القضية الفلسطينية

في شأن الأطراف الفلسطينية.. القاهرة “القبلة الأولى والوجهة الأخيرة”

بعد ذهاب أكثر من دولة عربية في خلال شهور قليلة إلى خيار التطبيع مع إسرائيل لا يبدو أن لدى الفلسطينيين الكثير من الخيارات الواقعية للتعامل معها خصوصًا أن هناك دولًا عربية أخرى من المتوقع أن تشق طريقها نحو إبرام اتفاقات مع إسرائيل منها المغرب وسلطنة عمان وقطر.

والقاهرة التي قامت بالكثير من الإجراءات للوصول إلى صلح بين الأطراف الفلسطينية فتح وحماس لا ترى أن هناك ضررًا من توجه هذه الأطراف إلى جهات إقليمية أخرى للوصول إلى تسوية في هذا الملف لأن ما يهم القاهرة بالدرجة الأولى ضمان إنهاء ما يقرب من 14 عامًا من الخلاف بين الحركتين، كما أن مصر وعلى الرغم من دخول أطراف إقليمية أخرى في الملف الفلسطيني لا زالت تمتلك الكثير من الأوراق الحاكمة لعملية السلام مع إسرائيل في الشرق الأوسط.

لنا عودة

وفي محاولة لاستعادة دفء العلاقات مع القاهرة قال رئيس المكتب السياسي لحماس بتاريخ 25 أكتوبر الماضي إن وفدًا من الحركة وعلى رأسه صالح العرعوري توجه في زيارة إلى القاهرة لاحقًا بوفد آخر على رأسه القيادي “خليل الحية”. وفي نفس السياق استقبلت القاهرة في أواخر شهر سبتمبر الماضي وفدًا من حركة فتح للتباحث معه على آخر ما آلت إليه الأوضاع الفلسطينية فيما يتعلق بالانتخابات. وتبدو الرسائل التي تبعثها فلسطين ممثلة في قيادات فتح وحماس واضحة وهي التأكيد على أن القاهرة وجهة أساسية للأطراف الفلسطينية. ولا يغير من ذلك أن الأطراف الفلسطينية اجتمعت في أنقرة لإبراز الاعتراض على اتفاقات السلام العربية مع إسرائيل والتحضير للانتخابات الفلسطينية.

وفي كل الأحوال فإن الخيارات الإقليمية لا تمنح الفلسطينيين الكثير من الرفاهية لأن التوجه نحو إيران وتركيا أصبح يقلق عددًا لا بأس به من الدول العربية، والأدهى أنها دول طالما انحازت للقضية الفلسطينية ودعمتها معنويًا وماديًا. فما هي الخيارات الإقليمية التي تميل لها الأطراف الفلسطينية اليوم.

إيران وتوظيف حماس لخدمة مصالحها

لطالما كان التمويل الإيراني لبعض الفصائل الفلسطينية مسيسًا وبعيدًا كل البعد عن جميع أشكال الانتصار للقضية نفسها فهي تذهب لفصائل معينة المقصود بها “حماس والجهاد الإسلامي” فضلًا عن أنه يتم تمريرها بعيدًا عن أعين السلطة الفلسطينية في شكل من أشكال تكريس الانقسام.

وتقوم طهران بإيصال أموالها إلى غزة بنفس الآلية التي تعمل بها قطر والتي تقوم بتمرير الأموال تحت رقابة إسرائيلية. وللمفارقة فإنه حتى فيلق القدس الذي تم تأسيسه لنصرة القضية الفلسطينية لم يتجه في يوم إلى القدس رغم أنه تدخل مباشرة في سوريا والعراق وهو بعض من كل من أوجه استغلال إيران لمأساة الفلسطينيين.

حدث جديد

وإذا شئنا تفنيد الأمور فإنه صحيح أن تقارب حماس مع إيران يجد مسوغًا له في الأوساط الشعبوية العربية خصوصًا بعد اتفاقات التطبيع التي تم توقيعها ولكن هذا ليس الوضع في الأوساط الرسمية العربية التي تجد أن تقارب حماس مع إيران يفقد القضية الفلسطينية أكثر مما يكسبها، كما أنه قد برز متغير جديد على الساحة، ذلك أن جنوح حماس إلى أطراف غير عربية أمر “معتاد” أما غير المعتاد والجديد هو أن فتح التي طالما اتهمت طهران بتقويض جهود تسوية القضية الفلسطينية نتيجة دعمها لانقلاب حماس في غزة منذ عام 2007 تبدو اليوم أكثر ميلًا لمحور الممانعة بأطرافه “قطر- إيران – تركيا” في محاولة لإيصال احتجاجها على اتفاقات السلام العربية الإسرائيلية التي لم تعد حدثًا جديدًا في هذه الحقبة.

لماذا المراهنة على طهران خاسرة؟

وعمومًا فإن المراهنات الفلسطينية على إيران كأحد أطراف محور الممانعة لدعم جهود الصلح ربما تذهب أدراج الرياح لأن طهران نفسها منشغلة بما هو أعمق وأهم من ذلك وتعاني وطأة العقوبات الاقتصادية التي لا يبدو أي انفراج بشأنها فما المانع من أن تنصرف عن الدعم لفلسطين ولو مؤقتًا.

علاوة على ذلك فإن قضية المقاومة في فلسطين بالنسبة لإيران ليست قضية نصرة أيدولوجية مثلما هو الوضع مع الحشد الشعبي في العراق أو حزب الله في لبنان فهي مناطق نفوذ أيدولوجية بالدرجة الأولى أما الموقف في فلسطين فهو معاداة سياسية واكتساب لأرضية على أنقاض قضية القرن. 

وإذا كانت دول عربية قررت أخيرًا عدم ربط المصالح مع إسرائيل بتسوية القضية الفلسطينية التي لا يبدو أنها في اتجاهها للتسوية فمن أقنع الفلسطينيين أن إيران ستبذل أكثر مما بذله العرب أو ستقوض مصالحها لأجل القضية، فالدعم الإيراني لحماس يتجاوز مجرد دعم المقاومة إلى محاولات إيرانية مستمرة لإضعاف نفوذ الولايات المتحدة وإسرائيل.

والدليل على ذلك أن العلاقات بين إيران وحماس توترت إلى حد قطع الإمدادات في الفترة التي انحازت فيها حماس للإخوان المسلمين ” ظهيرها الأيديولوجي” ضد النظام السوري الذي يعد حليف طهران في المنطقة. 

كيف استغلت إسرائيل قطر وظيفيًا لتكريس الانقسام؟

في البداية يجب أن نفهم العلاقة بين قطر وإسرائيل في سياقها الصحيح فالعلاقة قامت أصلًا على تقاطع المصالح وتحقيق أكبر قدر من المكاسب للمال السياسي القطري والذي جاء الملف الفلسطيني كأبرز انعكاساته، ذلك أن المال القطري هو أكثر العوامل المساعدة على تكريس الانقسام الفلسطيني وبالتالي تقزيم القضية برمتها في الوجدانين العربي والدولي.

وفي التاريخ القريب وتحديدًا في 18-6 – 2019 دخل محمد العمادي سمسار قطر لنقل الأموال إلى حماس بحزمة مساعدات وصلت إلى 30 مليون دولار بعيدًا عن السلطة الفلسطينية ويذكر أن العمادي زار إسرائيل أكثر من 20 مرة في الفترة من عام 2014 حتى عام 2019 ويرأس اللجنة الوطنية لإعمار غزة.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Downloads\Ef2puNkXgAAZF_i.jpg

كما أن المشاريع التي تسعى قطر إلى إنشائها في قطاع غزة تعمق الانقسام وتكرسه حيث تم الاتفاق مع إسرائيل لتزويد قطاع غزة بالكهرباء بشكل دائم عن طريق مشروع الخط 161 دون الرجوع للسلطة الفلسطينية ولما كان الهدف بالنسبة لإسرائيل هو التواصل مع حماس” بشكل غير مباشر” فقد وجدت في قطر الوسيط الأفضل.

وعلى أي حال فإن الدور القطري في غزة لا يخرج عن النصوص الإسرائيلية بل أن الأموال القطرية التي تتدفق تجنب إسرائيل الحرب هناك كما تجنبها مغبات انفجار الأوضاع.

وللتأكيد على ذلك فإنه عندما كانت الانتخابات الإسرائيلية على الأبواب في أكتوبر 2018 تدفقت الأموال القطرية إلى قطاع غزة لأن تل أبيب كانت تريد أوضاعًا هادئة في ذلك الوقت. والدوحة عمومًا عبر أموالها المسمومة إلى غزة تعمل في اتجاه ألا تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل 2007.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Downloads\h_8.jpg

أنقرة: الوجه الآخر لعملة الاستغلال

لا يختلف الدور التركي في فلسطين كثيرًا عن الدور القطري، فأنقرة لا تكترث حقًا بتسوية القضية الفلسطينية أو بعودة الحق إلى أصحابه كما أنها في علاقاتها مع فلسطين تسعى وتضع نصب أعينها استغلال الثروات الطبيعية في المنطقة كما هو الحال بالضبط بالنسبة للتدخل التركي في الأراضي السورية والليبية، وفي أواخر يونيو الماضي تداولت وسائل إعلامية أنباء تضمنت أن السلطة الفلسطينية في طريقها لتوقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع الجانب التركي.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Downloads\20171210_2_27426608_28707021_Web.jpg

ووفقًا لموقع تركيا الآن فقد قال سفير فلسطين لدى تركيا “فائد مصطفى” إن السلطة الفلسطينية مستعدة لترسيم الحدود البحرية مع تركيا على غرار الاتفاقية التي وقعتها حكومة الوفاق الليبية مع أنقرة. مضيفًا أن السلطات الفلسطينية لم تتمكن من استغلال ثروات الغاز الطبيعي حتى الآن بسبب الضغوطات التي يمارسها الجانب الإسرائيلي. مشيرًا إلى أنه فيما يتعلق بالمنطقة الاقتصادية الخالصة فإن فلسطين على استعداد للتعاون مع أنقرة لاستغلال ثرواتها من الغاز الطبيعي.

ولكن وزارة الخارجية الفلسطينية قالت إن التصريحات المنسوبة لسفيرها لدى الجمهورية التركية قد أخرجت من سياقها ونسبت له ما لم يقصده. كما نفت الخارجية الفلسطينية في بيان لها وجود أي نية لتوقيع اتفاقية ترسيم حدود بحرية مع أي من الدول المطلة على البحر المتوسط بما فيها قبرص واليونان وتركيا.

وكما هو الحال في التعاون القطري – الإسرائيلي فإن هناك تعاونًا تركيًا – إسرائيليًا وإن كان بمستوى أعلى، وعلى صعيد العلاقات العسكرية وحدها فهناك تعاون في مجال الإنتاج والتطوير إضافة إلى تعاون في المجالات الأمنية والاستخبارية ووجود تنسيق على أعلى المستويات بين الموساد والاستخبارات المركزية التركية.

مع الوضع بالاعتبار أن علاقات بهذا المستوى لم تتوقف أو تتراجع على مدى تاريخها حتى في الأوقات حالكة السواد بالنسبة للقضية الفلسطينية. وعلى الرغم من ذلك فإن الرئيس التركي يمارس براجماتية يضفي عليها قدرًا كبيرًا من الكوميديا بانتقاداته اللاذعة للإمارات والبحرين بعد تطبيع العلاقات مع إسرائيل بل والتلويح بسحب السفير التركي من أبو ظبي في طُعم مازال يبتلعه الكثير من المواطنين في العالم العربي. ومن السرد السابق يتضح أن علاقات الأطراف الفلسطينية مع أطراف إقليمية أخرى ليست وليدة اللحظة وإنما امتدت عبر سنوات إلا أنها المرة الأولى التي يمارس فيها الفلسطينيون تصعيدًا يوصف بالحاد. 

تصعيد فلسطيني

بعد التوقيع على اتفاقات تطبيع بين دول عربية وإسرائيل أخذ الجانب الفلسطيني منحى تصعيدي سواء في لهجة الخطاب أو حتى الخطوات التي تم اتخاذها وقد كان الانعكاس الأكثر وضوحًا لذلك هو انسحاب فلسطين من رئاسة مجلس الجامعة العربية لهذه الدورة وذهاب الأطراف الفلسطينية لأنقرة لعقد اجتماعات تحضيرية لمسألة الانتخابات التي ظهرت فجأة بعد أن غابت عن الساحة لمدة 13 عامًا بعد الانقلاب الدموي لحماس في غزة.

كما أعلن وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي في مجلس الأمن الدولي أن دعوة الرئيس محمود عباس لعقد مؤتمر دولي للسلام تأتي في محاولة لإثبات رغبة الفلسطينيين في الوصول إلى حل سلمي وهي محاولة أخيرة حسب وزير الخارجية الفلسطيني ومن غير المعلوم إلى أين سيكون التوجه الفلسطيني إذا لم يكن نحو السلام!

مراجع: 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى