الانتخابات الأمريكية

الصين في الانتخابات الأمريكية بين الفرص والتحديات

الصين والولايات المتحدة تنظر كل منهما للأخرى على أنها تهديد أساسي، وتتشابكان في العديد من القضايا مثل الموقف الأمريكي المعارض لقانون الأمن القومي الصين الذي تم فرضه على هونج كونج والتهديد بالتدخل في حالة تطبيق القانون، ومعاملة الإيغور، بالإضافة إلى المشاحنات التي تدور في بحر الصين الجنوبي. كذلك، المساعي الأمريكية لاستمالة دول جنوب شرق آسيا، وإقامة حوارات أمنية مثل الحوار الأمني الرباعي مع كل من اليابان والهند وأستراليا، وتوقيع اتفاقيات عسكرية مع الهند خاصة في ظل مشاحناتها مع الصين مؤخرًا على الحدود بينهما، والمبيعات الدفاعية لتايوان والتي تثير غضب الصين.

يدفعنا ذلك لمحاولة معرفة وضع الصين في المناظرة الرئاسية بين المنافسيْن، وكيف ترى وسائل الإعلام الصينية تلك الانتخابات، وفهم إلى أي مدى ستضفي تلك القضايا تأثيرًا على المصالح الصينية بما يجعل من الأفضل تولي أحد المرشحين عن الآخر.

الصين في التنافس الرئاسي

حظيت الصين بجزء مهم في التنافس بين المرشح الجمهوري دونالد ترامب والديمقراطي جو بايدن من حيث تبادل الاتهامات، فقد وجه ترامب اتهامات إلى بايدن ونجله بعقد صفقات تجارية مع الصين، وظل متمسكًا بمسألة دور بايدن حين كان عضوًا بمجلس الشيوخ في انضمام الصين عام 2001 لمنظمة التجارة العالمية. وحاول بايدن كسب الانتباه عبر توجيه اتهامات بالفساد لترامب بامتلاكه حساب بنكي في الصين –الذي فنّده ترامب بأنه تم إغلاقه منذ 2015- بجانب أعمال تجارية أخرى. هدّد بايدن كلًا من الصين وروسيا وإيران بأنهما ستدفعان ثمن التدخل في الانتخابات في حال فوزه في السابق الحالي.

من جانب آخر، يرى ترامب نفسه أقوى المرشحين فيما يخص بكين، لأنه فرض حربًا تجارية عليها واستهدف صناعة التكنولوجيا الخاصة بها، وأتهمها بالتواطؤ في انتشار فيروس كورونا، وعبّر عن فخره بإغلاق الحدود أمام القادمين من الصين. لكن هذا لم يمنع بايدن من انتقاد الإجراءات الخاصة بمنع دخول أجانب للولايات المتحدة، واعتبر أن ذلك مؤشرًا لعدم الثقة فيما يقوله ترامب حول ما يخص الفيروس.

كذلك، اعتبر بايدن أن ترامب تسبب في زيادة العجز التجاري الأمريكي مع الصين، وأن التعريفات الجمركية التي تم فرضها على السلع الصينية كان لها أضرار أكثر من المنافع. وأشاد بايدن بجهوده أثناء توليه منصب نائب الرئيس السابق باراك أوباما بالسعي لجعل الصين تلتزم بالقواعد الدولية، وذلك بالاشتراك مع حلفاء الولايات المتحدة. أما بخصوص كوريا الشمالية، رأى بايدن أن العلاقات مع الصين هي مفتاح التعامل مع بيونج يانج، وأن ما فعله ترامب بمنع التصعيد مع كوريا الشمالية قد أضفى شرعية على النظام هناك.

الانتخابات الأمريكية في وسائل الإعلام الصينية

لم تحظ الانتخابات الأمريكية بنفس الاهتمام في وسائل الإعلام الصينية مثلما حدث خلال المنافسة بين ترامب وهيلاري كليتنون في 2016. ربما ذلك حتى لا يتم استخدام ذلك كمثال على التدخل الصيني في الانتخابات، وإدراك حساسية القضايا التي تخص الصين في علاقات الدولتين. 

وقد اعتبر محللون أن الإعلام الصيني يرى أن الانتخابات مجرد استعراض خاصة من جانب ترامب، واعتبروا أن المناظرة الأولى عبارة عن حوار منخفض الجودة، وركزت وسائل الإعلام الرسمية التابعة للحكومة الصينية على بعض الجوانب السلبية في هذا الحدث، مثل العلاقة بين المال والسياسة، فقد اعتبروا أن الأصوات ستذهب حيث تكون الأموال.

لكن هذا لا يجب أن يجعل بكين تصرف النظر تمامًا عما يحدث، إذ إن ترامب قد يستخدم القضايا الخارجية لصرف الانتباه عن الفوضى الداخلية التي قد تحدث في حالة خسارته للانتخابات، وهو ما قد يضع العلاقات بين البلدين في أزمة جديدة. 

من الذي يناسب المصالح الصينية؟

يتسم الوقت الحالي بحالة من عدم اليقين في علاقة الدولتين، وهذا ما يجعل الآراء التحليلية تتجه إلى أن الصين لا تضع توقعات حول من سيكون الفائز في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وهذا يدفع لعدم تفضيل أي منهما على الآخر، بل هناك تأكيد بأن المرحلة القادمة لن تكون سهلة، لأن بكين تدرك أن كلا من الديمقراطيين والجهوريين يريدون فرض مزيد من القيود على الصين لعرقلة رؤيتها الاقتصادية والاستراتيجية ويتم اعتبارها بأنها تهديد بشكل أساسي.

وانطلاقًا من أن الصين تفضّل النظر لمستقبلها واعتمادها على الذات أكثر من علاقتها بالولايات المتحدة، خاصة بعد ما أثبتته من قدرة على مواجهة الحرب التجارية، وأيضًا احتواء وباء كوفيد-19 في الداخل فقد ذكر مجتمع الاستخبارات الأمريكية أن ما فعله ترامب مع الصين سيجعل الحزب الشيوعي الصيني يفضّل خسارته، لكن يرى بعض المحللين أن مصلحة الصين قد تكون في فوزه ليس لأنه قد يتسبب في ضرر أقل بمصالحها عن بايدن، لكن لأنه سيزيد من الأضرار التي ستلحق بالولايات المتحدة ذاتها، مما سيصب في النهاية في مصلحة الصين كقوة صاعدة. فقد انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي أن سياسة ترامب قد ساهمت في جعل الصين “عظيمة مرة أخرى” وليس الولايات المتحدة.

وكذلك فإن فوز بايدن سيزيد من مخاوف الصين، فقد أكد على أنه يقف لها بالمرصاد وسيعاملها بقسوة، على اعتبار أنه يفهم طبيعة شخص الرئيس الصيني شي جين بينج بحكم تعامله معه خلال إدارة أوباما، مما دفعه إلى وصف شي بـ”السفاح”. يعبر ذلك عن التحول الذي تشهده توجهات بايدن نحو الصين بأنه يمكن التعامل مع الصين “كصاحب مصلحة مسؤول”، إلى أنها “منافس حقيقي”. 

من جانب آخر، يقف بايدن بقوة مع القيم الديمقراطية، وسيساهم هذا في تقوية التحالفات مع القوى الديمقراطية الأخرى لتشكيل ضغط على الصين خاصة في معاملة شعبها، فلا يزال هناك ترسيخ في السياسة الأمريكية بالتعامل مع الصين كتهديد. ويرى المتشددون أن المنافسة مع الصين يمكن حلها بفرض عقوبات أكثر صرامة وفصل الاقتصاديْن وزيادة الإنفاق الدفاعي، واستغلال قضايا مثل الأقليات العرقية، وهونج كونج وتايوان لمزيد من الأعباء على بكين. هذا يعني أن بايدن من هذا المنطلق سيتبع تكتيكات أكثر تشدّدا وتنسيقًا ضد الصين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى