تركيا

هل تشهد تركيا انتخابات مبكرة قبل 2023؟

تصاعدت في الآونة الأخيرة دعوات قادة المعارضة التركية أمثال كمال كليتشدار أوغلو رئيس حزب الشعب الجمهوري ونائبه أوغوز قان صاليجي، وعلي باباجان رئيس حزب الديمقراطية والتقدم التركي “ديفا”، وأحمد داود أوغلو رئيس الحزب المستقبل ونائبه سلجوق أوزداغ، وميرال أكشنار رئيسة حزب الخير، لإجراء انتخابات مبكرة قبل تلك المقررة رسميًا عام 2023، رغبةً منهم في إزاحة حزب العدالة والتنمية ورئيسه رجب طيب أردوغان عن سدة الحكم، لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه من صورة تركيا المتداعية خارجيًا، ووقف نزيف الهزائم الخارجية والخسائر الاقتصادية الداخلية الناجمة عن السياسة الفاشلة والمغامرات غير المحسوبة التي يخوضها أردوغان.

ويعتقد قطاع من المعارضة أن استقالة وزير المالية بيرات البيراق، خطوة نحو انهيار النظام التركي وتمهيد لإجراء انتخابات مبكرة. وعلى الصعيد الشعبي، ارتفعت نسبة مؤيدي الانتخابات المبكرة إلى 44.7% بحسب استطلاع رأي أجرته مؤسسة إسطنبول للأبحاث الاقتصادية في نوفمبر الجاري.

دوافع مشروعة

دفعت مجموعة من العوامل التي امتزجت بين كونها داخلية وخارجية قادة المعارضة إلى الدعوة لانتخابات مبكرة، ومنها:

• تفاقم الأزمة الاقتصادية: تشهد تركيا أزمة اقتصادية حادة، وصفها دورموش يلماز، المحافظ السابق للبنك المركزي، بأنها تكرار للأزمة المالية التي شهدتها البلاد عام 2001. ولعل المشهد الأحدث فيها هو إقالة محافظ البنك المركزي مراد أويصال وقبول استقالة وزير المالية بيرات البيراق، على إثر حالة من التداعي أصابت مجمل المؤشرات الاقتصادية؛ حيث تراجعت الليرة مقابل الدولار إلى مستوى قياسي هذا العام بنحو 30% مسجلة 7.82 دولار في وقت كتابة هذا التقرير، وكانت قد وصلت إلى أدنى قيمة لها في أكتوبر مسجلة نحو 8.3 دولار، وهو ما ينعكس على مؤشرات الاقتصاد الأخرى، كارتفاع معدلات التضخم التي بلغت نسبتها خلال العام الجاري 11.8%، وانخفاض معدل النمو، وزيادة البطالة، والفقر، وتراجع مستوى المعيشة، وهروب الاستثمارات إلى الخارج، وتوقف المشاريع الكبرى، وتراجع مستوى التصنيف الائتماني لتركيا من قبل الوكالات الدولية.

• تراجع الحقوق والحريات السياسية: وصلت الحريات وحقوق الإنسان في تركيا خلال عهد أردوغان إلى حالة يرثى لها، بحسب ما تكشفه لنا التقارير الصحفية ومراكز الأبحاث وتقارير المنظمات الدولية التي وصفت أحدها تركيا بـ “سجن الصحفيين الأكبر” في العالم، حيث شن أردوغان حملات الاعتقالات وراح يسكت الأصوات ويقصف أقلام كل من ينتقد حكمه ويصفهم بالإرهابيين، فعلى سبيل المثال، منذ الانقلاب الفاشل في يونيو 2016، تم فصل ما يقدر بنحو 150 ألف موظف حكومي، واعتقال أكثر من 50 ألف شخص، من بينهم العديد من قادة الجيش والجنود وضباط الشرطة والصحفيين والمحامين والأكاديميين والسياسيين الأكراد، وهم يلاقون أسوأ معاملة في السجون.

مغامرات أردوغان الخارجية: وسياسته الفاشلة وتدخلاته غير المشروعة في سوريا والعراق وليبيا وقرة باغ واليونان وقبرص وغيرهم، التي أدت إلى استنزاف الاقتصاد التركي، وفقدان أنقرة لحلفائها الدوليين.  

• الاستناد إلى سابقة الانتخابات المحلية الأخيرة: استطاعت المعارضة التركية أن تكسر شوكة حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية التي جرت في أبريل من العام الماضي 2019، بعدما أطاحت به في أكبر ثلاث مدن تركية هي؛ العاصمة أنقرة وإسطنبول وأزمير، إلى جانب عدد من المدن المهمة الأخرى مثل أضنة وأنطاليا ومرسين. وكانت خسارة منصب عمدة إسطنبول، الذي حسمه أكرم إمام أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض لصالحه بنسبة 54.2% من الأصوات مقابل 45% لمرشح حزب العدالة والتنمية بن علي يلدريم، ضربة مريرة لأردوغان، الذي كان رئيس بلدية إسطنبول في التسعينيات.

وتعول المعارضة التركية بشكل كبير على إمكانية تكرار تلك السابقة على الصعيد الوطني إذا ما جرت انتخابات جديدة. لكن يجدر بنا أن نشير في هذا السياق إلى أن أحزاب المعارضة ليست بالقوة المطلوبة التي تمكنها من إزاحة حزب العدالة والتنمية من المشهد السياسي تمامًا، وكل ما يُمكن أن تحققه في الوقت الراهن هو تقليص الفرص الممنوحة له وتقليل هيمنته على الساحة الداخلية وحرمانه من الترويج لفكرة وجود تأييد واسع من الشارع التركي لسياسة أردوغان داخليًا وخارجيًا. 

رفض رسمي

حتى الآن يرفض أردوغان وشريكه في التحالف الحكومي، حزب الحركة القومية، المطالبات بإجراء انتخابات مبكرة، معتبرًا أن هذا لا يحدث إلا في الدول القبلية، ومشددًا على أن الانتخابات ستجري في موعدها المقرر عام 2023، ويرجع هذا الموقف المتشدد إلى بعض العوامل، نذكر منها:

• حالة الضعف والانقسامات في حزب العدالة والتنمية وشريكه اليميني الحركة القومية: يعاني حزب العدالة والتنمية الحاكم من تراجع في حجم التأييد الذي يحظى به على المستوى الشعبي، جنبًا إلى جنب مع حالة من التفكك على مستوى القاعدة والنخبة السياسية، تجلت في انشقاق عدد من كوادر الحزب وتأسيس أحزاب جديدة، وهو ما سيؤثر بالطبع على فرص فوزه في أي انتخابات مقبلة.

وامتدت عدوى الانشقاقات إلى شريكة في الائتلاف الحاكم حزب الحركة القومية اليميني المتطرف بزعامة دولت بهتشلي، تجلت أبرز ملامحها في انشقاق أبرز كوادره ومنهم ميرال أكشينار في 25 أكتوبر 2017 وتأسيسها لحزب الخير، ونائب مدينة إسبرطة نوري أوكوتان، ونائب غازي عنتاب أوميت أوزضاغ، ونائب باليك أسير، إسماعيل أوك، ووزير الدولة السابق آيفر يلماز، وغيرهم.، متهمين بهتشلي بالتحول إلى دمية يحركها أردوغان، هذا إلى جانب تآكل قواعده الشعبية أيضًا. لذلك يخشى بهتشلي –لسان حالة الحكومة التركية في الإعلان عن الانتخابات المبكرة- أن يخسر حزبه نصيبه في البرلمان إذا ما جرت أي انتخابات مبكرة، وهو ما يفسر رفضه لتلك الفكرة في الوقت الراهن.

تراجع شعبية الرئيس التركي: يدرك أردوغان حالة السخط الشعبي داخل المجتمع التركي ضد سياسته الداخلية والخارجية، يضاف إلى هذا الغضب المتصاعد داخل المكون الكردي جراء سياسة أردوغان الإقصائية لنوابه في البرلمان ورؤساء البلديات المنتخبين من الأكراد، وهو أمر لم يضعف من حزب الشعوب الديمقراطي المعارض.

الخشية من تكرار سيناريو انتخابات 2019: تثير النقطتان السابق الإشارة إليهما خوفًا مبررًا لدى النظام التركي وحلفائه السياسيين من تلقي هزيمة ساحقة على غرار تلك التي تلقوها في الانتخابات المحلية 2019، خاصة مع تصاعد الحديث عن إمكانية منافسة أكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول، لأردوغان في أي انتخابات رئاسية مقبلة، في ظل الشعبية الكبيرة التي يتمتع بها.

لا تزال خيارًا مطروحًا

في الواقع، لا يزال سيناريو الانتخابات المبكرة مطروحًا بقوة، ليس استنادًا إلى التجارب التاريخية فحسب، بل نظرًا لوجود مجموعة من الدوافع التي نعتقد أن توافر أحدها أو أكثر قد يدفع بأردوغان إلى هذا المسار في محاولة لكسب المزيد من النقاط داخليًا وخارجيًا، وتدعيم موقفه على الساحة العالمية في مواجهة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة –خاصة بعد فوز الديمقراطي جو بايدن بالرئاسة الأمريكية. ومن ذلك:       

• محاولة اقتناص فترة رئاسية ثالثة: إن الدعوة لانتخابات مبكرة هي الطريقة الوحيدة بموجب الدستور التركي (المادة 116 الفقرة 3) التي يُمكن من خلالها للرئيس الذي قضى فترتين في الحكم أن يترشح لولاية ثالثة. وقد انتخب أردوغان رئيسًا للمرة الأولى في 2014 ثم أعيد انتخابه في الانتخابات المبكرة التي جرت في يونيو 2018، وبالتالي فإنه لا يجوز له الترشح إذا ما جرت الانتخابات التالية في الموعد المقرر لها 2023.  

وهنا تبرز أهمية الانتخابات المبكرة للرئيس الذي يسعى لاستمرار قبضته على السلطة أطول فترة ممكنة، لكن المعضلة تكمن في أن الدعوة لانتخابات مبكرة تتطلب موافقة ثلثي أعضاء البرلمان، أي 360 نائبًا، وإذا حاول الهروب من هذا المأزق عبر إجراء تعديلات دستورية تتيح له البقاء في السلطة لفترة ثالثة فإنه سيحتاج أيضًا موافقة ثلثي الأعضاء لتمريرها، وهذا يعني أن الحكومة التركية يجب أن تقنع 20 نائبًا معارضًا بالتصويت لهذا القرار حتى تتمكن من الوفاء بالنسبة المنصوص عليها في المادة 116 من الدستور. وهو ما قد يلبيه نواب حزب الشعب الجمهوري ليس تأييدًا لأردوغان وإنما طمعًا في الخروج بأي مكاسب سياسية إذا ما جرت انتخابات مبكرة، في ظل السخط الشعبي على أردوغان نظرًا للأوضاع الاقتصادية السيئة، وهو ما يترجمه الحزب إلى مزيد من الأصوات لصالحه.

• ضمان فرص جيدة للنصر: على الرغم من حالة الضعف التي تعتري حزب العدالة والتنمية الحاكم، إلا أن هذا لا يعني الدفع به خارج المنافسة تمامًا فهو مازال يتصدر المشهد الحزبي من حيث نسبة التأييد وإن كانت قد تراجعت بشكل كبير، وإنما المقصود هنا هو تقليص فرصه إلى الحد الأدنى، بحيث يفشل في تشكيل حكومة منفردًا، وبالتالي تظهر الحاجة إلى الدخول في تحالفات كما هو الحال في انتخابات 2018 التي حصل فيها على 42% فقط من الأصوات. ومن المتوقع أن تتراجع تلك النسبة في أي انتخابات مقبلة إذا ما توفرت لها محددات النزاهة والشفافية.

فبحسب استطلاع رأي أجرته شركة “أوراسيا ريسيرش”، في أكتوبر الماضي، قال 32.5% فقط من الناخبين أنهم سيمنحون صوتهم لحزب العدالة والتنمية إذا ما أجريت انتخابات بشكل فوري، فيما حصل حزب الشعوب الجمهوري وتحالف الأمة (يضم 4 أحزاب معارضة) على 32.2% وهي نسبة متقاربة جدًا تكشف حجم المأزق الذي يبدو فيه أردوغان وحزبه.

وبالتالي فإن قرار إجراء انتخابات مبكرة في وضع كهذا، قد يكون مغامرة غير محسوبة، ولا يُمكن اللجوء إليها إلا في حالة نجاح الحزب في تأمين مستوى من التحالفات يضمن له الاستمرار في السلطة، أو أن ينجح أردوغان في تحقيق تقدم سياسي بارز، في أحد قضايا الخارج تمكنه من استعادة جزء من شعبيته المفقودة داخليًا.

• كسب شرعية على الساحة الدولية: استطاع أردوغان بجدارة أن يصل بتركيا من سياسة “صفر مشاكل” التي انهجتها طوال العقد الماضي، إلى سياسة “حافة الهاوية” مع كل حلفائه من العرب والغرب على السواء. وكان لأحلامه الواهية باستعادة الإمبراطورية العثمانية ومشروع الوطن الأزرق، اللذين دفعاه للتمدد بريًا وبحريًا بشكل يمثل اعتداء على سيادة دول مثل العراق وسوريا واليونان، بالغ الأثر في فقدانه لحلفائه الدوليين.

وهكذا بدا أردوغان وحيدًا على الساحة العربية والدولية؛ فقد أدت سياساته العدائية في الشرق الأوسط المتمثلة في التدخل في شؤون دوله الداخلية ودعم الجماعات الإرهابية وعلى رأسها جماعة الإخوان، واحتلال أجزاء من الشمال السوري والعراقي، ودعم الميليشيات المسلحة الليبية المناهضة لإقامة دولة وطنية موحدة، وتهديد أمن الخليج عبر ترسيخ وجود عسكري دائم في قطر، إلى خسارة علاقات بلاده مع كل الدول العربية تقريبًا، بما في ذلك مصر والسعودية، صاحبا الثقل الأكبر عربيًا، ولم يبق له سوى قطر والصومال وحكومة الوفاق الوطني الليبية.

وقد أدت تلك الممارسات إلى جانب أخرى كالتهديد الدائم بورقة اللاجئين، واستمرار الاستفزازات في شرق المتوسط ومحاولات التنقيب عن الغاز في مناطق تخضع للسيادة اليونانية، ومحاولات التمدد في دول إفريقية تدخل تقليديًا ضمن مناطق النفوذ الفرنسي كمنطقة الساحل والصحراء، والعمل على نشر المتطرفين والجواسيس في أوروبا عبر منظمة “ديانيت” و”الذئاب الرمادية”، والهجوم الذي شنه أردوغان مؤخرًا ضد فرنسا ورئيسها ماكرون الذي وصفه بـ “المختل عقليًا”، والانخراط في الحرب الأرمنية-الأذرية إلى جانب الأخيرة، كل هذا أدى إلى خسارة أنقرة شركائها التقليديين في الاتحاد الأوروبي، التي كانت تسعى يومًا إلى الحصول على عضويته.  

كذلك فقد أردوغان حليفه في البيت الأبيض دونالد ترامب، الذي ساهم بصمته على ممارسات أنقرة في إطلاق يدها تعبث في كل حدب وصوب، بل إنه بدا في بعض الأحيان وكأنه يدعمها ومن ذلك إعلانه مرتين انسحاب القوات الأمريكية من سوريا بعد مكالمات هاتفية مع نظيره التركي، كذلك معارضته لفرض عقوبات على أنقرة على خلفية شرائها نظام الدفاعي الجوي الروسي “S-400”، متحديًا في ذلك رغبة الكونجرس، فضلًا عن محاولته إفشال التحقيق في انتهاك بنك خلق التركي للعقوبات على إيران.

لذلك قد يجد أردوغان في سيناريو انتخابات مبكرة يقتنص من خلالها فترة رئاسية ثالثة فرصة مناسبة لتجديد شرعيته، يخرج منها بمظهر الزعيم الذي يحظى بثقة شعبه في قدرته على أحياء ماضي بلاده والمضي قدمًا إلى آفاق المستقبل، كما أنها تحمل تأييد ضمني لسياسته الخارجية، وهي كلها عناصر قوة سوف يحتاج للاستناد إليها في أي مفاوضات على الصعيد الدولي. 

“بايدن” وإمكانية الانتخابات المبكرة

طرحت نتائج الانتخابات الأمريكية هذا السؤال بشدة داخل الأوساط البحثية في محاولة لاستشراف طبيعة العلاقة بين الرئيس التركي وإدارة بادين الجديدة. ويخشى أردوغان من أن يزعزع مجيء بايدن إلى البيت الأبيض عرشه، خاصة بعدما كشف الأخير خلال مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز في يناير 2020 عن نيته دعم قادة المعارضة للإطاحة به. 

وفي هذا السياق، لا يجب أن نتغافل عن وجود زعيم حركة الخدمة، فتح الله جولن، في الولايات المتحدة، وهو ما يُمكن أن يمثل ورقة ضغط إضافية على أردوغان، في ظل تواصل محتمل بين الجانبين، قد يصل إلى حد تقديم الدعم له. وكانت إدارة ترامب قد رفضت مطالبات عدة من أردوغان لتسليم جولن الذي اتهمه بالتورط في الانقلاب الفاشل عام 2016.

وعلى أي حال، يبدو أن إدارة بايدن ستتخذ نمطًا متشددًا تجاه أردوغان، وهو ما يتجلى في إدانته لتصرفات أنقرة في سوريا وشرق المتوسط وجنوب القوقاز، وتهديده بجعل أردوغان يدفع ثمنًا باهظًا، ومن المرجح أن تنضم إدارته إلى الاتحاد الأوروبي في مقاومة أنشطة التنقيب غير القانونية في شرق المتوسط، كذلك الضغط على تركيا بشأن شرائها نظام الدفاع الصاروخي الروسي “S-400” وتدخلها في الصراع بين أرمينيا وأذربيجان.

ليس هذا فقط، بل أن عناصر إدارته المحتملون يتبنون مواقف معادية لأردوغان، فمن المتوقع أن تشغل وكيل وزارة الدفاع الأمريكية للشؤون السياسية السابقة ميشيل فلورنوي ومستشارة الأمن القومي السابقة سوزان رايس ونائب وزير الخارجية السابق أنتوني بلينكين، مناصب عليا في حكومة بايدن، وجميعهم يشاركون أراء مناهضة لأنقرة، حيث وصفت رايس تركيا بأنها “ذئب جائع” يسعى لقتل الأكراد السوريين، كما طالب بلينكن، في مقال بصحيفة نيويورك تايمز 2017 الولايات المتحدة بمواصلة تسليح الأكراد، فضلًا عن وجود معارضة بالإجماع بشأن شراء تركيا لنظام “S-400”. 

ويضاعف من صعوبة موقف أردوغان أن الكونجرس يتبنى موقفًا مناهضًا له حتى من قبل الأعضاء الجمهوريين، من حيث معارضة الغزو التركي لشمال سوريا وشراء “S-400”.

ترتيبًا على ما سبق، من المتوقع أن تتعرض تركيا لضغوط أمريكية كبيرة خلال الفترة القادمة، وسيكون أمام رئيسها أحد خيارين، هما:

  • إدارة العلاقات مع واشنطن واستخدام التقارب مع روسيا كورقة ضغط أو مساومة في بعض الملفات، وصرف النظر عن فكرة الانتخابات المبكرة لما تحمله من مخاطر قد تهدد بقاءه 3 سنوات أخرى على الأقل في السلطة، خاصة في ظل العوامل السابق الإشارة لها، والاكتفاء بفترتين رئاسيتين أو السعي للتوصل إلى تفاهمات داخلية –رغم صعوبتها- لإجراء تعديل دستوري ما يتيح له البقاء لما بعد 2023.
  • أو القفز إلى سيناريو الانتخابات المبكرة لتجديد شرعيته، واستباق أي عقوبات أمريكية محتملة قد تؤدي إلى مزيد من التراجع في شعبيته، وتمكنه من استخدام شعارات كـ “إرادة الشعب التركي” و”رفض التدخل الخارجي” و”رفض التدخل الأمريكي”، لتبرير تحركاته الخارجية غير القانونية أو المشروعة. ومن الممكن في هذه الحالة أن يستدعي أردوغان الحس الوطني والقومي والترويج لفكرة الدفاع عن سيادة واستقلال تركيا في مواجهة التدخلات الأمريكية، لكسب المعارضة إلى صفه، وهو أمر قد يجد استجابة منهم في ظل رفضهم لتصريح سابق لبايدن بشأن رغبته في دعم قادة المعارضة في وجه أردوغان معتبر ذلك تدخلًا مرفوضًا في الشأن الداخلي التركي. 

في الأخير، من غير المتوقع أن يلجأ أردوغان إلى سيناريو الانتخابات المبكرة على المدى القصير نظرًا للعوامل السالف الإشارة لها والتي تقلص من احتمالية حصول حزبه على الأغلبية وتظهر مدى التداعي الذي لحق بشعبيته، لكن هذا المسار غير مستبعد أن يتم اللجوء إليه قبل 2023 إذا تهيأت الظروف بغرض اقتناص فترة رئاسية ثالثة، فأردوغان الذي تصدر المشهد السياسي التركي على مدار 17 عامًا رئيسًا للوزراء ثم رئيسًا للجمهورية وقبلهما رئيس بلدية إسطنبول، لا يبدو أنه سيتخلى عن مكانته داخل النظام بسهولة. لكن على كلٍ، أيًا كان المبرر أو الحجة التي سيسوقها النظام التركي لإجراء انتخابات مبكرة فإنها لن تنطلي على الشعب الذي يدرك جيدًا أن الغرض الأول والأخير هو محاولة تمديد بقائه في السلطة أطول فترة ممكنة. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى