دول المشرق العربيإسرائيل

الرهانات السياسية في قلب المفاوضات بين إسرائيل ولبنان

دخلت مسألة المفاوضات بين إسرائيل ولبنان حول ترسيم الحدود البحرية بينهما فصلًا جديدًا من التعقد، خاصة بعد انتهاء الجولة الثالثة؛ بعد أن طالب لبنان بإضافة مساحة أخرى لباب التفاوض بخلاف المنطقة المتنازع عليها في المياه الاقتصادية، وبعد أن تخلت إسرائيل عن الالتزام بسرية المفاوضات وبدأت في تسريب معلومات حول موقف لبنان المتعنت حسب التقارير الإسرائيلية.

حسب الرواية اللبنانية: يدافع الوفد اللبناني عن أن المفاوضات لا ترقى إلى كونها تمهيدًا لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، كذلك الالتزام بالتفاوض حول الجوانب الفنية والقانونية لمسألة ترسيم الحدود مع إسرائيل. ولكن يبدو أن هناك حسابات سياسية أخرى للطرفين هي المسؤولة عن التعقد النسبي الذي لازم المفاوضات.

محفزات التعقد

أثناء الجولة الثالثة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل وبعد انتهاء الجولة ذاتها، بدأت تتراكم مؤشرات جديدة على المشهد ككل فرسمت نسبيًا ملامح من التعقد. أبرز هذه المؤشرات كانت كما يلي:

  1. لبنان يطلب أكثر: حسب المعلومات التي سربتها إسرائيل من خلال صحفها ووسائل إعلامها، فإن لبنان طالب بالتفاوض على مساحة 1430 كم مربع تضاف على مساحة المنطقة المتنازع عليها 860 كم مربع. وهو ما عُدّ مفاجأة للإسرائيليين كون ذلك يعني أن لبنان يطالب بالحقول “تمساح” و”قرش” اللذان يشهدان في الوقت الحالي أعمال استكشاف وتنقيب إسرائيلية.
  2. موقف إسرائيلي حازم: قابلت إسرائيل القفزة اللبنانية غير المتوقعة تلك بموقف رسمي جاء في البيان الصادر من وزارة الطاقة الإسرائيلية: “إسرائيل لن تتفاوض على سيادتها على الحقول تمساح وقرش”. كما حادت إسرائيل عن الالتزام بسرية المفاوضات وبدأت في تسريب معلومات عنها؛ من أجل البعث برسالة إلى المجتمع الدولي والولايات المتحدة مؤداها أن لبنان شريك غير جاد في التفاوض.
  3. خطوات غير سلمية: ترافق مع التعثر الذي شاب جولات التفاوض بين إسرائيل ولبنان، خاصة الجولة الثالثة، تصريحات سياسية وتحركات عسكرية لم تكن سلمية أو توافقية. (أ) فإسرائيل كررت اختراق السيادة اللبنانية بحرًا وجوًا (25 أكتوبر، و30 أكتوبر، و1 نوفمبر). (ب) المسؤولون الإسرائيليون يهددون لبنان بهجوم عسكري ضدها. (ج) حزب الله اللبناني يؤكد على ارتباطه الاستراتيجي بإيران. (د) قائد الجيش اللبناني يرد على إسرائيل بأن القوات المسلحة اللبنانية ستظل مدافعة عن لبنان مهما بلغت التضحيات (1 نوفمبر).

الرهانات السياسية

يبدو أن جولات التفاوض بين الوفدين الإسرائيلي واللبناني تحتكم إلى مجموعة من الرهانات السياسية، سواء من الجانب الإسرائيلي أو الجانب اللبناني.

(أولا) تعتمد إسرائيل على مجموعة من العوامل التي مثلت معززًا لموقفها التفاوضي في مواجهة لبنان، أهمها: هو الدعم الأمريكي، إذ تضغط إدارة دونالد ترامب من أجل استمرار مبدأ التفاوض بين لبنان وإسرائيل للوصول إلى تسوية بشأن ترسيم الحدود البحرية. كذلك تمارس الولايات المتحدة أقصى ضغط على تنظيم حزب الله اللبناني عن طريق محاصرته سياسيًا باعتباره تنظيمًا إرهابيًا حسب الرواية الأمريكية، وكذلك محاصرته اقتصاديًا عن طريق فرض عقوبات اقتصادية على الأفراد المحسوبة على التنظيم.

ثاني أهم هذه العوامل هو الحصار الشعبي على حزب الله ذاته، لا طالما مثّل هذا التنظيم عاملًا أساسيًا في توجيه مسارات المفاوضات التي كانت بين لبنان وإسرائيل في نفس القضية؛ لذلك ارتأت إسرائيل والولايات المتحدة أن اتهام الشارع اللبناني لحزب الله بمسؤوليته في انفجار مرفأ بيروت هو السياق المثالي من أجل الدفع بالمفاوضات لترسيم الحدود البحرية. متجاهلة (أي الولايات المتحدة) أن لبنان يدخل المفاوضات بدون حكومة أو مظلة سياسية حاكمة، وبالتالي من المفترض أن يشوب لبنان التخبط والمحاصرة.

العامل الأخير: هو حاجة لبنان الاقتصادية، فقد مرَّ لبنان بأزمتين أخرتا الاقتصاد اللبناني إلى أوضاع متأخرة (أزمة كورونا، وانفجار مرفأ بيروت). 

(ثانيا) من الجهة اللبنانية، أدرك الوفد اللبناني أهمية تذكير الإسرائيليين بأن لبنان لا يجلس على طاولة المفاوضات من موقف ضعيف؛ ربما يفسر ذلك أحد أسباب مطالبة لبنان بتوسيع مساحة المنطقة المتنازع عليها من 860 إلى 2200 كم مربع تقريبا. 

وبما أن حزب الله يستمر في التذكير بارتباطه الاستراتيجي مع إيران؛ فهو يبعث الرسالة إلى واشنطن مفادها أن مستجدات العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران هي التي ستحدد مسارات التفاوض بين إسرائيل ولبنان. إذن، يمكن القول إن لبنان (بما فيها حزب الله والحكومة المقدر تشكلها مستقبلا) تراهن على إدارة أمريكية جديدة تقدم خطوات توافقية تجاه إيران، عكس إدارة ترامب التي لا زالت تمارس أقصى الضغط على طهران ووكلائها في المنطقة على رأسهم حزب الله اللبناني.

يدخل في مجموع الرهانات اللبنانية أيضا، مسارات تشكل الحكومة اللبنانية. من المنصف القول إن تحديد مسارات التفاوض بين لبنان وإسرائيل يرتهن أيضا بتحديد مسارات هذه الحكومة. يتضح ذلك في طبيعة الوزارات التي تطالب بها الفصائل السياسية المستبعدة من التفاعلات اللبنانية الداخلية بشأن تشكيل الحكومة برئاسة الحريري، أبرز هذه الفصائل هو التيار المسيحي بزعامة جبران باسيل، والفصيل الشيعي المتمثل في حركة أمل وحزب الله. 

  1. يطالب جبران باسيل بحصول تياره على حقيبة وزارة “الطاقة”.
  2. بينما يطالب حزب الله وحركة أمل بحقيبة “المالية”، مع الإشارة إلى أن التنظيم استغنى عن حقيبة الصحة.

بالنظر إلى طبيعة الحقائب الوزارية يمكن استنباط أن هناك فصائل سياسية ترغب في الإشراف الكامل على مسارات التفاوض مع إسرائيل. وأن حزب الله يرغب في ربط أي تقدم في المفاوضات بتقدم مماثل له في الاندماج داخل الحكومة اللبنانية الجديدة أو على الأقل ضمان تبعية بعض الوزارات الحيوية إليه.

هل الرهان على “بايدن” صائب؟

عند الحديث عن منطقة الشرق الأوسط وعلاقتها بالولايات المتحدة، تجب الإشارة إلى أمرين وهما أن الولايات المتحدة تستمر في توجهها بالانسحاب التدريجي من المنطقة، ثانيا هو أن إسرائيل تمثل لواشنطن ركيزتها الاستراتيجية في المنطقة. وعليه ستحرص الإدارات الأمريكية على ضمان دمج إسرائيل في المنطقة لتعزيز وضعها الجيوسياسي والاستراتيجي.

لذلك ليس من المنطقي أن يراهن لبنان على كسب وضع متفوق على إسرائيل، حتى في ظل إدارة ديمقراطية قد تقدم إشارات لفظية أكثر توافقا من إدارة ترامب الهجومية في إدارتها للأزمات، خاصة مع إيران.

لم يرد ذكر لبنان في أجندة الحزب الديمقراطي 2020 إلا مرة واحدة، أشار فيها الحزب إلى ضرورة الاهتمام بإجراء إصلاح اقتصادي من أجل اقتلاع لبنان من أزمته. وهو ما يتفق كثيرًا مع المبادرة الفرنسية التي تمنح الإصلاحات المالية والاقتصادية أولوية أولى في لبنان. ربما يفسر ذلك السعي الحثيث لحزب الله لكسب وزارة المالية؛ حتى يكون على تماس مباشر مع القرارات الدولية، ووزارة الداخلية من أجل ضبط استقرار الشارع اللبناني الذي قد يتأهب ضد التنظيم المحسوب على إيران.

لذا يمكن القول في هذا السياق إن حزب الله كما قد يراهن على إدارة أمريكية جديدة توافقية أكثر، فإنه يتحسب لهوامش الخطأ من خلال فرض نفسه في الحكومة الجديدة عن طريق مفاصل وزارية أكثر حيوية.

ختاما، يمكن القول إن تقدم المفاوضات بين إسرائيل ولبنان بشأن ترسيم الحدود البحرية أصبح مرتهنًا بحسابات سياسية أخرى أبرزها هي نظرة البيت الأبيض بعد الانتخابات الأمريكية للبنان، وكذلك الحكومة اللبنانية الجديدة التي يحاول سعد الحريري تشكيلها بمعزل عن الجميع سوى الرئيس اللبناني.

كما يمكن افتراض مسار تقارب روسي مع لبنان؛ فاستقرار سياسي واقتصادي للبنان هو وضع مهم بالنسبة لروسيا التي تبحث عن استقرار الوضع في سوريا. لذا لا يمكن استبعاد أن يوسع لبنان (بإيعاز من حزب الله) هامش مناورته بالموافقة على الطلب الروسي بترسيم الحدود البحرية الشمالية للبنان مع سوريا.

لن تقف إسرائيل مكتوفة الأيدي أمام هذا التعقد، فستواصل تهديداتها العسكرية للبنان من أجل الضغط على حزب الله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى