تركيا

بعد استقالة وزير المالية وإقالة محافظ البنك المركزي.. إلى أين يذهب الاقتصاد التركي؟

قرر وزير المالية التركي “بيرات البيرق” تقديم استقالته الأحد الماضي الموافق التاسع من نوفمبر مبررًا هذه الخطوة بوجود أسباب صحية تمنعه من استكمال مهامه الوظيفية. وجاءت هذه الاستقالة بعد يوم واحد فقط من إقالة الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” لمحافظ البنك المركزي “مراد أويصال” وتعيين وزير المالية الأسبق “ناجي أغبال” بدلًا منه. 

وإثر ذلك وقع “أردوغان”، مرسوم تعيين الوزير السابق “لطفي ألوان” ليكون وزيرًا للخزانة والمالية خلفا لـ”برات البيرق”. وكما يبدو حذف الأخير حسابه من على منصة “تويتر” وبعض منصات الوسائل الاجتماعية، الأمر الذي أثار العديد من التساؤلات حول أسباب الاستقالة الحقيقية.

وقد تزامنت فترة ولاية “البيرق” لوزارة المالية مع مرور تركيا بأزمة اقتصادية حادة في ظل انهيار قيمة العملة الوطنية التي هبطت حوالي 4 مرات مقابل الدولار، واستنزاف الاحتياطي النقدي بشكل ملحوظ، وتزايد مخاطر عدم سداد الديون الخارجية. 

وفي هذا الإطار، نستعرض في هذا التقرير أهم أسباب اتخاذ هذه الخطوات المتلاحقة في هيكل الإدارة الاقتصادية، مع بيان التداعيات المحتملة لهذا الأمر على الاقتصاد التركي الذي يعاني بالفعل من عدة أزمات خانقة.

ليست المرة الأولى 

لا يُعدُّ قرار إقالة محافظ البنك المركزي هو الأول من نوعه؛ إذ تعد هذه المرة الثانية التى يقيل فيها “أردوغان” محافظ البنك المركزى خلال عامين متتاليين. فقد أقال “أردوغان” المحافظ الأسبق “مراد تشتين قايا” فى يوليو من العام الماضى إثر خلاف بينهما على المستوى المناسب لأسعار الفائدة.

ولم يُعلن رسميًا حينها عن أسباب الإقالة، إلا أن الأنباء قد أشارت إلى تصاعد الخلافات بينه وبين “أردوغان” ووزير المالية “بيرات آلبيراق”، وذلك على خلفية قيام “تشتين قايا” برفع سعر الفائدة بما مجموعه 750 نقطة بهدف دعم سعر صرف الليرة المتراجع، ليستقر سعر الفائدة عند 24% في سبتمبر 2019.

ولهذا عبر أردوغان مرارًا عن استيائه من الإبقاء على أسعار الفائدة عند معدلاتها المرتفعة كما مارس ضغوطًا عديدة على البنك المركزي لخفض سعر الفائدة من أجل إنعاش الاقتصاد وكبح معدلات التضخم المرتفعة.

أسباب اتخاذ القرارات المفاجئة

جاء قرار “أردوغان” بإقالة “مراد أويصال” في ظل فقدان الليرة التركية أكثر من 30% من قيمتها منذ بداية العام الجاري رغم محاولات البنك المركزي الفاشلة لاحتواء الأزمة عبر ضخ المزيد من العملات الأجنبية في الأسواق بهدف دعم العملة المحلية، مما أسفر عن استنزاف الاحتياطي النقدي في البلاد. وأشارت العديد من التقارير الصحفية إلى أن قرار إقالة رئيس البنك المركزي ينبع من استخدام عشرات المليارات من الدولارات في محاولة فاشلة لدعم سعر الليرة التركية؛ إذ قدر الاقتصاديون في مجموعة “جولدمان ساكس” أن هذه المحاولات التي لم تجد نفعاً قد كلفت البنك المركزي نحو 100 مليار دولار هذا العام فقط.

وخلال عهد “أويصال”، سجلت الليرة التركية أدنى مستوى لها على الإطلاق أمام الدولار بسعر وصل إلى 8.54، لتحتل المرتبة الأولى عالميًا في الانخفاض منذ بداية عام 2020. ليس هذا فحسب، فقد ارتفع التضخم ليتجاوز مستوى 12% يونيو الماضي، وهذا بضغط من ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 11.89%.

وقد جاءت الاستقالة على الرغم من اتباع “مراد أويصال” سياسة نقدية توسعية عن طريق خفض الفائدة وهو ما يتفق مع رؤية الرئيس “أردوغان” الذي تؤيد الفوائد منخفضة المستوى بهدف تقليل معدلات التضخم بما يتعارض بشكل صارخ مع الأوساط والنظريات الاقتصادية التي تؤكد على مساهمة خفض الفائدة في رفع معدل التضخم وليس العكس.

ولطالما عارض “أردوغان” الفوائد المرتفعة، ولهذا صرح قبل قرار الإقالة بإسبوع واحد بإنه يحارب “مثلثًا شيطانيًا يمثل في معدلات الفائدة وأسعار الصرف والتضخم”.

وما يدلل على تأييد “أويصال” للسياسات التوسعية، هو قيامه بخفض الفائدة بمقدار 425 نقطة أساس (4.25%) مرة واحدة بعدما تقلد المنصب مباشرةً ليواصل فيما بعد هذه التخفيضات من 24% إلى 8.25% في اجتماع أغسطس الماضي. 

إلا أنه قرر وبشكل فجائي رفع الفائدة بمقدار 200 نقطة أساس (2%) من 8.25% إلى 10.25% في اجتماع سبتمبر، للمرة الأولى منذ عام 2018، وهو ما تسبب بخلاف مع الرئيس التركي حيث صرح “البيرق” حينذاك بإنه “إذا أردنا السيطرة على سعر الصرف نستطيع ذلك” في إشارة إلى احتمالية رفع نسبة الفائدة، الأمر الذي يرفضه “أردوغان”.

أما عن أسباب استقالة “بيرات البيرق”، فقد أفادت العديد من الأوساط الصحفية أن سبب الاستقالة مرتبط بتعيين رئيس البنك المركزي الجديد “ناجي أغبال”، الذي يُعارض سياسات “البيرق” المالية، والذي انتقد في الكثير من الأحيان تدخله في أسواق الصرف. وخلال العامين اللذين كان فيهما “البيرق” وزيرًا للخزانة والمالية، عانت تركيا من الركود الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة.

والجدير بالذكر، أن “البيرق” هو زوج الابنة الكبرى للرئيس التركي “أردوغان”، وكان وزيرا للمالية منذ عام 2018، وشغل سابقًا منصب وزير الطاقة بين عامي 2015 و2018.

ردود فعل متباينة

تباينت ردود الأفعال على قرار استقالة “البيرق” بين المؤيد والمعارض، وهو ما يٌمكن عرضه على النحو التالي:

  • الجانب المؤيد: أعرب الرئيس التركي “أردوغان”، عن شكره لوزير الخزانة والمالية التركي السابق “بيرات البيرق”، على الخدمات التي قدمها لتركيا خلال فترة توليه مناصب وزارية. في حين، رحب كبير المستشارين الاقتصاديين السابق لحاكم المصرف المركزي “هاكان كارا” بالاستقالة، مؤكدًا “أنه لم يكن هناك حلًا للخروج من الأزمة الاقتصادية الطاحنة سوى استقالة وزير المالية”.
  • الجانب المعارض: صرح نائب وزير النقل “عمر فاتح صايان” بإنه كان يأمل رفض استقالة “البيرق”، مضيفا “بلادنا وشعبنا ومجتمعنا بحاجة إليك”.، كما أكد نائب رئيس كتلة حزب العدالة والتنمية الحاكم في البرلمان “محمد موسى” أن “البيرق” اتخذ خطوات مهمة لتعزيز الاقتصاد، وإنه يأمل ألا يقبل “أردوغان” الاستقالة.

نظرة عميقة على أزمات الاقتصاد التركي المتلاحقة

كما سبق القول، تشهد تركيا أزمة اقتصادية طاحنة على جميع الأصعدة بداية من ارتفاع التضخم وانهيار الليرة وتراجع معدل النمو وتسجيل مستويات مرتفعة من عجز الموازنة إلى تفاقم أزمة الديون الخارجية التي تشير البيانات الرسمية إنها في طريقها إلى المزيد من السوء. 

ولم يقف الأمر عند هذا الحد فحسب، حيث وجهت كلٌ من السعودية والمغرب ضربة موجعة للاقتصاد التركي من خلال إطلاق حملات شعبية تدعو لمقاطعة المنتجات التركية في السعودية، وقرار المغرب برفع الرسوم الجمركية بنحو 90% على 1200 سلعة تركية، وهو ما يؤدي إلى تراجع الصادرات التركية وفقدان مصدر هام للعملة الأجنبية.

وانطلاقًا مما سبق، خفضت وكالة “فيتش” توقعاتها للتصنيف الائتماني السيادي لتركيا إلى “سلبية” بدلاً من “مستقرة”، نتيجة ضعف مصداقية السياسات النقدية المتبعة في البلاد، واستنزاف احتياطي النقد الأجنبي، بما قد يتسبب في تزايد مخاطر التمويل الخارجي. ويُمكن الاستعانة بالمؤشرات التالية للاستدلال على مدى سوء الأوضاع في تركيا.

1. الاحتياطي النقدي:

يبين الرسم التالي انخفاض الاحتياطي النقدي –متضمنًا الذهب- بشكل مستمر منذ بداية العام الجاري وحتى أغسطس الماضي.

الشكل (1): الاحتياطي النقدي التركي (مليار دولار)

يوضح الشكل السابق تراجع الاحتياطي النقدي التركي –متضمنًا الذهب- بنحو 15.75% من 102.5 مليار دولار في يناير 2020 إلى 86.35 مليار دولار بحلول أغسطس الماضي.

2. سعر صرف الليرة التركية:

تعاني الليرة التركية بالفعل من انهيارٍ في قيمتها منذ عام 2018 بضغطٍ من تراجع الاحتياطي النقدي وهو ما يمثل عبئًا على فاتورة الاستيراد وقدرة الدولة على سداد الديون، وفيما يلي عرضًا لانخفاض قيمة الليرة أمام الدولار منذ أوائل 2019 وحتى أكتوبر 2020.

الشكل (2): تغير سعر صرف الليرة مقابل الدولار – شهريًا

من الرسم السابق، يمكن القول أن الليرة التركية فقدت 46.4% من قيمتها منذ يناير 2019 وحتى الحادي والعشرين من أكتوبر الجاري عند 7.8 ليرة أمام الدولار. أما عن الأداء اليومي للعملة خلال نوفمبر، فيُمكن توضيحه بالرسم البياني التالي:

الشكل (3): سعر الصرف اليومي لليرة مقابل الدولار

الشكل (3): سعر الصرف اليومي لليرة مقابل الدولار

يتضح من الرسم السابق أن الليرة سجلت أعلى مستوياتها على الإطلاق مقابل الدولار في السادس من نوفمبر –قبل قرار استقالة “بيرات ألبرق” بثلاث أيام فقط- عند 8.4 ليرة مقابل الدولار الواحد، لتعاود الانخفاض فورًا عقب الاستقالة في التاسع من نوفمبر إلى 8.06 ليرة أمام الدولار، ومن ثم، سجلت المزيد من التراجع إلى 7.8 ليرة مقابل الدولار خلال اليوم الأربعاء الموافق الحادي عشر من نوفمبر.

3. معدل التضخم:

يتسم معدل التضخم بالارتفاع المستمر لاسيما في ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية وارتفاع فاتورة استيراد السلع في ظل تراجع قيمة الليرة، وهو ما يتضح من الرسم التالي.

الشكل (4): مؤشر أسعار المستهلكين شهريًا (على أساس سنوي)

يتبين من الرسم تراجع التضخم إلى 10.94% على أساس سنوي في أبريل الماضي بضغطٍ من انتشار فيروس كورونا الذي ألقى بظلاله على جميع النواحي الاقتصادية بما في ذلك التضخم، ولكنه عاود الارتفاع مرة أخرى مسجلًا أعلى مستوياته خلال العام في يونيو عند 12.62%، ورغم انخفاضه فيما بعد ذلك، إلا أنه يُعد من بين معدلات التضخم المرتفعة في الأسواق الناشئة.

تداعيات قرارات الاستقالة والإقالة على الأزمات التركية سالفة الذكر

ما إن أعلن “البيرق” عن استقالته، ارتفعت قيمة الليرة التركية مقابل الدولار بنحو 5%، وهو أكبر ارتفاع يومي منذ 20 شهرًا، ولكن اعتبر العديد من الاقتصاديين أن تغيير القيادة الاقتصادية قد لا يوقف خسائر الليرة ما لم تتخذ السياسية النقدية للبلاد تحولًا أكثر صرامة لإيقاف النزيف في خسائر العملة المحلية، ولهذا يعتبر ارتفاع قيمة العملة أمرًا مؤقتًا فقط.

كما توقع العديد من الخبراء أن تعيين محافظ جديد للبنك المركزي يعني تزايد احتمالية ارتفاع أسعار الفائدة بما يسهم في خفض التضخم، لكن هذا يعتمد على مدى تمتع البنك المركزي بالاستقلالية أمام الضغوط السياسية المفروضة عليه من جانب الرئيس “أردوغان”.

ولهذا، قد تضطر تركيا إلى اللجوء للاقتراض من صندوق النقد الدولي كمخرج أخير من أزمتها الاقتصادية التي من غير المحتمل أن يتم التغلب عليها بمجرد تغيير القيادات الاقتصادية، وذلك على الرغم من تأكيد “أردوغان” على عدم نيته للجوء إلى صندوق النقد لحل المشكلة الاقتصادية التي تمر بها البلاد تحت أي حال من الأحوال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى