دول المشرق العربي

هل تمثل العقوبات الأمريكية على “جبران باسيل” ورقة ضغط على علاقاته مع حزب الله؟

في السادس من نوفمبر الجاري أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية عن عقوبات مالية على السياسي اللبناني “جبران باسيل” متهمة إياه بالفساد واختلاس الأموال، وعمدت إلى تجميد أصوله داخل الولايات المتحدة وخاطبت البنوك اللبنانية لتجميد أصوله كذلك. وقد جاءت هذه الخطوة ضمن سلسلة من العقوبات على شخصيات لبنانية في المجال السياسي.

وترتبط العقوبات الأمريكية على مسؤولين لبنانيين بعلاقات هؤلاء المسؤولين بحزب الله الذي يصنف كتنظيم إرهابي وفقًا للقانون الأمريكي، ففي سبتمبر الماضي أدرجت واشنطن وزيرين لبنانيين على قائمتها السوداء لعلاقاتهم مع حزب الله المدعوم من إيران حيث تسعى الحكومة الأمريكية للتخفيف من الضغوطات التي يمارسها حزب الله   على الحكومة اللبنانية.

من هو جبران باسيل؟

بالعودة إلى جبران باسيل فإنه يعرف أولًا بصهر الرئيس اللبناني “ميشيل عون”، وسبق وأن تقلد منصبي وزير الخارجية والطاقة، وخلف الرئيس عون في رئاسته للتيار الوطني الحر الذي يعد التيار المسيحي الداعم لحزب الله.

ويرى الساسة الأمريكيون أن الفساد الذي يوصف بالممنهج في النظام السياسي اللبناني يعد جبران باسيل المسؤول الأكبر عنه لأنه ساعد من الأساس في تقويض وجود حكومة فعالة، وهو ما أكد عليه وزير الخزانة الأمريكي “ستيفن منوتشين”.

وعلى الرغم من أن خطوات فرض عقوبات على أعضاء حاليين أو سابقين في النظام السياسي اللبناني مرحب بها في الأوساط الشعبية اللبنانية على الأقل لأنها تنهي عقودًا من الفساد وتفتح الباب أمام الشفافية والمساءلة، إلا أن العقوبات على الجانب الآخر جاءت في وقت دقيق يتعثر فيه تشكيل الحكومة اللبنانية بسبب تسويفات من جبران باسيل كرئيس للتيار الوطني الحر على خلفية الرغبة في تحقيق مكاسب شخصية إما عن طريق وضع رجاله في الحكومة أو على الأقل السيطرة على قطاع الطاقة، وعلى الرغم من ذلك لم تشر العقوبات الأمريكية إلى أنها تستهدف معاقبة باسيل بسبب عرقلته لجهود تشكيل الحكومة.

حتى أن سعد الحريري الذي رشح نفسه لرئاسة حكومة مؤقتة بفترة ستة أشهر بعد تعثر مبادرة إيمانويل ماكرون وصف جبران باسيل بأنه رجل الظل. في وصف يشير إلى الدور الطاغي والضاغط الذي يمارسه باسيل على الحكومة اللبنانية وعلى ميشيل عون.

وقد بدأت علاقة جبران باسيل مع حزب الله المدعوم من إيران منذ عام 2006 عندما عقد التيار الوطني الحر تحالفًا سياسيًا مع الحزب، ودافع عنه باعتبار وجوده أساسيًا لبقاء لبنان والدفاع عنها، ولذلك فإنه لا مشكلة في كون الحزب مسلحًا، حتى وإن كان من الخارج. وكذلك إن باسيل كان من أشد المعارضين لوضع الحزب على قائمة المنظمات الإرهابية، مؤكدًا أنه الحزب ذو الشعبية الأكبر.

ويرى باسيل أيضًا أن الحزب هو الورقة اللبنانية الرابحة ضد إسرائيل والإرهاب في إشارة إلى اشتراك قوات حزب الله في بعض العمليات العسكرية ضد داعش، وأنه حتى إذا كان دعم التيار الوطني الحر للحزب يفقده أرضية فإنه يفضل المصلحة اللبنانية بشكل أعم.

عقوبات خيّمت على العلاقات

في الآونة الأخيرة غدت العقوبات الأمريكية المفروضة على جبران باسيل محددًا للعلاقات بين البلدين، حتى أن السفيرة الأمريكية في بيرت ” دروثي شيا” قالت إن الأمر أصبح أكثر تأثيرًا من مواجهة فايروس كورونا في لبنان، وخلال تصريح آخر قالت إن باسيل أعرب عن استعداده لفك الرابط بين التيار الوطني الحر وبين حزب الله ولكن بشروط يتم الاتفاق عليه مسبقًا فيما بدا أنه انقلاب على مواقفه السابقة من وضع حزب الله على قائمة المنظمات الإرهابية ومن الروابط بين التيار الوطني الحر وبين حزب الله المدعوم من إيران.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Downloads\Doc-P-706791-637260028625808154.jpg

وأضافت السفيرة الأمريكية أن جبران باسيل يعاقب بموجب قانون “ماغنيتكسي العالمي” وليس معنى ذلك أنه غير معرض للعقوبات بموجب أية قوانين أخرى، مؤكدة أن هذه العقوبات ليست لها علاقة بالانتخابات الأمريكية وأنه تم الإعلان عنها وقت أن أصبحت جاهزة.

على الجانب الآخر أصدر مكتب جبران باسيل بيانًا قال فيه إن عدم رغبة السفيرة الأمريكية الإعلان عن الدلائل التي استدعت العقوبات الاقتصادية على باسيل يؤكد أنه لا توجد هناك أدلة دامغة على الفساد. ووصف البيان المحاولة الأمريكية في الإعلان عن وجود شروط ومحددات يضعها التيار الوطني الحر كمحددات لعلاقاته بحزب الله عوضًا عن دعم المسار الحواري بأنها خطوة فاشلة “لدق إسفين” بين التيار والحزب ولكنها لن تنجح.

ولكن ماذا شاب العلاقات بين الولايات المتحدة ولبنان في فترة حكم الرئيس دونالد ترامب؟ المثير أن نفس السياسة التي اتبعها الطرفان كانت سببًا في توتر العلاقات وفرض العقوبات فيما بعد. ففي الوقت الذي ضاقت فيه واشنطن ذرعًا بطهران وسياساتها العدائية وتدخلها في مناطق نفوذ الولايات المتحدة عن طريق وكلائها ومارست سياسة الضغط القصوى على طهران وأعوانها حتى الوصول لتصفير صادراتها النفطية في تجاوز لسياسات جميع الإدارات الأمريكية السابقة، عمل النظام اللبناني في الاتجاه المعاكس الذي تعدى المألوف المسيحي اللبناني في تقارب مدهش مع ميليشيا دينية شيعية مدعومة من الخارج. ولذلك فقد كان من الطبيعي للمصالح أن تصطدم.

قانون “ماغنيتسكي”.. ماذا تعني العقوبات من الناحية القانونية؟

بداية، القانون صادق عليه في عام 2012 الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما والشق القانوني فيه يستند إلى البنوك والمؤسسات المالية، بما يعني أن العقوبة تستوجب إقفال حسابات المدرجين على لوائح مكتب مراقبة الأصول الخارجية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية. وستجد البنوك اللبنانية نفسها في حاجة إلى تجميد الأصول ومنع التعامل مع باسيل فورًا خوفًا من أن تطالها العقوبات. ويمكن أن يمتد ذلك إلى حظر التعامل المصرفي مع المقربين من “باسيل”.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Downloads\5f3ebe16423604581a6753f3.jpg

من ناحية أخرى فإن “باسيل” وبعد أن أصبح مدرجًا على لوائح مكتب مراقبة الأصول الأجنبية فإن أي تأشيرة سفر له إلى أمريكا تصبح في حكم الإلغاء. وستحد العقوبات من حركة سفره إلى دول تربطها اتفاقات أمنية مع الجانب الأمريكي.

واكتسب القانون اسمه من حادثة وقعت في عام 2009 تضمنت وفاة محاسب الضرائب الروسي ” سيرجي ماغنيتسكي” في محبسه بموسكو وذلك بعد أن قام بالتحقيق في سرقة مجموعة من محاسبي الضرائب 230 مليون دولار من خزينة الدولة وفي ذلك الوقت اتهمت الحكومة الروسية “ماغنيتسكي” نفسه بالقيام بعمليات احتيال في تلفيق للتهمة وقد توفي في محبسه بعد تعرضه للضرب بشكل يومي كما أصيب بأمراض في الجهاز الهضمي نتيجة سوء التغذية. وتلا ذلك أن قام أحد أصدقاء “ماغنيتسكي” المقربين وهو أمريكي الجنسية بمحاولة لتدويل القضية والضغط على المشرعين في الكونجرس للخروج بصيغة قانون تفرض عقوبات على الفاسدين خارج الحدود الأمريكية.

على أي حال يبدو أن باسيل يدفع اليوم ثمن الدفاع عن حزب الله المدعوم من إيران وتلكؤه في تمرير تشكيل الحكومة لأنه لا يريد أن يتسبب في ضرر لحليفه الشيعي في معادلة لم يعد الشعب اللبناني قادرًا على استيعابها أو تحملها. وليس صحيحًا أن المنفعة المتبادلة بين التيار الوطني الحر وحزب الله على قدم المساواة لأن الظاهر على الأقل أن حزب الله لازال هو المستفيد الأكبر من هذه العلاقات الوثيقة وربما تمتد تأثيرات العقوبات على باسيل حتى الانتخابات الرئاسية اللبنانية في عام 2022 حيث إنها تحد بشكل أكيد من فرصه في الفوز بمقعد الرئاسة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى