مكافحة الإرهاب

“ذئاب منفردة” في فيينا.. تفاصيل ليلة “هجوم دام”

لم تسجل النمسا في أي من مدنها الهادئة أي هجوم “إرهابي” منذ عقود. كما أن العاصمة فيينا كانت بعيدة عن سياسات التنافس الإقليمي في نطاق الاتحاد الأوروبي، ولم يشكل موقعها الجغرافي هدفاً استراتيجياً لكل من روسيا وحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة على صعيد خطط الانتشار العسكري، وتطويق النفوذ الروسي.

فالنمسا تتوسط أوروبا، إذ تقع خلف بلدان شرق أوروبا. وأمام كتلتها الغربية. من توليفة الجغرافيا السياسية تلك؛ بينما تمتعت بهدوء واستقرار كبيرين مقارنة بما كان يجري في كل من ألمانيا وفرنسا من أزمات مرتبطة باللاجئين والمهاجرين وتصاعد نشاط الإسلام السياسي ورواج نزعات الانفصالية والانعزالية لدي شرائح من مسلمي أوروبا.

على ما يبدو، ودعت النمسا الهدوء الذي تمتعت به على أصوات زخات رصاص رجت أصداء قلب العاصمة فيينا. حيث تعرضت ستة مواقع في قلب وسط مدينة فيينا لهجوم إرهابي نفذه – عنصر مسلح – على الأقل، حسبما أعلن وزير الداخلية النمساوي، كارل نيهامر، اليوم، الثلاثاء. 

ففي تمام الساعة الثامنة، مساء أمس، الاثنين. أطلق مسلح النار على الناس في المطاعم والحانات والطرقات الملاصقة للشارع الذي يضم الكنيس اليهودي المركزي في المدينة. كما أطلقت الأعيرة النارية في منطقة ساحة شويدينبلاتز المجاورة. 

دائرة قطرها أقل من 2 كلم، تجول فيه المسلح لمدة 9 دقائق، أطلق فيها مئات الطلقات، ما أفضى إلى مقتل 5 أشخاص، بينهم المهاجم، ورجلين وامرأتين، وإصابة 22 آخرين، بينهم 7 في حالة حرجة. حتي تمكن الشرطة من تصفية المهاجم في تمام الساعة الثامنة وتسع دقائق. 

تُظهر التسجيلات المصورة للمهاجم أثناء تنفيذه للعملية الإرهابية عدة ملاحظات مهمة:

  1. إجادة المهاجم لإطلاق النار من سلاح آلي في أوضاع الثبات والحركة، وخاصة الركض.
  2. ارتداء المهاجم لحزام ناسف مزيف، وحمله لمسدس، وساطور مع سلاحه الآلي.
  3. معرفة جيدة للطرقات والشوارع في قلب المدينة، إذ تحرك المهاجم بصورة غير عشوائية، وتنم عن دراية دقيقة بطبيعة مسرح الهجوم.
  4. أداء يتماهى إلى حد كبير مع أداء العناصر الإنغماسية، وهي عناصر النخبة في التنظيمات الإرهابية والمنوط بها تنفيذ أعمال الاقتحام والإغارة والتصفية الميدانية.

وفي استجابتها للحادث، نشرت الشرطة النمساوية حوالي 1000 عنصر شرطي، وطلبت وزارة الداخلية من المواطنين عبر منصة تويتر، الالتزام بالبقاء في المنزل وعدم استخدام وسائل النقل العامة. 

وأمنت قوات الشرطة المواطنين العالقين في الشوارع، فيما نُشرت قوات من الجيش بوسط المدينة. كما أُعلِن القبض على 14 مشتبهاً به، وتم مداهمة نحو 18 منزلاً، استعملت قوات الشرطة المتفجرات في أحدهم للدخول. كما تفحص الآن الشرطة النمساوية حوالي 20 ألف مقطع مصور عن الحادثة للوقوف على تفاصيله الدقيقة.

التوصل لهوية المنفذ

صرح وزير الداخلية النمساوي، كارل نيهامر، اليوم، بأنه لا توجد أدلة بعد تفيد بوجود مهاجم ثانٍ في الهجوم الإرهابي الذي وقع في العاصمة فيينا مساء أمس الاثنين، وأن المسلح الذي قتلته الشرطة، كان مواطناً نمساوياً، شاباً في العشرين من عمره، مزدوج الجنسية ” النمسا – مقدونيا الشمالية”، وُلد في النمسا وعاش فيها طيلة حياته.

المهاجم، كان تحت مراقبة أجهزة الأمن الخارجية، بل؛ وحُكِم عليه بالسجن 22 شهراً لمحاولته التوجه إلى سوريا للانضمام لتنظيم داعش، مع 90 نمساوياً آخرين، وسُجن في إبريل 2019. لكن السلطات أفرجت عنه بشكل مبكر، في ديسمبر 2019. وهو الأمر الذي انتقده وزير الداخلية أمام الصحفيين، حيث أشار لخداع الشاب لأجهزة الأمن بالقول واعترف الوزير بأنه لم تكن هناك إشارات تحذيرية بشأن الخطر الذي يمثله هذا الشاب. كما أعلن وزير الداخلية النمساوي بأنه لا توجد أدلة بعد تفيد بوجود مهاجم ثانٍ في الهجوم.

وبعيداً عن الإدانات الفورية للهجوم من فرنسا وألمانيا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي، والعديد من الدول الأخرى، ارتكز الخطاب الرسمي للمستشار النمساوي “سيباستيان كورتز”، بعد الحادث على وصفه بـ “الإرهابي”، وكذا مؤسسات البلاد الأمنية، دون التطرق في تصريحات جانبية عن جدلية الإسلام السياسي. ما يعني إدراكاً من المسؤولين بحساسية الطرح، والتركيز على مجابهة التحديات الأمنية دون توفير المناخ المناسب لعمليات أخري قد تحدث بنفس نمط وتكتيك العملية الأخيرة.

سياقات متشابكة.. وذئاب رمادية ومنفردة

يأتي هجوم فيينا الأخير بالتزامن مع الاضطرابات الأمنية التي تعيشها فرنسا اليوم داخلياً، إذ أعلنت الحكومة الفرنسية عبر لسان رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون، مطلع أكتوبر الماضي، خطتها لمواجهة ما أسمته “الانفصال الشعوري” للعديد من مواطنيها – الشرائح المسلمة – وذلك بعدما استفحلت المؤسسات والتنظيمات الإسلامية السياسية فيها، ودفعت بعزل عشرات الالاف من المواطنين الفرنسيين المسلمين عن الجمهورية الفرنسية وقيمها، لصالح أدبيات الحاكمية الإسلامية وتعزيز إشكالية المواطنة والهوية، للدين أم للدولة، أم لدولة أخري تروج تتبني مشروعاً توسعياً يستند في أدواته على أدبيات الأممية والحاكمية الإسلامية.

  وتطرق المرصد المصري لخطة باريس التفصيلية لمواجهة “الانفصال الشعوري” في روقة “مواجهة حتمية.. كيف تواجه فرنسا شبكات الإسلام السياسي وداعميها”؟. 

أثار مشروع القانون الفرنسي، حفيظة الحكومة التركية، حيث أتهم الرئيس التركي نظيره الفرنسي بمعاداة الإسلام والمسلمين، كما روجت تركيا عبر منصاتها الإعلامية ذات النطاق المحلي والإقليمي لسردية مواجهة فرنسا، للدين الإسلامي، ما دفع بالحكومة التركية للبدء في شحن قطاعات كبري من مسلمي العالم معنوياً ضد الحكومة الفرنسية ودعمت دعوات مقاطعة البضائع الفرنسية. ما خلق حالة من الشحن، ورفع احتمالات حدوث عمليات إرهابية، وهو ما حدث بالفعل في الأسابيع الثلاثة الماضية، حيث قُطِعت رأس مدرس فرنسي عرض رسوماً كاريكاتورية للنبي محمد صلي الله عليه وسلم، بواسطة مراهق شيشاني في الـ16 من أكتوبر. ونفذ مواطن تونسي هجوم دموي داخل كنيسة نوتردام في مدينة نيس الفرنسية، وقتل 3 أشخاص داخل الكنيس، من بينهم امرأة قٌطع رأسها في الـ29 من أكتوبر الجاري. 

 وقدم المرصد المصري ورقة تحليلية في ضوء حادث نيس الأخير، أحداث “نيس”….إلى أين يصل التحريض والتوظيف التركي للإسلام الحركي في فرنسا وأوروبا؟، نوّه فيها المرصد المصري، من خطورة حدوث عمليات إرهابية بنمط “الذئاب المنفردة”، إذ لا يستلزم الأمر سوى “شخص يحمل أيديولوجية متطرفة + محفز ديني” للقيام بعملية إرهابية، دون أمر مباشر من التنظيمات الإرهابية، مع عدم استبعاد احتمالية انخراط أجهزة الاستخبارات التي تُوظف أداة الإرهاب، بالدفع العديد من عناصر الذئاب المنفردة للقيام بأعمال ومهام محددة. وتكمن خطورة عناصر الذئاب المنفردة في الاتي:

  1. إفلاتهم من مراقبة أجهزة الأمن، وتباعاً تحقيق عنصر المفاجأة في الهجوم وانخفاض نسب الإحباط والإنذار المبكر.
  2. الانتشار الكثيف للخلايا النائمة والحاضنة لعناصر الذئاب المنفردة، وسط تكتلات سكنية وحيوية، وتباعاً ارتفاع نسب وقع قتلي ومصابين.

تجدر الإشارة إلى أن نمط وتكتيك هجوم فيينا الأخير جاء ليتوافق تماماً مع أسلوب عمل “الذئاب المنفردة”، وهو الأسلوب الذي ابتكره تنظيم داعش لتعويض خساراته الكبرى في الميادين السورية والعراقية، إذ دعا مسلمي أوروبا تحديداً لارتكاب مثل هذه الجرائم بزعم نصرة الإسلام والمسلمين.

أما الذئاب الرمادية، فهي منظمة يمينية تركية متطرفة، كما تعتبر الذراع المسلح الغير الرسمي لحزب الحركة القومية، ولها أفرع عديدة في أوروبا. وتقوم عادة المنظمة بإحداث أعمال شغب مع الجالية الأرمينية أينما تواجدت في العواصم والمدن الأوروبية، ومن هذه الأحداث، ما وقع قرب مدينة ليون الفرنسية قبل أيام. 

وزير الداخلية الفرنسي، جيرالد دارمانان، أمس ، أن بلاده تعتزم حظر جماعة الذئاب الرمادية القومية التركية، وأن قضية الحل ستحال للحكومة يوم الأربعاء. 

ختاماً، أعاد هجوم فيينا الإرهابي الأخير، الذاكرة لتصريحات الرئيس التركي العلنية أمام مناصريه

 حيث قام بتهديد الدول الأوروبية بالسماح لعناصر تنظيم داعش الإرهابي بالعبور لأوروبا، ما دامت المواقف الأوروبية موجهة ضد المصالح التركية في العديد من الإحداثيات والبؤر كغرب ليبيا وشرق المتوسط وشمال سوريا والعراق.

ما قد يثير التساؤلات المقلقة حول الدور الوظيفي لأكثر من 2000 مؤسسة دينية تركية موجودة بسائر القارة الأوروبية وتعمل وفق أجندة السياسات التركية الجديدة بالمنطقة والعالم، حيث أثبتت الحالة الفرنسية، أن ثمة تحجيم لمؤسسات قد تطبق هذه الأجندة، أثار على نحو مباشر حفيظة الحكومة التركية ومسؤوليها، وكذا دفعت بتصاعد في العمليات الإرهابية على النمط والتكتيك الأكثر رعباً وسفكاً للدماء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى