آسيا

تقسيم التقسيم.. ماذا يعني توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين أرمينيا وأذربيجان؟

وقعت أرمينيا وأذربيجان ليل الاثنين الماضي “اتفاق وقف شامل لاتفاق النار” في إقليم “قره باغ” الانفصالي برعاية روسية. وذلك بعد ستة أسابيع من المعارك الدامية التي شهدت التحامًا مباشرًا بين مختلف الوحدات العسكرية المتناحرة في ميدان طبوغرافي جمع بين نقيضين (الجبال – الوديان). وعلى قدر نقيض الطبيعة الطبوغرافية لمسرح الحرب، جاءت كلمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ليلة الاثنين، على النقيض من تطلعات المزاج الشعبي الأرمني. حيث ظهر بوتين في كلمة عاجلة، – أظهرت بعضًا من انفعالاته التي لطالما عُرِف بإجادة إخفائها – ليعلن بنود اتفاق “وقف إطلاق النار الشامل”، وأن الاتفاق يدخل حيز التنفيذ اعتبارًا من منتصف الليل 10 نوفمبر الجاري بتوقيت موسكو.

وذلك بعدما وصلت قوات أذربيجان إلى ثاني أكبر مدن إقليم قره باغ، مدينة” شوشة”، وخاضت هناك معركة حامية مع وحدات الجيش الأرمني وسط الأحياء السكنية، فيما يشبه قتال الشوارع.

واشتملت بنود الاتفاق على:

  • توقف الجيشين الأرمني والأذري عند مواقعهما الحالية، مع التعهد بتبادل الأسري.
  • يجب على أرمينيا، إعادة منطقة كيلبجار إلى أذربيجان بحلول 15 نوفمبر (المنطقة رقم 1) ومنطقة لاتشين بحلول 1 ديسمبر (المنطقة رقم 2).
  • تاركة تحت سيطرتها ممر لاتشين بعرض خمسة كيلومترات، مما سيضمن ربط قره باغ بأرمينيا. وفي الوقت نفسه، لا تنطبق هذه النقطة على مدينة شوشا، التي أعلنت باكو في وقت سابق عن تحريرها. بالإضافة إلى ذلك، بحلول 20 نوفمبر، يجب على يريفان، تسليم باكو منطقة أغدام وجزء من منطقة غازاخ الأذرية التي تحتلها (المنطقة رقم3).
  • انتشار وحدة حفظ سلام روسية قوامها 1960 عسكريا، بأسلحتهم النارية مع 90 ناقلة جند مدرعة و380 قطعة من المعدات الخاصة، على طول خط التماس في قره باغ وعلى طول ممر لاتشين (المظلل باللون الأصفر).
  • ستنتشر القوة الروسية بالتزامن مع انسحاب الجيش الأرمني. وستقتصر مدة بقائها على خمس سنوات، مع التجديد التلقائي لفترات إضافية مدتها خمس سنوات.
  • تعهد أرمينيا بضمان النقل بين المناطق الغربية لأذربيجان وجمهورية ناخيتشيفان ذاتية الحكم. وسيخضع ذلك لمراقبة حرس الحدود الروسي. بالإضافة إلى ذلك، يخطط لضمان بناء خطوط نقل جديدة، لتربط الأراضي الرئيسية لأذربيجان مع ناخيتشيفان.

“إلهام علييف” الرئيس الأذري، وفي خطاب للشعب ارتدى فيه البزة العسكرية، قال إن الاتفاق الأخير هو إعلانِ لاستسلام أرمينيا. فيما قال رئيس الوزراء الأرميني “نيكول باشينيان” – المقرب من الغرب-  أنه وقع على اتفاق مؤلم في 10 نوفمبر الجاري. وأضاف أنه أضطر للتوقيع بعدما تعرضت لضغوط من قيادة الجيش، وأن اتفاق وقف إطلاق النار جاء لتجنب الانهيار العسكري. وأوضح باشينيان خلال بث مباشر على فيسبوك: كان هناك احتمال كبير للغاية أن تسقط ستيباناكيرت “عاصمة قره باغ” ومارتوني وأسكيران، في حال استمرت الأعمال العدائية، كما يمكن أن يحاصر الآلاف من جنودنا بعد مرور الوقت، أي سيحدث انهيار (كارثة). لقد أجبرنا التوقيع على هذا الاتفاق.

وفور الإعلان عن توقيع الاتفاق، تجمع آلاف من المتظاهرين الغاضبين إلى المقرّ الحكومي في العاصمة الأرمنية يريفان، حيث تظاهر القسم الأكبر منهم خارج المقرّ في حين اقتحمه بضع مئات منهم ودمروا محتوياته، لاسيّما في إحدى قاعات مجلس الوزراء، والبرلمان.

بماذا يخبرنا الاتفاق الأخير لوقف إطلاق النار؟

تقع منطقة النزاع بين أرمينيا وأذربيجان في إقليم شديد الحساسية بالنسبة لأدبيات الأمن القومي الروسي. حزام جنوب القوقاز، كما يطلق عليه البعض، يعتبر جزءًا كذلك من البطن الروسية الرخوة، والتي تضم غالبية سكانها من الشرائح المسلمة، كما شهدت المنطقة “القوقاز” إبان عقد التسعينات مواجهات دامية بين القوات الروسية والانفصاليين الإسلامويين، خلقت إرثًا دفينًا من الكراهية تخشى موسكو أن يتم توظيفه ضد مصالحها من قبل الفواعل الإقليمية والدولية المناوئة والمتنافسة معها على جملة استحقاقات جيوستراتيجية في العديد من بؤر التوتر والصراع بالعالم. 

ومع تمتع الغرب الليبي بجزء من الهدوء النسبي إبان إعلان القاهرة عن الخط الأحمر “سرت – الجفرة”، في يونيو الماضي، ورهن تحرك الآلة العسكرية المصرية بمحاولات تجاوزه؛ انطلقت تركيا نحو جنوب القوقاز، لإنعاش الصراع بين الجارتين “أرمينيا – أذربيجان” على الإقليم الجبلي قره باغ، لتحريك المياه الراكدة بينها وبين موسكو في ملف الشمال السوري الذي بات وضعه الحالي لا يأتي على قدر تطلعات وطموحات صانع القرار في إسطنبول.

وعليه، وفرت أنقرة دعمًا عسكريًا كبيرًا لباكو، تمثلت أبرز أوجهه في توفير عشرات من الطائرات المسيرة، طراز “بيراقدار”، والإسناد الجوي بمقاتلات الإف 16، والتي كشفت صور الأقمار الصناعية عن تمركز عدد منها بمطار “كنجة” داخل أذربيجان منذ الثالث من أكتوبر الماضي.

وبدا للمرة الأولي منذ ثلاثة عقود، أن الجيش الأذري له اليد الطولى، بعدما تجرع مرارة الهزيمة في حرب 1994، وتغيرت معادلات المواجهة، لتوفر الطائرات المسيرة ميزة تدمير القوة المدفعية والصاروخية الأرمينية، بأقل تكلفة ممكنة، مع وضع دفعات من مئات المرتزقة السوريين على خطوط المواجهة الأولي، ما ساهم في تقليل الخسائر الأذرية مقارنة بمثيلاتها على الجانب الأرمني. حيث تمكنت أذربيجان في ستة أسابيع من السيطرة على نحو 30% من أراضي الإقليم الجبلي المتنازع عليه، ووصل الأراضي الأذربيجانية بإقليم ” ناخيتشيفان”. 

وبدا واضحًا أن المعركة الرئيسية بين تركيا – أذربيجان، وأرمينيا، هي معركة على خطوط الإمداد والمواصلات بين أذربيجان وإقليم “ناخيتشيفان” الأذري غير المعترف به دوليًا ويمثل لأرمينيا، بما يمثله إقليم قره باغ لأذربيجان. هذا وتمثل المعركة، لتركيا فرصة لتحقيق اهداف ذات بعد استراتيجي منها:

  1. تأمين عقدة مواصلات استراتيجية بين أذربيجان وتركيا من الخاصرة الجنوبية، على غرار الخط الشمالي “تاناب”، الذي يعد المورد الرئيسي للغاز والنفط الأذري المتدفق نحو أنقرة.
  2. إرباك موسكو في جنوب القوقاز، وتعديل ميزان الشراكة والقوة بينهما.
  3. امتلاك أوراق ضغط على الجانب الإيراني، الذي بات يراقب حدوده الشمالية في قلق. فإذا كانت تركيا تعتبر أذربيجان تركية بالهوية، فإن إيران الصفوية ضمت أذربيجان التاريخية ضمن حدودها، قبل التنازل عن معظم أراضيها في القرن التاسع عشر، في حين لا يزال يشكل “الشعب الأذري” ربع سكان إيران المعاصرة ومنهم المرشد علي خامنئي. ومع صعود الخطاب القومي في أذربيجان على وقع الانتصارات الأخيرة في قره باغ، فإن إيران تتخوف من أن يطال المزاج القومي الأذري دعوات التوحيد أذربيجان الكبرى، وخاصة مع تعاطف العديد من الأذريين الإيرانيين مع دولة أذربيجان في صراعها الأخير مع أرمينيا. ما دفع إيران بدعم أرمينيا المسيحية منذ تسعينات القرن المنصرم.
  4. وصول تركيا لشعوب تركمانستان القديمة، إذ يمثل فتح جيب جنوبي لتركيا للوصول لتركمانستان، حيث تري أنقرة أن لها امدادات عرقية تصل لمنغوليا والصين.

الدب الروسي.. الخبرة التراكمية في فهم العقلية التركية

في القاعد الروسية العسكرية بالعاصمة الأرمينية، راقبت الاستخبارات العسكرية الروسية مجريات تطور المعارك العسكرية، بيد أن تحرك الإدارة الروسية تجاه الأزمة منذ البداية اتسم بتوفير الدعم الفاتر لرئيس الوزراء الأرميني “نيكول باشينيان”، ولذلك بسبب سياساتها الرامية للتقارب مع الغرب، وعليه جاء الانخراط الروسي في الأزمة ضمن عدة محددات:

  1. تقديم الحلول الدبلوماسية، إذ رعت موسكو أول اتفاق لوقف إطلاق النار بين الجانبين في أكتوبر، قبل أن تنهار مجددًا الوساطات الأمريكية والفرنسية.
  2. السعي لتثبيت السيطرة النارية على خطوط النقل والمواصلات، في الخاصرة الجنوبية لكل البلدين “أرمينيا – أذربيجان”. وهو ما اتضح من بنود الاتفاق الأخير والشامل لوقف إطلاق النار، في نقل أكثر من 1600 من الجيش الروسي، ومعهم معداتهم العسكرية وعرباتهم المدرعة، وتسيير وحدات من الشرطة العسكرية في الممرات الاستراتيجية وخاصة ممر “لاتشين”. وإنشاء مركز روسي لمراقبة مهام حفظ السلام.
  1. منع تركيا من الوجود عسكريًا – منفردةً – في المناطق التي سيطرت عليها أذربيجان، حيث أكد الكرملين، اليوم، الأربعاء، أن اتفاق السلام بين أرمينيا وأذربيجان لا يتضمن نشر أي قوات حفظ سلام تركية في منطقة ناجورنو قره باغ المتنازع عليها. 
  2. عقدة المواصلات الجنوبية لتركيا، أمام انسحاب خجول من نقاط المراقبة في إدلب، حيث أخلت تركيا في 20 أكتوبر الماضي، أكبر نقطة مراقبة عسكرية لها خلف خطوط القوات الحكومية السورية، “نقطة المورك”، وفكك لاحقًا نقطتين أخريين، واتجهت نحو جبل الزاوية “معقل المعارضة المسلحة”. بيد أن تركيا قد أعلنت في وقت سابق عن رفضها القاطع لإخلاء أي من نقاطها العسكرية في إدلب، وتطالب روسيا منذ اجتماعات سوتشي 2018 تركيا بالانسحاب وتقليل عدد وقواتها وفصل المعارضة المسلحة عن التنظيمات الإرهابية. وبالانسحابات التركية الأخيرة، تصبح سائر نقاط المراقبة التركية الأخرى في الخطوط التي تقع على تماس مع مواقع الجيش السوري؛ في خطر التطويق، ما ينبئ بعمليات انسحاب مماثلة قد تحدث لاحقًا. فيما تجدر الإشارة إلى امتناع تركيا التعليق رسميًا على الضربة الجوية الروسية التي تمت على معسكر لفيلق الشام قبل أسبوعين، وأوقعت الضربة نحو 80 قتيلًا.

وتأتي الصياغة الروسية للاتفاق الموقع، مقاربة للهدنة الروسية التركية الموقعة في إدلب، في مارس الماضي، والتي أفضت بإعادة فتح الطرق الدولية بمناطق عازلة على جانبيها تبلغ 6 كيلومترات لكل جانب. فيما تظهر بنود الاتفاق، إدراك موسكو بالموقف الميداني الضعيف لأرمينيا، حيث تم تقسيم الإقليم الجبلي بشكل يجعله مطوق من الجانب الأذري وتحت إشرافه ناريًا. كما أصبحت الأيام التي لدي رئيس الوزراء الأرميني معدودة، فيما تتجه الأنظار عما يفرزه مشهد السياسة الداخلية، واحتمالات صعود القوميين مرة أخرى، ومعهم رئيس وزراء يعمل وفق النزعة الأوراسية المفضلة لموسكو في خاصرتها الجنوبية والغربية. وعليه، تبقي احتمالات تجدد النزاع بين أرمينيا وأذربيجان مفتوحة كون التسوية الأخيرة جاءت وفق نمط تسويات الحد الأدنى القائمة على التهدئة المرحلية، ما يفتح المجال مجددًا أمام التساؤلات الخاصة بقدرة موسكو على تأمين عقدة المواصلات الجنوبية الجديدة بين باكو وأنقرة، ومنع تركيا من دفق عناصر مسلحة تهدد الأمن القومي الروسي، على غرار تنظيم ملحمة تاكتيكال في ادلب السورية، الذي يتكون من عناصر انشقت عن الجيش الروسي منذ فترة ليست ببعيدة. حيث إن الحفاظ على أرتساخ كمنطقة غير خاضعة لسيطرة باكو كما جاء اتفاق وقف إطلاق النار الروسي يضمن عدم انضمام أذربيجان إلى حلف الناتو، وعدم حصول حلف الناتو نفسه على منفذ إلى بحر قزوين والحدود الروسية في منطقة داغستان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى