مكافحة الإرهاب

مواجهة مكشوفة.. النمسا وتفكيك الخلايا النائمة لحركة حماس وتنظيم الإخوان

تسع دقائق، كانت المدة التي استغرقها “كوجتيم فيض الله” الشاب العشريني، ذوي الأصول الألبانية، لتنفيذ هجومه الدامي في قلب فيينا، في الثالث من الشهر الجاري. حيث هاجم “كارتس إس”، ستة مواقع في محيط 2 كلم، وأوقع 4 قتلي، و22 جريحاً منهم 7 أشخاص في حالة حرجة. وسرعان ما أعلن تنظيم داعش الإرهابي مسؤوليته عن الهجوم، وظهر المنفذ في مقطع مصور مدته لا تتجاوز الدقيقة والنصف يعلن بيعته للتنظيم، ممسكًا بالأسلحة التي نفذ بها هجومه الأخير في قلب فيينا.

وفي استجابة جهاز الشرطة النمساوية للهجوم، قتلت المنفذ في تبادل لإطلاق النار، ومشطت المنطقة بالكامل، وداهمت 18 منزلًا، وألقت القبض على 14 من المشتبه بهم، ممن كانوا على علاقة بمنفذ الهجوم. إلا أن المفارقة الصادمة تجلت فور تفحص قوات الشرطة وفريق التحقيقات لهوية المنفذ، إذ اتضح أن المهاجم كان تحت مراقبة أجهزة الأمن الخارجية، بل وحُكِم عليه بالسجن 22 شهرًا لمحاولته التوجه إلى سوريا للانضمام لتنظيم داعش مع 90 نمساويًا آخرين، وسُجن في إبريل 2019. لكن السلطات أفرجت عنه بشكل مبكر، في ديسمبر 2019.

وهو الأمر الذي انتقده وزير الداخلية النمساوي “كارل نيهامر” أمام الصحفيين، حيث أشار لخداع الشاب لأجهزة الأمن بالقول، واعترف الوزير بأنه لم تكن هناك إشارات تحذيرية بشأن الخطر الذي يمثله هذا الشاب. كما كشفت التحقيقات اللاحقة عن خط سير منفذ الهجوم، من غرب أوروبا لشرقها، كاشفةً عن عدة أشخاص وكيانات أمدته بدءًا من الفكر المتطرف، وصولًا للحصول على السلاح والذخيرة. حيث أكدت التحقيقات أن “فيض الله”، حاول الحصول على ذخيرة من سلوفاكيا واللتقي بأفراد من ألمانيا كانوا تحت المراقبة.

أعاد الحادث الإرهابي الأخير، جدلية “الإسلام السياسي الحركي” للواجهة في النمسا، ولاسيما بعدما تصاعدت موجة “الانعزالية” لدي شرائح مسلمي أوروبا جراء الدعم التركي – القطري السخي للمراكز والمنظمات الإسلامية التي باتت تنشط في 2000 بلدة ومدينة بكامل القارة الأوروبية وتروج لأفكار الحاكمية الإسلامية وتعمل على تدجين الشرائح المسلمة ضمن المصالح الاستراتيجية العليا لأنقرة وتجاذباتها مع أوروبا (الاتحاد الأوروبي – الناتو – كل دولة على حدة).

حيث شنت السلطات النمساوية، الانين، 9 من الشهر الجاري، حملة مداهمات ضد متطرفين إسلامويين في 4 ولايات، إذ داهمت قوات الأمن 60 منزلًا ومبنى سكنيًا، ومكاتب عمل وجمعيات في فيينا وولايات شتايرمارك وكرينتن والنمسا السفلي. وأعلن الادعاء العام النمساوي في مدينة جراتس أن عمليات المداهمة والتفتيش استهدفت أشخاصًا وجمعيات على صلة بجماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس. موضحًا أن عمليات المداهمة الحالية لا ترتبط بالهجوم الإرهابي الذي وقع في فيينا قبل أسبوع، مشيرًا إلى أن هذه التحقيقات مستمرة منذ أكثر من عام.

وبحسب البيانات سيجري استجواب 30 شخصًا على الفور. وتجري التحقيقات بشأن الاشتباه في تأسيس تنظيم إرهابي وتمويل عمليات إرهابية وصلات مناهضة للدولة، وتنظيم إجرامي وغسيل أموال.

وجاء في بيان الادعاء العام: “وفقاً للتحقيقات التي أجريت حتى الآن، فإن جماعة الإخوان المسلمين هي تنظيم عالمي، إسلامي راديكالي، وهي على اتصال بجماعات إرهابية”. ووصف وزير الداخلية النمساوي، كارل نيهامر، الحملة التي تمت في صباح يوم الإثنين، بأنها ضربة ضد “جذور الإسلام السياسي”.

استفاقة النمسا لتنظيم الإخوان

تلقى التنظيم الدولي للإخوان المسلمين ضربة صادمة وقاصمة في الثلاثين من يونيو 2013. حيث أسقط الشعب المصري جماعة الإخوان في مصر وأنهي حكمها بعدما ارتأى للجماعة وتنظيمها الدولي، أنهما قد أحرزا انتصارًا تاريخيًا، واستحقاقًا غير قابل للزوال. وعليه، لجأت الجماعة إلى بؤر وملاذات آمنة، تراوحت بين السودان – إبان حكم البشير -، وتركيا، وجنوب وشرق آسيا، والولايات المتحدة، وأخيرًا غرب أوروبا.

حيث وفرت حكومات تركيا وبعض دول جنوب شرق آسيا “ماليزيا – اندونيسيا” الملاذات الآمنة لقيادات وعناصر التنظيم بحكم التقارب الآيديولوجي بينهما، فيما استغل تنظيم الإخوان دول غرب أوروبا وأجندة الحريات بها، للاحتماء والتخفي، ومن ثم مزاولة النشاطات الإرهابية (عمليات إرهابية – غسيل أموال – قيادة حملات الاغتيال المعنوي والحرب النفسية)، من قلب العواصم الأوروبية. بيد أن تنظيم الاخوان وجد في هذه الأجندة الحقوقية والقيم العلمانية للدول الأوربية المناخ المناسب ليس فقط لتصدير وقيادة النشاط الإرهابي بالشرق الأوسط ودوله المستهدفة فحسب، بل لتصديره أيضاً لأوروبا ومجتمعاتها. وظهر ذلك في الاتي:

  • تسخير المنظمات والمؤسسات والمراكز الدينية الإسلامية للشرائح المسلمة بالدول الأوروبية، وتحويلها وقت الضرورة لمراكز دعم لوجيستي للنشاط الإرهابي، وهو ما تجلي في دراسة عدد من الارهابيين الأوروبيين داخل هذه المراكز قبل سفرهم للقتال في سوريا، ويعد النموذج الفرنسي الأبرز وضوحا لتلك الحالة. كما يعد حظر ألمانيا لميليشيا حزب الله اللبنانية، وتصنيفها كمنظمة ارهابية في إبريل الماضي، بعدما نجحت الاستخبارات الداخلية الألمانية في كشف مخازن لنترات الأمونيوم، ونشاطات ترتبط بعمليات غسيل الأموال تابعة للميليشيا اللبنانية؛ نموذجاً لماهية الدعم اللوجيستي الذي تقدمه المراكز الإسلاموية المحسوبة على كل من تركيا وإيران وقطر.
  • توفير الدعم المالي لعناصر الذئاب المنفردة، كما كشفت تحقيقات السلطات الفرنسية في العمليات الارهابية التي تعرضت لها فرنسا في العام 2015.

وعلى الرغم من ضعفها، حسبما أقر مسؤولو الأمن في النمسا مؤخراً، إذ تم إقالة رئيس وكالة المخابرات الداخلية لمدينة فيينا، ركزت أجهزة الاستخبارات النمساوية على نشاطات تنظيم الإخوان في العامين الماضيين، واتبعت تدريجيًا نهجًا للسيطرة على دوره الوظيفي وتحجيم سبل إعاشته، ولاسيما بعدما ظهرت ديناميكية توظيفية بين الجماعة المصنفة ارهابية في العديد من الدول العربية، وبين اجندة تركيا التوسعية في محيطها الأوروبي.

وكانت البداية الحقيقية، في العام 2019، عندما أصدرت الداخلية النمساوية قانونًا يحظر رموز جماعة الإخوان الإرهابية، وعددًا من التنظيمات الإرهابية الأخرى، حيث دخل حيز التنفيذ بعدها بشهر واحد. وخلال العام الأول لتطبيق القانون، رصدت السلطات النمساوية 71 مخالفة لقانون حظر رموز الإخوان الإرهابية وحزب الله اللبناني خلال عام.

في سبتمبر الماضي، قررت حكومة مقاطعة “النمسا العليا” – شمالي النمسا-، وقف جميع أشكال التمويل الحكومي للإخوان وغيرها من تنظيمات الإسلام السياسي، وتشكيل لجنة خبراء لرصد تحركاتها وهياكلها التنظيمي وأعضائه. وقال حاكم مقاطعة “النمسا العليا”، توماس ستيلزر: “على الرغم من جهودنا لإدماج الأشخاص من ذوي الخلفية المهاجرة في المجتمع، تلعب الجمعيات والمنظمات الإسلامية المتطرفة مثل الإخوان وغيرها دورًا سلبيًا لإعاقة الاندماج”.

وعلى قدر ما كشفت عنه التحقيقات النمساوية في الهجوم الإرهابي الأخير من سلسلة من الكيانات والأشخاص كانوا على صلة وثيقة بالمنفذ منذ أشهر؛ يُرجح أن تكون عمليات المداهمة الستين الذي نفذتها السلطات النمساوية اليوم ضد أهداف مرتبطة بتنظيم الإخوان وحركة حماس، مجرد بداية لمرحلة جديدة من مواجهة مكشوفة بين عقيدة أوروبية وأسلوب حياة، ممثلة في أجهزة أمنية استخباراتية بالنمسا، وبين شبكة معقدة من الأشخاص والكيانات مرتبطة بتنظيم الإخوان المسلمين وتباعًا بالقرار الاستراتيجي لأنقرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى