سياسة

قراءة في تقارير منظمات المجتمع المدني عن انتخابات مجلس النواب

عانت مصر لعقود طويلة من وصمات فساد العملية الانتخابية، وعدم حياد أجهزة الدولة وانحيازها لمرشحي الحزب الحاكم، والتشكيك في النتائج ورفض إعلان نجاح مرشحي المعارضة. وظلت تلك الاتهامات تلاحق الدولة المصرية لسنوات وكانت سببًا من أسباب اندلاع أحداث 25 يناير عام 2011، والتي كانت بمثابة خط النهاية بين حقبة وحقبة أخرى في العمل السياسي.

فمنذ ذلك التوقيت شهدت المؤسسات الدولية بأن مصر ودّعت نهائيًا عمليات التزوير في الانتخابات، وقامت بإصلاحات عديدة في النظام الانتخابي لتضمن سلامة ونزاهة الإجراءات، وهو ما يمهد لاستعادة ثقة المواطنين في العملية الانتخابية. وكان أهمها إنشاء الهيئة الوطنية للانتخابات والسماح لمنظمات حقوق الانسان والمجتمع المدنى المصرية والدولية بمتابعة العملية الانتخابية.

ولقد اعتبرت الأمم المتحدة المتابعة الدولية للانتخابات آلية من الآليات المهمة لضمان نزاهة الانتخابات وتعزيز مصداقيتها، وزيادة ثقة الناخبين في العملية الانتخابية ونتائجها، كما تعكس اهتمام الحكومات بتحقيق انتخابات ديمقراطية من خلال رصدها للمخالفات وإصدار التوصيات لتقييم وتحسين العملية الانتخابية، وهو ما يعد مؤشرًا مهمًا على رغبة الدولة المعنية في تحسين العملية الانتخابية.

ويتصدى لعملية المتابعة الأحزاب السياسية ووسائل الإعلام والمواطنون والمراقبون المحليون والدوليون، وتعتمد العملية بالاساس على متابعة خضوع الاطراف الفاعلة في العملية الانتخابية إلى مبدأ المحاسبة، والتأكد من شفافية وعدالة الإجراءات الانتخابية، وضمان الالتزام بالإطار القانوني من قبل جميع المشاركين فيها.

مدونة سلوك دولية لمراقبة الانتخابات

وضعت المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات عام 1997″مدونة قواعد السلوك الأخلاقية والمهنية لمراقبة الانتخابات”، وحددت فيها المعايير الخاصة بالمراقبين على الانتخابات وهي: 

–  احترام سيادة الدولة وقوانينها والإطار القانوني للانتخابات فيها.

– الحصول على وثائق الاعتماد الرسمية قبل دخول المواقع الانتخابية.

– مراقبة ومتابعة الانتخابات بمهنية وحيادية وبشكل لا يعيق العملية الانتخابية.

– عدم التدخل إلا عند ملاحظتهم لأية مخالفة أو تجاهل للقانون أو الإجراءات الانتخابية.

– الإفصاح عن أهداف عملية الرقابة، وتقديم التقارير حول نشاطاتهم مع مختلف الفاعلين السياسيين، ووسائل الإعلام والجمهور بشكل عام.

–   إعداد تقارير تتسم بالدقة وعدم المبالغة، وذلك بعد مراقبة ما يكفي من مجريات العملية الانتخابية وزيارة عدد كاف من مواقع الاقتراع للتحقق من أن التقرير يعكس الواقع على حقيقته.

وأشارت المؤسسة إلى أهمية تقارير مراقبة الانتخابات ووصولها إلى الجمهور، وترى أن ذلك الإجراء يجعل من العملية الانتخابية أكثر شفافية، ويبني مصداقية وشرعية للنتائج، ويزيد من ثقة الجمهور في القرارات التي تتخذها هيئة إدارة الانتخابات وأنها متوافقة مع القوانين والإجراءات المنظمة للعملية الانتخابية.

تعاون الهيئة الوطنية للانتخابات مع فرق المتابعة

قامت الهيئة الوطنية للانتخابات بالموافقة على المتابعة المحلية والدولية للانتخابات المصرية، وشهدت انتخابات مجلسي الشيوخ والنواب وجودًا لمراقبين محليين في غالبية لجان الانتخابات بالمحافظات المختلفة، فضلا عن مراقبي المجلس القومي لحقوق الإنسان.

وأعدت الهيئة الوطنية للانتخابات قاعدة بيانات بأسماء المنظمات التى تتابع العملية الانتخابية، وضعت فيها أسماء 63 جمعية ومؤسسة حقوقية مصرية طلبت متابعة الانتخابات، وأصدرت الهيئة الوطنية مئات التصاريح للمراقبين والتى تسمح لهم بمتابعة العملية الانتخابية في داخل ومحيط اللجان الانتخابية والاطلاع عن قرب على مجريات العملية الانتخابية.

فيما بلغ عدد المراسلين الأجانب الذين قاموا بتغطية الانتخابات المصرية 570 مراسلًا يمثلون 166مؤسسة إعلامية، وتم اعتمادهم بقاعدة بيانات الهيئة الوطنية للانتخابات، وتم استخراج تصاريح التغطية الإعلامية لهم لمتابعة سير العملية الانتخابية من داخل اللجان وخارجها.

وتابعت 14 منظمة دولية غير حكومية من دول أوروبية وأفريقية، ووقعت الهيئة الوطنية للانتخابات مذكرة تفاهم مع جامعة الدول العربية حول حقوق وواجبات متابعي بعثة الجامعة لمتابعة الاستحقاقات الانتخابية المصرية وتسهيل مهمتهم وإجراء الاتصالات الضرورية والحصول على المعلومات والبيانات ذات الصلة بالعملية الانتخابية.

واستقبل المستشار لاشين إبراهيم نائب رئيس محكمة النقض ورئيس الهيئة الوطنية للانتخابات البعثة الدولية المشتركة لمتابعة انتخابات مجلس النواب 2020. وضم الوفد متابعين دوليين من فرنسا وأرمينيا وكينيا وأوغندا، والذين أشادوا بجهود الهيئة الوطنية للانتخابات في إدارة وتنظيم العملية الانتخابية في المرحلتين الأولى والثانية، في ظل تحدي فيروس كورونا.

واستعرض المستشار لاشين إبراهيم كافة القوانين والقرارات التي أصدرتها الهيئة في سبيل إتمام عمليات الاقتراع والفرز سواء في الجولة الأولى من المرحلة الأولى لانتخابات مجلس النواب أو في الجولة الأولى من المرحلة الثانية من ذات الانتخابات، وذلك وسط إجراءات احترازية مشددة للوقاية من انتشار فيروس كورونا.

وأشار إبراهيم إلى التزام الهيئة بكافة المعايير الدولية لضمان نزاهة وشفافية الانتخابات؛ إذ خصصت قاضيًا على كل صندوق، واتبعت وسائل الحماية من كورونا خاصة في الظروف الاستثنائية التي يمر بها العالم من انتشار جائحة كورونا حيث ألزمت جميع أطراف العملية الانتخابية بارتداء الكمامات الطبية مع توفير الكمامات مجانية للناخبين لمن لا يحملها، والحفاظ على مسافات التباعد الاجتماعي بين الناخبين وبعضهم البعض بمسافات لا تقل عن متر ونصف المتر، وقامت بتعقيم اللجان الفرعية في يومي التصويت قبل وبعد الاقتراع.

ملاحظات التقارير الأولية

في تقريرها المبدئي، أشارت البعثة الدولية إلى وجود توافق بين القوانين المصرية والقرارات الصادرة من الهيئة الوطنية للانتخابات مع المعايير الدولية لحرية ونزاهة الانتخابات، لافتة إلى أن اللجان الانتخابية فتحت أبوابها للناخبين في المواعيد الرسمية ولم تتلق غرفة العمليات أية شكاوى بخصوص تأخر فتح اللجان أو منع أي ناخب من التصويت.

وأكدت البعثة توافر كل الأدوات الخاصة بالعملية الانتخابية، (الصناديق الشفافة – الساتر – أوراق الاقتراع – الجداول الانتخابية)، ووجود قدر كبير من الالتزام بالإجراءات الاحترازية للوقاية من فيروس كورونا، ما ساهم في تجاوز مصر عقبة كورونا وتم التغلب على التحديات وإجراء الاستحقاق الانتخابي بشكل جيد، باستثناء بعض الناخبين لم يلتزموا بارتداء الكمامات وضوابط التباعد.

أشادت البِعثة الدولية المشتركة لمتابعة انتخابات مجلس النواب بمستوى التعامل الجيد من قبل القضاة وموظفي اللجان الانتخابية للمتابعين، حيث قوبل أعضاء البعثة بترحاب شديد ومارسوا دورهم في أعمال المتابعة دون عوائق.

ولاحظت البِعثة تزايد معدلات الإقبال والمشاركة من الناخبين في عدد من المحافظات مثل (القاهرة – المنوفية – الشرقية – شمال سيناء) وخاصة خلال اليوم الثاني من التصويت، مشيدة بمشاركة المرأة المصرية، مؤكدة أن رجال الأمن المنوط بهم حماية مقار الاقتراع قد أداروا العملية باحترافية، دون وجود ما يؤثر على سلامة التصويت، ودون وقوع أعمال عنف تعرقل العملية الانتخابية.

وبحسب تصريحات أدلى بها أحد المراقبين الدوليين لهيئة الإذاعة البريطانية أكد فيها سير عملية تنظيم الانتخابات بشكل جيد وأنه قد سُمح له بزيارة أكثر من مكان وألمح إلى ملمح إيجابي وهو اختفاء مخالفات الإجراءات الاحترازية الخاصة بفيروس كورونا مقارنة بالجولة الأولى للانتخابات، مشيدا بوجود التزام كبير داخل اللجان فيما يتعلق بكورونا.

نتائج المتابعة المحلية

أما بالنسبة للمراقبة المحلية فقد برز التحالف المصرى لحقوق الانسان والتنمية والذي تقوده مؤسسة ملتقى الحوار للتنمية وحقوق الانسان والذي أصدر تقريرًا حول العملية الانتخابية أكد فيه تطور العملية الانتخابية في البلاد، منذ إنشاء الهيئة الوطنية للانتخابات التي باتت تشرف إشرافًا كاملًا على العملية برمتها، دون أي تدخل من الدولة.

وأشار التحالف إلى أنه في عام 1995 كان هناك 930 طعنًا، وهذا يعكس عدم الرضا المتبادل بين المرشحين، بينما الآن 200 طعن وتم حسمهم وهنا يظهر دور الهيئة الوطنية للانتخابات في تنقية الأجواء وممارسة عملها بشفافية وتمنح التراخيص والصلاحيات للجميع.

ورصد متابعو التحالف عددًا من الملاحظات وهي:

  • وجود حرص من السلطة التنفيذية على تسهيل الإجراءات لمساعدة المواطنين.
  • حالة الإقبال الجماهيري والشعبي والحرص على الإدلاء بالصوت الانتخابى وهو ما انعكس على مؤشرات الحضور التي بلغت في المرحلة الأولى أكثر من 28 %.
  • طالب التحالف بتطوير النص التشريعي المنظم للانتخابات العامة خصوصًا فيما يتعلق الرقابة على الإنفاق المالي، أو وضع آليات وإجراءات تضمن الردع فيما يتعلق بالرشاوى أو التأثير على إرادات وانحيازات الناخبين.

وختامًا، فإنه وفق ما انتهت إليه تقارير المتابعة المحلية والدولية والملاحظات الختامية عن تجربة متابعة الانتخابات نجد أن الانتخابات المصرية حصلت على العلامة الكاملة لتطبيق معايير النزاهة والشفافية في إدارة العملية الانتخابية رغم ظروف جائحة كورونا، وأن الانتخابات شهدت تنافسية شديدة وتنوعًا في توجهات المرشحين في الانتخابات، حتى انها وصلت إلى أكثر من 40 مرشحًا على المقعد الواحد في انتخابات الفردي. وهي دليل واضح على الثقة في نزاهة العملية الانتخابية وزيادة الرغبة لدى المواطنين في المشاركة السياسية.

وكذلك فإن الانتخابات المصرية وفق ما جاء في تقارير المتابعة لا يمكن الطعن في مصداقيتها بأي حال من الأحوال، ولم تشوبها أي خروقات تؤثر على نتائجها، وأن الهيئة الوطنية للانتخابات وباقي أجهزة الدولة المعنية بالانتخابات كانت محايدة تمامًا في إدارة المشهد الانتخابي، وطبّقت كل المعايير الدولية للانتخابات النزيهة والشفافة، وعلى رأسها السماح لجهات إعلامية وحقوقية بمتابعة العملية الانتخابية في كل الدوائر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى