أوروباالانتخابات الأمريكية

بين ترامب وبايدن.. حلف الناتو عودة للاستقرار أم نهج جديد؟

منذ اليوم الأول لحملته الانتخابية إبان العام 2016، قدم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب نفسه على أنه النقيض المطلق لإدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما. وما إن أصبح دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة حتى انطلق في سياساته الداخلية والخارجية ليؤكد على نقيض نهجه قياسًا على إدارة باراك أوباما، أو بالأحرى قياسًا على المنظومة القيمية والفلسفية والتنظيمية للجناح اليساري الديمقراطي بحرسه الجديد والقديم. وهي المنظومة التي تشبعت بروح النظام الدولي الجديد بعد الحرب العالمية الثانية وقيم شبكته الاقتصادية السياسية المعولمة

أضحت السياسات العامة الأمريكية منذ دخول دونالد ترامب للمكتب البيضاوي قبل أربعة سنوات مزيجًا بين فلسفة القوة لرونالد ريجان، ونزعات الانعزالية والارتداد للداخل منذ الحرب الأمريكية الإسبانية 1898. وعليه ثبتت الولايات المتحدة أصولها الاستراتيجية العسكرية انطلاقًا من ثقتها بأنها القوة الأعظم المهيمنة على مفاصل العالم، وبدت تحركاتها تتجه نحو الانسحاب من التكتلات والمعاهدات التي تراها إدارة ترامب لا تجيء في مصلحة واشنطن. وللمفارقة، أن طريقة الانسحاب بدت وللمرة الأولى جديدة كليًا على تاريخ البيت الأبيض، كما بدت على النقيض من منظومة العولمة وقيم السوق الحر، التي أسستها الولايات المتحدة عبر عقود طويلة مضت. حيث انسحب دونالد ترامب من 12 اتفاقية ومعاهدة دولية خلال فترة توليه البيت الأبيض، ومنها إنهاء مشاركة واشنطن في الميثاق العالمي للهجرة كونه يتعارض مع سيادة البلاد ومبادئ الهجرة في إدارة ترامب، والانسحاب من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة اليونسكو بعد اتهام واشنطن إياها بالانحياز للفلسطينيين، والانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ التي تسمح للدول بتعويض انبعاثاتها من ثاني أكسيد الكربون بشكل طوعي.

والانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني أو ما يُعرف بخطة العمل المشتركة، والانسحاب من المعاهدة الدولية لتجارة الأسلحة التقليدية التي تقيّد بيع أسلحة لجهات متورطة في جرائم حرب، وكذا انسحبت واشنطن من معاهدة القوى النووية متوسطة المدى مع روسيا.

وعلى غرار الانسحاب من المعاهدات الدولية، حلت التكتلات والأحلاف الأمنية كذلك ضمن بنك أهداف “السياسة الترامبية” لإعادة النظر في وضعها وتهيئتها بما يتناسب ويحقق المصالح والطموحات الأمريكية داخل إطار محرك السياسة الجديدة (نزاعات للعزلة+ميل لاستخدام القوة واستعراضها)، وكان على رأسها حلف شمال الأطلسي “الناتو”.

ففي أول مقابلة له منذ فوزه بالانتخابات الرئاسية، وقبل أن يتسلم منصبه بأيام، قال دونالد ترامب في حوار مشترك مع صحيفتي بيلد الألمانية وتايمز البريطانية، أن حلف الناتو قد عفا عليه الزمن، ما أثار صدمة في صفوف الأوروبيين الذي لم يعتادوا على أن تتصدر الانطباعات الحقيقية للمسؤولين الأمريكيين الصحف والقنوات عوضًا أن تبقي في الغرف والاجتماعات المغلقة.

وفي مارس من العام 2017، بدأ الأمين العام لحلف شمال الأطلسي “ينس ستولتنبرج”، زيارته الرسمية الأولى للولايات المتحدة، لاستيضاح مواقف الإدارة الأمريكيةـ خاصة وأن ترامب هاجم ألمانيا فيما يتعلق بمساهماتها المالية في موازنة حلف الاطلسي. وتجلت المواقف الأمريكية تجاه الحلف حول ثلاثة معضلات، شكلت محددات تعامل إدارة ترامب مع الحلف الذي تصفه الأدبيات السياسية للديمقراطيين بالحلف الأنجح عسكريًا في التاريخ:

  1. المساهمات المتواضعة من دول الحلف الـ 29، في النفقات الدفاعية، حيث كانت الولايات المتحدة تساهم بنحو 70% من إجمالي نفقات الحلف، إلا أنه مؤخرًا أصبحت تساهم الولايات المتحدة بنحو 22% من إجمالي النفقات وهي النسبة الأكبر بين جميع أعضاء الحلف.
  1. عدم مشاركة الحلف في مكافحة الظاهرة الإرهابية العابرة للحدود، حيث انتقد ترامب الأدوار المحدودة للحلف في مكافحة الإرهاب، بل أوعز في تصريحات سابقة أن الحلف الأطلسي قد عفا عليه الزمن نظرًا لأنه لا يُحارب الإرهاب.
  2. ارتباط دول في الحلف بعلاقات اقتصادية حيوية مع روسيا، وخاصة ألمانيا التي انتقدها ترامب في توفيرها لمليارات الدولارات لروسيا جراء حصولها على الغاز من الأراضي الروسية.
https://twitter.com/realDonaldTrump/status/1288620254130626561?s=20

هذا وكان مستشار الأمن القومي السابق، جون بولتون، قد قال في كتابه “الغرفة التي حدث فيها هذا: مذكرات من البيت الأبيض”، إن ترامب أراد تهديد قادة دول الناتو في قمة عام 2018 بمغادرة الولايات المتحدة للحلف إذا لم يدفعوا مساهمات تقدر بـ2% من الناتج المحلي الإجمالي لدولهم. إذ تحافظ غالبية دول التحالف على نسبة إنفاق دفاعي لا تصل في أحيانِ كثيرة لـ 1.8% من اجمالي الناتج المحلي، بينما تنفق الولايات المتحدة حوالي 3.4% من ناتجها المحلي على الشق الدفاعي لتطال جميع الأصول العسكرية لها عبر مناطق العالم.

https://twitter.com/realDonaldTrump/status/1164231651351617536?s=20

وفيما بدت استجابة “لتهديدات” دونالد ترامب بالخروج من الحلف الأطلسي في وقت بدأ فيه نفوذ روسيا يتسرب تدريجيًا للشرق الأوسط والمياه الدافئة وجنوب وشرق أوروبا؛ رفعت سبع دول بالحلف نفقاتها الدفاعية (بريطانيا وإستونيا واليونان ولاتفيا وليتوانيا وبولندا) إلى 2% من إجمالي الناتج الداخلي في 2018. وقفز الإنفاق في بلغاريا ودول البلطيق وهولندا بنحو 20% تقريبا في عام 2018 مقارنة مع عام 2017.

تصل تكلفة تشغيل الحلف سنويا حوالي 1.6 مليار يورو، قياسًا على العام 2019، ويحتاج الحلف لمزيد من النفقات ولاسيما بعد سيادة نمط عسكرة التفاعلات في مناطق عملياتية تتصل بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالاتحاد الأوروبي والغرب، تغطى نفقات تشغيل حلف الناتو من ترتيبات تمويل تستند إلى الدخل القومي لكل دولة. ويشمل ذلك:

  • كلف الإدارة والكادر المدني في قيادة الحلف.
  • العمليات المشتركة، والقيادات الاستراتيجية، والرادارات ونظم الإنذار المبكر، والتدريب والاتصالات.
  • نظم الاتصالات الدفاعية والمطارات والموانئ وتجهيزات الوقود.

بيد أن الانتقادات التي حظي بها الحلف من جانب واشنطن وضعته في موقف محرج ولاسيما بعدما تصاعدت الخلافات بين أروقة الحلف وأعضائه وانتقلت من المكاتب التمثيلية له إلى ميدان المواجهة. حيث أثارت حادثة تصدي البحرية التركية لفرقاطة بحرية فرنسية في يونيو الماضي كانت في مهمة “حارس البحر” للناتو في مياه البحر المتوسط، ووضعها أمام وضع “الإطلاق الناري” استياء الكثيرين من الأعضاء بجانب فرنسا، وعبّرت عن حالة الموت الدماغي للحلف حسبما وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. ليختبر بذلك حلف الناتو مشهدًا مضطربًا نتيجة غياب دور الولايات المتحدة كضابط اتصال وإيقاع لدينامية العمل بداخله وتنظيم مهامه القتالية، وارتهان الدور بتغيير حقيقي لسياسات إنفاق دفاعية للدول الأعضاء.

وعلى قدر التشابكات والقضايا المهمة المحورية في الداخل الأمريكي، استحوذ حلف شمال الأطلسي على نصيب لافت من تصريحات الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة، جو بايدن. فعندما سُئل العام الماضي، بمن سيتصل أولًا حين يفوز بانتخابات الرئاسة، أجاب بايدن: حلف الناتو.

واعتمد الرئيس الجديد للبيت الأبيض خطًا منهجيًا للتسويق لحملته الانتخابية، اشتمل على ضرورة التأكيد على ارتباط الولايات المتحدة الاستراتيجي بالحلف ودوله، والوقوف بجانبه، كونه يمثل خط الدفاع الأول عن “الحضارة الغربية” أمام محاولات انتقام القوي التقليدية “روسيا – الصين”. وانتقد بايدن لذلك سياسة ترامب تجاه روسيا الساعية لتقسيم وتفتيت حلف الناتو. 

وانطلاقا من هدف إعادة علاقات الولايات المتحدة للمنحى الطبيعي مع الدول الأوروبية وتحالفها الأمني الأبرز تاريخيًا، من المرجح أن ينتهج بايدن نفس نهج الرئيس الأسبق باراك أوباما، من تثبيت وضع أوروبا منطقة مستقرة ليست بحاجة إلى استمرار المساعدة الأمريكية، وأن الأولويات الجيوسياسية الأساسية لواشنطن هي أمريكا اللاتينية، والشرق الأوسط، وقبل كل شيء آسيا. ويُعبر المفكر والمخطط الاستراتيجي للولايات المتحدة عن هذه الحقيقة، من خلال تركيزه على تكثيف حجم وعدة القوات الأمريكية في منطقة شرق وجنوب آسيا.

وللوصول بأوروبا لمنطقة استقرار أمام تهديدات كبري ممثلة في تزايد النفوذ الروسي والقدرة الصاروخية الباليسيتية والفضائية لموسكو، من المرجح أن تسود العلاقات بين إدارة بايدن والناتو، التفاهمات والتقارب حول وجهات النظر من حيث:

  1. نفقات الدفاع للدول الأعضاء، ونسبة مشاركة الولايات المتحدة بها، حيث تستهدف الدول الأعضاء زيادة نفقاتها الدفاعية لـ 2% من إجمالي الناتج المحلي بحلول 2024. مع احتمالات بخفض نسبة مشاركة الولايات المتحدة من حيز الـ 22% لـ 15%.
  2. مسألة سحب القوات الأمريكية من أوروبا، ولاسيما بعدما قررت الولايات المتحدة سحب حوالي 12 ألف من جنودها من ألمانيا، لإعادة نشر جزء منهم في بلجيكا وإيطاليا، كما أعلن وزير الدفاع الأمريكي مايك إسبر، نهاية يوليو الماضي. وقال إسبر في واشنطن إنه سيُجرى إعادة حوالي6400 جندي من ألمانيا إلى الولايات المتحدة، بينما سيُجرى نقل 5400 آخرين من ألمانيا إلى دول أوروبية أخرى، مع إجراء العديد من عمليات الانتشار الدورية إلى أوروبا. وكان الأمر بمثابة “زلزال” للدول الأوروبية حسبما وصفت صحيفة التايمز البريطانية. ومن المرجح يراجع بايدن خطط نقل القوات من ألمانيا، ويعمل على خطة لإعادة انتشار القوات الأمريكية بغرب أوروبا، بما يتوافق ونبرته العدائية تجاه روسيا ودورها الإقليمي والدولي. 
  3. الاستعانة بالحلف الأطلسي لمواجهة التهديدات الصينية، على الأمن العالمي ومنها جهود شركة هواوي الصينية لبناء شبكات لاتصالات الجيل الخامس في دول أوروبية منها ألمانيا وبريطانيا.

وختامًا، بالرغم من تركيز بايدن في حملته الانتخابية على “إصلاح” سياسات سلفه دونالد ترامب، ولاسيما تلك المتعلقة بالحرب التجارية مع الاتحاد الأوروبي، والخلافات مع الحلف الأطلسي، إلا أن التفاهمات الأمريكية – الأطلسية المرتقبة، قد تواجه بعض الصعوبات فيما يخص الأمور الفنية بتغطية نفقات الحلف، والتزامات الولايات المتحدة. وذلك لأنه من المرجح أن تعتمد إدارة بايدن تخفيضًا في الإنفاق العسكري يتراوح بين 2 لـ 5 % كحد أقصي، ما قد يعجل من المطالب الأمريكية للدول الأعضاء في الحلف بتسريع وتيرة رفع انفاقهم الدفاعي لحيز الـ 2%. مع حرص الإدارة الأمريكية الجديدة على رفع جاهزية حلف الأطلسي لإشراكه في مواجهة الصعود التقني للصين “شبكات الجيل الخامس”، ما يعني أن ثمة تهديدات بانسحاب أمريكي من الحلف، قد لا يبدوا واردًا في سياسة الإدارة الديمقراطية التي تمثل الحرس القديم للجناح اليساري بالحزب الديمقراطي، والذي ساهم عبر نخبه وكوادره في صياغة العالم المعولم الذي اصطدم معه دونالد ترامب اصطداما دراماتيكيًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى