بأنها مهددة للسلامة والفيدرالية.

وعقب توقيع اتفاقية سلام بين إثيوبيا وإريتريا في يوليو 2018، والتي تعتبر إحدى دوائر الصراع مع إقليم تيجراي، يعزز فرص انحيازًا واضحًا من الحكومة الإريترية لصالح “آبي أحمد” في مواجهة جبهة تحرير التيجراي، خاصة في ظل تخوفات أسمرة من تصعيد هذا الإقليم للصراع مما يُشكل إرباكًا أمنيًا على الحدود المشتركة بينهما ويمثل جانبًا أخر من الضغط الأمني.

آبي أحمد وأفورقي يحتفلان بالعام الإثيوبي الجديد | أخبار سكاي نيوز عربية

إضافة للسابق، ربما تساهم تلك الأحداث في خلط الأوراق بين أسمرة وأديس أبابا، والعمل على إعادة النظر في استقلال إريتريا حيث تستهدف أديس أبابا في عودة إريتريا إليها تحت مظلة كونفدرالية لموقعها الجغرافي المطل على ميناء عصب الواقع على البحر الأحمر.

وتكمن التداعيات على إريتريا على صعيد الحدود وتفاقم التوتر الأمني، وذلك من جانب جبهة تحرير التيجراي التي تم تتسم بالعداء مع نظام الجبهة الشعبية الحاكمة في إريتريا بقيادة أفورقي، ولعل التوترات ربما تمتد إلى مثلث “بادمي” الذي تعتبره جبهة تيجراي إقليمًا إثيوبيًا وترفض عودته إلى السيادة الإريترية على خلفية.

ونتيجة للسابق؛ فإنه من المحتمل أن تتأثر إريتريا سلبًا في حالة استمرارية الصراع، خاصة في ظل اتهامات قيادات إقليم تيجراي لها لكونها جزءًا من الترتيبات ومحاور الاستهداف لهم من جانب الحكومة المركزية، وقد تجلى ذلك في التهديد الذي أطلقه رئيس إقليم التيجراي “دبرصيون قبرمكئيل” باستهداف العاصمة الإريترية في حال تدخل “أفورقي” لصالح الحكومة المركزية بأديس أبابا.

تحركات إقليمية للتهدئة وتعنت إثيوبي

إن بيئة الجوار الجغرافي لإثيوبيا، والمتمثلة في منطقة القرن الأفريقي، تجمعها الكثير من المصالح والقضايا ذات الاهتمام المشترك، فلا يمكن عزل الأحداث الأثيوبية عن محيطها الإقليم الذي يضر باستقرار تلك المنطقة الحيوية ويهدد مصالح دول الإقليم، لذا نجد أن هناك توجهًا متسارعًا نحو الوساطة الأفريقية لحل هذا الصراع.

ولعل تلك المساعي نابعة من استشعار البعض بأن ما يحدث في أثيوبيا يُفضي في نهاية المطاف إلى اندلاع حرب أهلية لا يحتملها الإقليم، وأن ذلك من شأنه أن يؤجج الصراعات الداخلية في السودان وإريتريا، خاصة في حال طول أمد الأزمة التي تخضع بصورة كبيرة للحسابات العسكرية والتي تتسم بالتعقد في بعدها الميداني، نظرًا للطبيعة الجغرافية لإقليم تيجراي، فضلًا عن امتلاك جبهة تحرير تيجراي للخبرات القتالية الكبيرة خاصة وأن كان لها دورًا كبيرًا في ظل الحرب بين إثيوبيا وإريتريا (1998-2000)، فضلًا عن قلة التمثيل العسكري للجيش الفيدرالي داخل الإقليم الذي يمتاز بتواجد قوات خاصة به، والتي تُقدر وفقًا لتقدير مجموعة الأزمات الدولية بنحو 250 ألف جندي، فضلًا عن سيطرتها على منظومة دفاع إثيوبية إلى جانب قطاع الشمال العسكري الذي يعتبر القطاع الرابع في الجيش الفيدرالي الإثيوبي إلى جانب والفرقة الخامسة مدرعات، التي يقدر تسليحها بحوالي 700 دبابة، وبالتالي فإن ميزان القوة الميداني يميل لصالح جبهة تحرير التيجراي، وهذا في مجمله يُنذر بأن هذا الصراع لن ينتهي سريعًا.

وقد تجلى ذلك من خلال عرض منظمة الهيئة الحكومية للتنمية بشرق أفريقيا “إيغاد” -التي تتخذ من جيبوتي مقرًا لها- المعنية بدول القرن الأفريقي إلى جانب عدد آخر من شرق أفريقيا، وكذلك الاتحاد الأفريقي لوساطتهما لحل ذلك الصراع الدائر، غير أن هناك تعنتًا من جانب رئيس الوزراء “آبي أحمد” تجاه محاولات الوساطة، بالتهديد من الانسحاب من منظمة الإيجاد في حالة توجهها لعقد قمة لفرض الوساطة مع جبهة تحرير تيجراي، حيث يرى أن الأمر لا بد أن يُحسم بصورة عسكرية.

ختامًا؛ لا شك أن تطورات الأوضاع في أثيوبيا لا تقتصر فقط على البعد الداخلي، بل تمثل ضغطًا كبيرًا على دول الجوار الإقليمي خاصة السودان وإريتريا، اللتين تشهدان حالة من الاضطرابات الداخلية الممتدة، فقد وضعت تلك الأزمة المستمرة منطقة القرن الأفريقي على وجه العموم وكلًا من السودان وإريتريا على وجه الخصوص أمام معضلة أمنية وسياسية جديدة لمواجهة الأبعاد والانعكاسات المحتملة لهذا الصراع من تنامي لتجارة الأسلحة واضطراب الحدود المختلفة، الأمر الذي يتطلب معه تحركًا قويًا من جانب القوى الإقليمية والدولية وعلى رأسها منظمة الإيجاد، لبحث التوصل لآلية سلمية لإنهاء حالة الصراع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى