روسيا

كيف استفادت موسكو من رئاسة “ترامب”؟ وكيف تتأثر برئاسة “بايدن”؟

وجدت روسيا نفسها طوال فترة الاقتراع على اختيار الرئيس الأمريكي، وما سبقها من فترة دعاية انتخابية لكِلا المرشحين تقف على مسافة متفاوتة بين احتمالات متأرجحة يتداولها خبراء السياسة فيما بينهم حول من هو المرشح الأفضل بالنسبة لموسكو، “جو بايدن” أم “دونالد ترامب”. وفي الوقت الذي واصل فيه دبلوماسيو روسيا التلويح بأن بلادهم على أتم الاستعداد للعمل مع أي مرشح أمريكي، كانت موسكو في الحقيقة تقف في موقف خيارين أحلاهما مُر. 

وبعد أن تم الإعلان عن النتائج الأولية للانتخابات، والتي كشفت عن خسارة الخيار الذي كان يُعتقد أنه الأقل مرارة بالنسبة لموسكو.  تغير المشهد تمامًا، وأصبحت موسكو تقف أمام خارطة متعددة المحاور، حول مستقبل تطور علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية خلال الأربع سنوات القادمة. 

لمحات من الخطاب السياسي الأمريكي حول موسكو  

احتل الرئيس الأمريكي الحالي “دونالد ترامب”، مكانة فريدة لدى روسيا. إذ أنه الرئيس الأمريكي الأول في التاريخ، الذي يكون لديه خطاب سياسي موال لروسيا، لكنه في نفس الوقت يعتمد على سياسات مُعادية لروسيا ولتمدد نفوذها. 

وعلى سبيل المثال، يُعد لقاء ترامب الشهير مع قناة “فوكس نيوز” عام 2017، أكبر دليل على ذلك. فهو لم يكتف بالتعبير عن احترامه للرئيس الروسي فلاديمير بوتين فحسب، ولكنه أيضًا دافع عنه بشدة مُبررًا أن حتى الولايات المتحدة الأمريكية، هي أيضًا بدورها ارتكبت العديد من الفظائع. وعلى حد قوله، “لدينا الكثير من القتلة.. هل تعتقد أن بلدنا برئ للغاية؟!”. 

إذا كانت روسيا تحظى بفرصة التعامل مع رئيس شديد الصراحة، يعترف بوضوح بما ارتكبته بلاده من فظائع. علاوة على ذلك، هناك تصريحه الشهير عندما امتدح ترامب نظيره الروسي علنًا، خلال منتدى الأمن القومي في 2016، ووصفه بأنه زعيم قوي ويتمتع بسمات قيادية عظيمة في شخصيته. وبعيدًا عن تصريحاته الصادمة إزاء شخص الرئيس بوتين، أو حتى إزاء النظام الروسي ككل. كان لترامب العديد من المواقف التي تبدي في ظاهرها تضامن وتأييد لروسيا من ضمنها أن دعا ترامب لعودة روسيا لقمة الثماني، وضغط لأجل اقناع الدول الأعضاء بقبول عودتها من دون الاضطرار للتنازل عن القرم. 

وعلى الجانب الآخر، يُعرف عن “بايدن” أنه يمتلك تاريخا حافلا من التصريحات العدائية لموسكو. وعند هذه النقطة، هناك سؤال يطرح نفسه. هل تصريحات “بايدن” العدائية السابقة تجاه روسيا، تعكس توجهات عدوانية من الولايات المتحدة نحو روسيا في المستقبل؟! 

الأرجح، أن الإجابة على هذا السؤال سوف تكون بالطبع لا. نظرًا لأنه في عالم السياسة، ليس من الضروري أن يقترن القول بالفعل، ونرى في نموذج “ترامب” أكبر دليل على ذلك. والأوقع، أن نهج الولايات المتحدة الأمريكية لن يتغير بشكل جذري إزاء روسيا. كل ما سوف يتغير هو فقط منهجية تنفيذ توجهات الدولة، أو تصحيح أخطاء يرى الرئيس أن سلفه كان على خطأ عندما ارتكبها، الأهم هو ألا تكون مسألة تصحيح هذه الأخطاء تتعارض مع التوجه الأمريكي العام. 

على سبيل المثال، أن روسيا خلال الفترة المقبلة، ستواصل سياسة الإشارة إلى ما تواجهه الأنظمة الديموقراطية الغربية من مشكلات. لكن الفارق، أن سياسة بايدن لن تساعد روسيا على العثور على المزيد من الحجج لأجل تأييد مواقفها. أي أن الجديد في خطاب بايدن تجاه موسكو، يتركز في أنه هو الشخص الوحيد الذي كان له تاريخ سابق كأحد أعضاء إدارة أوباما، الذي يقوم بوصف بوتين بشكل مباشر بأنه ديكتاتور. مما يعكس توجها واضحا لدى بايدن، يستند إلى أن النظام الأمريكي الديموقراطي هو نمط فريد للغاية من نوعه ويستحق أن يقود العالم. مما يلغي بدوره، أي محاولة للمساواة – على المستوى الأخلاقي- بين النظامين الأمريكي والروسي، ويشير إلى قناعة كامنة لدى الرئيس الجديد بأن الولايات المتحدة ونظامها الديموقراطي يأتي فوق الجميع. إذا من المتوقع، خلال الأربع سنوات المقبلة لولاية جو بايدن، أن نرى ظهور جديد وقوي لخطاب سياسي سلطوي تجاه موسكو، يتحدث بنبرة فوقية حول العبارات الرنانة عن الديموقراطية الأمريكية المعهودة. ولكن هذا لا يمنع أن الولايات المتحدة لن تتخذ سلوكيات عدائية تجاه موسكو، وأن السياسة الأمريكية إزاء روسيا لن تتغير بشكل جذري تمامًا. 

تكهنات حول مجابهة تنامي النفوذ الروسي 

انهار الاتحاد السوفيتي عام 1991، لكن هل هذا يعني أن روسيا فيما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي قد تقبل أن يقف الرجل الغربي، أو مدرعاته، أو قواته، أو حتى نفوذه، على مسافة أمتار قليلة منها؟! بمعنى آخر، كيف صبت سياسة ترامب الخارجية في مصلحة النفوذ الروسي عبر منطقة الفضاء ما بعد السوفيتي؟ وكيف من الممكن أن تتأثر المصالح الروسية هناك بوجود بايدن على سدة الحُكم؟

نعرف أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كانت له سياسة يغلب عليها طابع ازدراء الشركاء الدوليين بوجه عام، والمنظمات الدولية بوجه خاص. ولكن نختص بالذكر هنا، حلف شمال الأطلسي، وكيف صبت سياسة ترامب تجاهه في مصلحة روسيا. 

فقد اعتبر ترامب أن حلف الناتو لم يعد له أي جدوى، وأن الدول الأوروبية تعتمد فقط على بلاده في الجانب الدفاعي. وفي مناسبة أخرى، ناقض ترامب نفسه –كعادته- وعبر عن أن الحلف يعتبر عماد استراتيجية واشنطن الدفاعية. 

وفي موقف آخر، عبر ترامب عن استيائه من الحلف، قائلا، “أميركا كانت هناك من أجلكم وستظل كذلك دائما. كل ما نطلبه منكم أن تدفعوا نصيبكم العادل لحلف الناتو. ألمانيا تدفع 1% في حين تدفع أميركا 4.3% من ناتجها القومي الأكبر لحماية أوروبا. نريد الإنصاف”.

إذا في هذه الحالة، صب توجه ترامب إزاء حلف الناتو وشركائه الدوليين في مصلحة التوجه الروسي من المؤسسات الدولية. إذ أن روسيا لطالما عارضت توسع الحلف، كما أن المبادرات الأوروبية في التعاون الاقتصادي مع جورجيا وأوكرانيا لطالما تعارضت مع خطط روسيا في التكامل الاقتصادي مع دول الجمهوريات السوفيتية السابقة. علاوة على ذلك، يمثل أي تدريب عسكري مشترك يجمع بين إحدى الدول الواقعة في منطقة النفوذ الجيوسياسي الروسي مع دولة أوروبيا أرقً بالنسبة لموسكو. 

إلا أن بايدن يمضي في اتجاه مخالف لذلك، وسوف يكون الجديد على سياساته الضارة بالمصالح الروسية، هو تعزيز التحالفات الدولية وبناء شراكات أمريكية أكثر مرونة مع شركائها الغربيين. مما يعني أنه من المتوقع أن نشهد نشاطًا أكثر فاعلية لتوسعات حلف الناتو –أو محاولات لتوسعه- في مناطق النفوذ الجيوسياسي الروسي، بالشكل الذي يتسبب في إزعاج مباشر لموسكو. خاصة وأن جو بايدن كان له موقف مُعلن إزاء تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ “المقصود هنا نفوذ غير أمريكي”. وفي هذا الصدد، نعود بالتاريخ إلى موقفه خلال مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2009، عندما صرح بايدن بصفته نائب لرئيس الولايات المتحدة، “نحن لا نعترف بأي مناطق نفوذ، ولم يتغير موقفنا. إن أي دولة لها سيادة يحق لها اتخاذ قراراتها واختيار حلفائها بشكل مستقبل”. وكان بايدن في تلك المناسبة يتحدث عن الدعم الروسي لأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية. إذا نخلص من كل ذلك، إلى أن طموحات بايدن في التأكيد على تحالفات الولايات المتحدة والتوسع بها، لا يتعارض فقط مع مصالح روسيا في شبه جزيرة القرم فحسب، ولكنه أيضًا يتعارض مع طموحاتها في الاحتفاظ بنفوذها في مناطق الفضاء ما بعد السوفيتي. 

لكنه في نفس الوقت، سوف يتبع سياسة ثنائية الأقطاب إزاء موسكو. إذ أنه من المرجح أن يقوم بتعزيز العلاقات التجارية مع موسكو. والدليل على ذلك، أن بايدن دعا لانضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي. وبهذه الطريقة، نستنبط أن سياسة بايدن تجاه روسيا سوف تسير في خطوط متوازية لا يتعارض أيًا منها مع الآخر. فقد تتعاظم مشكلاتهم السياسية من جهة، ولكن على الجهة الأخرى تظل المصالح التجارية تسير على نفس وتيرتها المعتادة. 

بايدن والعقوبات الأمريكية على روسيا 

في ظل المعطيات الحالية، سيكون من السذاجة الاعتقاد بأن “بايدن” قد يعمل على إلغاء العقوبات الأمريكية على روسيا. وفي مواقف سابقة، حث بايدن شركائه الأوربيون على فرض نظام عقوبات ضد موسكو، كما أنه لا يزال مقتنعًا بأن السلوك العدائي الروسي الذي عوقبت عليه في المقام الأول لايزال مستمرًا. ويعتقد أن العقوبات هي وسيلة مناسبة يمكن من خلالها التعامل مع موسكو وإجبارها على التراجع عن سلوكياتها أو على الأقل تسكينها لبعض الوقت. 

إذا من المُرجح أن تستمر العقوبات على نفس الوتيرة، وأنه في أفضل الأحوال، قد لا يلجأ بايدن إلى فرض المزيد من العقوبات على روسيا، في طريقه الى تحقيق تفاهمات جديدة في هذا الملف الذي أثبت ترامب فشله فيه من قبل. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى