سياسة

“سقارة”.. اكتشافات “متتالية و”معين للتاريخ لا ينضب”

أعلنت وزارة السياحة والآثار، اليوم السبت، أكبر كشف أثري خلال عام 2020 بمنطقة آثار سقارة، بحضور عدد كبير من سفراء الدول الأجنبية في مصر، ووسائل الإعلام العالمية والمحلية.

وذكرت البعثة الأثرية المصرية العاملة بمنطقة آثار سقارة، أن الحفائر أسفرت عن الكشف وعن أبار جديدة مدفون بها عدد ضخم من التوابيت الأدمية الملونة والمغلقة منذ أكثر من 2500 عام، والذي يفوق عددها عدد التوابيت التي تم العثور عليها والإعلان عنها في أوائل شهر أكتوبر الماضي.

وأسفر الكشف عن 100 تابوت، بحالة جيدة من الحفظ لكبار رجل الدولة، والكهنة من الأسرة الـ26، وذلك بعد استكمال الحفائر التي تم الإعلان عنها في شهر أكتوبر الماضي والتي أسفرت عن 59 تابوتا.

كما عثر على 40 تمثالا مختلفة الأحجام، عبارة عن تماثيل خشبية وأقنعة ملونة ومذهبة بحالة جيدة للغاية، كما أن التوابيت التي تم العثور عليها ملونة داخل آبار جديدة مدفون بها العدد الضخم الذي بلغ  الـ100 تابوت، بخلاف الـ 59 الذي تم اكتشافهم من قبل، بنفس المكان، لم يفتح على الإطلاق ومغلق منذ 2500 عام.

وقال الدكتور خالد العناني، وزير السياحة والآثار إن الوزارة تعلن للعام الثالث على التوالي كشفا أثريا كبيرا في منطقة آثار سقارة، والتي لم تبح تلك المنطقة سوي  عن ١% من كنوزها رغم كل هذه الاكتشافات.

وأوضح العناني، أن ما سيتم الإعلان عنه اليوم ليس نهاية الكشف، وان أعمال الحفائر مستمرة، وسوف يعلن عنها تباعًا.

جاء ذلك في اطار اهتمام الدولة المصرية بالملف الأثري بشكل متميز للغاية. خاصة في الملفات الخاصة بالحفاظ على تراث وآثار مصر وبناء وتطوير المتاحف، ففي خلال الاسبوع المنصرم فقط تم افتتاح ٣ متاحف هامة في محافظات شرم الشيخ وكفر الشيخ والقاهرة بتكلفة ما يقرب من مليار جنيه.

خطوات علي طريق الاكتشاف الاضخم

في اغسطس 2020, بدأ العمل في منطقة سقارة، ببعثة مصرية خالصة من الاثريين والمرممين الي جانب العمالة والحرفيين الذين عملوا تحت ظروف صعبة فرغم  انتشار جائحة كورونا في مختلف دول العالم الا ان العلماء المصريين لم يتوقفوا عن العمل ثانية واحدة، وتم الاستمرار في العمل مع تطبيق جميع الإجراءات الاحترازية لمنع تفشى الفيروس.

 وفي اكتوبر 2020, عقد الدكتور خالد العناني, مؤتمرًا صحفيًا عالميًا، لإعلان الكشف الأثري الجديد في منطقة سقارة الأثرية، الذي وصفته الوزارة بـ”الأضخم”. بعدما نجحت أعمال حفائر البعثة، في اكتشاف ثلاث آبار عميقة للدفن، بها عدد ضخم من التوابيت الآدمية مغلقة منذ أكثر من 2500 عام. وتشير الدراسات المبدئية إلى أن هذه التوابيت تنتمي الي الاسرة السادسة والعشرين وتخص مجموعة من الكهنة وكبار رجال الدولة والشخصيات المرموقة في المجتمع المصري آنذاك.

هذا بالإضافة الي  استخراج 59 تابوت، وما يتراوح بين 40 و 50 قطعة اثرية من التماثيل كما تم العثور علي  28 تمثالا خشبيا للإله بتاح سوكر وهو الاله الرئيسي لجبانة سقارة، بالإضافة الي عدد كبير من تماثيل الأوشابتي والتمائم (التي تمثل اضافة حماية اكبر للمومياء) وكذلك تمثالًا من البرونز للإله نفر توم ( اله الشفاء والجمال ) مطعم بالأحجار الكريمة.

وفي نوفمبر 2020, واستكمالًا لأعمال الحفائر في المنطقة تم الاعلان عن العثور  130 تمثالًا مختلف الأحجام، منهم عدد كبير مذهب، والعديد من اللقى والتماثيل الخشبية والأقنعة الملونة والمذهبة والتي تمتاز جميعها بحالتها الجيدة، كما تم استخراج 100 تابوت، بخلاف الـ59 الذى تم اكتشافهم من قبل، بنفس المكان.

أصداء عالمية للكشف الضخم

حظي الكشف الاضخم لعام 2020 في منطقة سقارة باهتمام دولي كبير, وتداولت الصحف العالمية اخبار المؤتمر الصحفي الذي اعدته الوزارة وحضره العديد من سفراء العالم وقاموا بالإشادة بالحدث عبر صفحاتهم الرسمية, حيث غرد سفير دولة نيوزيلندا عبر حسابه الرسمي على تويتر قائلا :”نتشرف بدعوتنا من قبل وزير السياحة والآثار خالد العناني إلى سقارة للإعلان عن اكتشاف مقبرة جديدة للمومياوات. رأيت واحدة يتم فتحها لأول مرة منذ 2600 عام! مدهش حقا!”.

وأعرب سفير دولة المكسيك عن سعادته بعملية فتح أحد التوابيت المكتشفة أمامه لأول مرة، كما غرد سفير دولة فرنسا واصفًا الكشف بأنه رائع وغير عادي.

ومن جانبه وجه سفير المملكة العربية السعودية، الشكر لدعوته لحضور الإعلان عن هذا الكشف العظيم وعلي المشاركة في هذه اللحظات التاريخية ومشاهدة التجربة المثيرة لفتح أحد التوابيت، واصفًا اليوم بالهام بالنسبة للاكتشافات الأثرية.

لماذا تُعد التوابيت الآدمية اكتشافًا مثيرًا ؟

قامت عقيدة المصريين القدماء بالأصل حول العالم الآخر والحياة الأبدية، و حملت التوابيت قدسية خاصة حيث اعتُبرت من أهم الضمانات الرئيسية التي تطلبها الحياة الأبدية بعد الموت لما تلعبه من دور  رئيسي في الحفاظ علي جسد المتوفي في العالم الاخر او ان تحل محله اذا تعرضت المومياء للتلف.

وقد بدأت فكرة التوابيت الآدمية منذ عصر الدولة القديمة، حيث قام الفنان بصناعة ما يُعرف بالرؤوس البديلة حتي يتسنى للروح التعرف علي الجسد التابع لها في العالم الاخر، وخلال الدولة الوسطى ومع نهاية الأسرة الثانية عشرة، ظهرت التوابيت الخشبية ذات الهيئة الآدمية، واستمر استخدامها في الدولة الحديثة.

 وخلال العصر المتأخر استمرت التوابيت الخشبية ذات الهيئة الآدمية، بالإضافة إلى ظهور الكارتوناج ( مادة كانت تستخدم قديماً في حفظ «المومياوات»، وأحيانا كانت توضع عليها صور لبعض المعبودات التي يعتقد أنها تقوم بحماية المومياء)  الذي أصبح ملازم للتوابيت الخشبية في أغلب الأحيان.

وتتمثل اهمية العثور علي التوابيت  المكتشفة مغلقة تمامًا و لم تُفتح منذ اكثر من 2500 عام ، في انها تتيح دراسة محتويات التوابيت كاملة، اذ حرص المصري القديم علي وضع كل ما يحتاج إليه في رحلته إلى الآخرة معه في حجرة الدفن، ما جعلها مطمعا للكثير من لصوص المقابر. لذلك قام بحماية مقبرته بكل الاساليب الممكنة, حيث استخدم الأبواب المنزلقة والسدادات الحجرية و أعدّ ممرات التمويه والأبواب السرية حتي انه لجأ إلى السحر كخط ثان للدفاع عن التابوت وحماية المقبرة ورغم ذلك فمعظم التوابيت المصرية لم تسلم من السرقة والنهب علي مر التاريخ.

كيف كانت الحياة بسقارة منذ 2500 عام؟

تعتبر منطقة سقارة من اغني واهم المناطق الاثرية في مصر وهي جزء هام من جبانة منف اول عاصمة لمصر القديمة حيث استقرت بها اول حكومة مركزية في التاريخ, وظلت عاصمة مصر الاولي خلال الدولة القديمة وعاصمتها الثانية بعد طيبة في الدولة الحديثة, وقد اشتق اسمها من اسم إله الموتى بالدولة القديمة الإله “سوكر” ، وتعتبر  المنطقة كتابًا مفتوحًا تطوي صفحاته قصة الحضارة المصرية القديمة عبر العصور المختلفة، وباعتبارها مدينة الموتى  فتميزت بانها  الجبانة الوحيدة في مصر,  التي تضم مقابر منذ بداية التاريخ المصري وحتى نهايته، بجانب احتوائها علي  اثار تنتمي الي الحقبتين اليونانية والرومانية.

ولطبيعة المكان الخاصة فقد احتوت المنطقة علي العديد من ورش صناعة التوابيت وورش التحنيط, حيث نجحت البعثة المصرية – الالمانية عام 2018, في الكشف عن ورشة كاملة للتحنيط ملحق بها حجرات للدفن بها مومياوات تعود إلى عصر الأسرتين السادسة والعشرين والسابعة والعشرين (664- 404 ق.م)، كما عثرت البعثة أيضا على قناع مومياء مذهب و مطعم بالأحجار الكريمة كان يغطى وجه أحد المومياوات الموجودة بأحد حجرات الدفن الملحقة، هذا بالإضافة إلى ثلاثة مومياوات و مجموعة من الأواني الكانوبية المصنوعة من الكالسيت( الألباستر المصري)، وعدد من تماثيل الأوشابتي، وأواني لحفظ زيوت التحنيط مكتوب عليها باللغة المصرية القديمة.

ولا تزال سقارة تدهشنا يومًا عن الاخر بأثارها وفيما يلي اهم اكتشافات المنطقة:

خبيئة الحيوانات المقدسة

كان اكتشاف خبيئة تماثيل ومومياوات للحيوانات والطيور المُقدّسة، بمنطقة سقارة, عام 2019 بمثابة متحف اثري اعاد للسياحة الاثرية في مصر رونقها, حيث ضم الكشف الأثري 25 صندوقاً لمومياوات من الحيوانات والطيور المقدسة، إضافة إلى تماثيل خشبية وبرونزية لآلهة مصرية قديمة.

مقبرة مايا مرضعة الملك توت عنخ امون

تعد مقبرة “مايا“,  واحدة من أجمل واشهر مقابر الدولة الحديثة، وهي عبارة عن ممر يؤدي إلى حجرة رئيسية، يظهر عليها نقش لاسم صاحبة المقبرة وصورتها وهي جالسة علي الكرسي الملكي وعلي حجرها يجلس الملك توت عنخ امون طفلًا.

وترجح المصادر  بأنها لم تكن مجرد مرضعة بل حظيت بمكانة أكبر، وأقرب الفروض هي أن “مايا” الأخت الكبرى للملك توت عنخ آمون وابنة اخناتون والتي تحمل اسم “ميريت آتون”, بسبب العثور على كسرة من الأواني الفخارية داخل المقبرة التي تم اكتشافها بجنوب مصر، وتحمل لقب “سيدة الحريم”. 

مقبرة خوي

نجحت البعثة المصرية في الكشف عن مقبرة فريدة من نوعها لشخص يدعى “خوى“، كان يشغل منصب النبيل لدى الملك  والمشرف علي القصر الملكي في أواخر عصر الأسرة الخامسة من الدولة القديمة، ويعد الكشف استكمالًا لإظهار أهمية فترة الملك جدكارع بصفة خاصة ونهاية الأسرة الخامسة بصفة عامة كما تم اختيار الكشف ضمن أحد أهم 10 اكتشافات أثرية لعام 2019، وتصنيفه الاكتشاف الأكثر جذبا للأنظار في عام 2019 من مجلة Archaeology Magazine .

مقبرة الكاهن واح- تي

اعلن عن كشف المقبرة في ديسمبر عام 2018, وهي مقبرة لأحد كبار الموظفين في عصر الأسرة الخامسة التي يرجع تاريخها إلى 4400 عام. وكان الكاهن واح-تي صاحب المقبرة يشغل منصب الكاهن المطهر والمشرف العام على القصور الملكية في عصر الفرعون “نفر-إير-كا-رع” ثالث ملوك الأسرة الفرعونية الخامسة. ترجع اهمية المقبرة الي أنها “لم تُمَس“، وعُثر داخلها على أكثر من 60 تمثالاً كاملاً منحوتا بالجبل بألوان زاهية ورسومات جيدة تعرض أنماط حياة المصري القديم وأنشطة حياته اليومية. اخيرًا, ورغم تلك الاكتشافات الهائلة والمثيرة, فقد صرح الدكتور زاهي حواس بان “التعداد السكاني لتلك المنطقة خلال الاسرة السادسة والعشرون بلغ حوالي اربعة ملايين نسمة, اي انه من المرجح وجود اكثر من مليون تابوت قد تم دفنه لم يُكتشف من هذا العدد الا اربعة الاف تابوت فقط , ما يؤكد ان هناك المزيد من الاكتشافات التي سوف يُعلن عنها يومًا بعد يوم, فلازال هناك  اكثر من 70 % من كنوز مصر في باطن الارض لم تُكتشف بعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى