الصحافة الإسرائيليةالانتخابات الأمريكية

بيجن السادات.. كيف تؤثر البيئة الدولية على الانتخابات الأمريكية واستراتيجية أمريكا العظمى؟

نشر مركز بيجن السادات الإسرائيلي تقريرًا تحت عنوان ” كيف تؤثر البيئة الدولية على الانتخابات والاستراتيجية الأمريكية العظمى؟“، أعده البروفيسور “بنجامين ميلر”، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة حيفا ومؤلف كتاب “الاستراتيجية الكبرى من ترومان إلى ترامب”. تناول التقرير تأثير البيئة الدولية على نتائج الانتخابات الامريكية خاصة في ظل تطور الاستراتيجية الأمريكية الكبرى.

بدأ التقرير بالإشارة إلى ما شكله انتخاب “دونالد ترامب” من تحدٍ للمحللين والباحثين في عام 2016، حيث أثيرت التساؤلات حول كيفية تفسير انتخاب شخصية مثيرة للجدل منعدمة للخبرة السياسية، وفي الوقت ذاته، فترامب يحمل توجهًا مختلفًا عن كافة أسلافه ممن ترأسوا الولايات المتحدة الأمريكية. وفي تناوله لتفسير ذلك، ذهب مُعد التقرير إلى أن معظم التفسيرات تميل إلى التركيز على ما واجهته طبقة العمال، خاصة ذوي البشرة البيضاء منهم في منطقة وسط غرب وجنوب الولايات المتحدة من مظالم اجتماعية واقتصادية وثقافية، حيث ساهم ذلك في التأثير بشكل كبير على صعود توجه “أمريكا أولًا” في السياسة الخارجية لدونالد ترامب. لكن من منظور آخر، أكد الكاتب أن السياق الدولي، الذي يتم تجاهله في أغلب الأحيان، يُعد عاملًا مهمًا في ظهور ها التوجه.

وفي السياق ذاته، أشار التقرير أن هناك عاملين دوليين رئيسين يؤثران على نتائج الانتخابات الأمريكية؛ ألا وهما ميزان القوى العالمي وتوازن التهديد الذي يواجه الولايات المتحدة. فعلى الرغم من وجود العديد من الخلافات على مر السنين حول كيفية معالجة الولايات المتحدة لهذه العوامل، إلا أن جوهرها كان واضحًا إلى حد ما حتى عام 2010. فعلى سبيل المثال، كان من الواضح خلال الحرب الباردة أن ميزان القوى الدولي كان ثنائي القطب، وبعد تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991، أصبح النظام الدولي أحادي القطب، تسيطر عليه قوة عظمى واحدة فقط، وهي الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي تفسيره لصعود دونالد ترامب، رأى التقرير أن هذا الصعود الاستثنائي لتوجهاته الخارجية التي ليست واقعية وغير ليبرالية، حدث للمرة الأولى منذ الثلاثينات من القرن المنصرم، وتساءل عن الميول التي أدت إلى ظهور التوجه القومي غير الليبرالي “أمريكا أولًا”؟ كما طرح تساؤلًا حول توقيت التشكيل الأمريكي لاستراتيجية كبرى متماسكة في هذا التوقيت الصعب.

وفي محاولته للإجابة على تلك التساؤلات، أشار التقرير إلى أن شخصية دونالد ترامب ونظرته للعالم تقدم تفسيرًا قويًا، تزامنًا مع العاملين الرئيسين السابق ذكرهما؛ حيث أصبح كلاهما أقل وضوحًا وأكثر إثارة للجدل في السنوات الأخيرة، وهو ما زاد من صعوبة بناء استراتيجية كبرى متماسكة ومتسقة. بالإضافة إلى ذلك، لم يكن أي من العاملين متوافقًا مع الاستراتيجية الواقعية أو الليبرالية.

وأضاف، أنه من أجل إعداد إستراتيجية واقعية للسيطرة على أجندة السياسة الخارجية فهناك حاجة إلى وجود درجة كبيرة من الإجماع والوضوح حول طبيعة التهديد الأمني ​​الذي يواجه الولايات المتحدة، خاصة إذا كان هناك خصم قوي واحد على الأقل من القوى العظمى موجودًا في النظام الدولي. كما رأى التقرير أنه لكي تهيمن استراتيجية كبرى ليبرالية على جدول الأعمال، فلابد أن يتم توزيع السلطة بالشكل الذي يصب في مصلحة الولايات المتحدة من عدة جوانب، بحيث تصبح تلك القوة المهيمنة هي الوحيدة القادرة على استثمار الموارد الشحيحة لتعزيز إيديولوجيتها، وأشار إلى أن تلك الشروط لم يكن لها وجود في منتصف هذا العقد.

وفي تناوله لطبيعة التهديدات التي تواجه الولايات المتحدة، أشار التقرير أن هناك استقطابًا أمريكيًا بين ثلاث مجموعات متنافسة في أعقاب التدخل الروسي في أوكرانيا فضلًا عن تدخلها في الانتخابات الغربية، فبعد ما وصفه التقرير بالغزو الروسي لأوكرانيا، رأى الليبراليون أن روسيا تمثل تهديدًا رئيسًا للديمقراطية الأمريكية والنظام الدولي الليبرالي. في حين، رأى الواقعيون أن صعود الصين يمثل التحدي الدولي الرئيسي للولايات المتحدة بسبب قدراتها المادية. وذهب معسكر ثالث كبير نسبيًا يضم الشعبويين القوميين إلى أن
تهديدات الهوية” هي التهديد الأكبر، والتي تتمثل في  الهجرة غير الأوروبية  وما تشكله من تهديد على هيمنة البيض في الولايات المتحدة. كما نُظر إلى هذه الهجرة على أنها مرتبطة بالإرهاب الدولي، حيث يُفترض أنها تشكل التهديد الأمني ​​الرئيسي كجزء من “صراع الحضارات” مع الإسلام.

أردف التقرير، أنه تم التخلي عن الاستراتيجية الليبرالية الكبرى بسبب التغيرات في ميزان القوى الدولي، حيث أن هيمنة الولايات المتحدة على القوة العالمية تعد شرطًا ضروريًا لهيمنة الاستراتيجية؛ ويرجع ذلك في المقام الأول إلى صعود الصين والقوى الأخرى في ظل التوزيع المتغير للقدرات وارتفاع التكاليف وعدم فاعلية الترويج للديمقراطية الذي تم بشكل عنيف في أفغانستان والعراق وليبيا وبصورة غير عنيفة في الصين وروسيا، إذ تراجعت رغبة الولايات المتحدة وقدرتها على تشكيل الطابع المحلي للدول الأخرى بشكل كبير.

فيما يتعلق بالعوامل المتعلقة بالاستراتيجية الكبرى المستقبلية التي يجب على المرشحين الرئاسيين أخذها في الاعتبار، أكد التقرير أن التراجع النسبي المستمر للقوة الأمريكية في ظل التوزيع العالمي للقدرات يُصعِّب من العودة إلى الاستراتيجية الليبرالية. حيث إن التحول المستمر من القطبية الأحادية إلى القطبية الثنائية مع صعود الصين، وربما لاحقًا إلى التعددية القطبية مع صعود قوى أخرى، يزيد من احتمالية عودة الواقعية. ورجح التقرير عودة الفكر الواقعي للظهور بالتزامن مع تحركات الصين الحالية التي تضعها في مركز أجندة السياسة الخارجية الأمريكية.

حول طبيعة الاستراتيجية، تساءل التقرير هل سترتكز على المواجهة أم التصالح؟، وفي إجابته على هذا التساؤل، رأى معد التقرير أن ذلك يعتمد جزئيًا على سلوك الولايات المتحدة، ورجح أن يلعب التهديد الصيني المتصور دورًا رئيسًا في ذلك.

وتوقع التقرير أن يساهم تقديم استراتيجية أكثر منطقية تجاه الصين بناءً على حقائق توزيع السلطة ومستوى التهديد في تعزيز ثقل المرشح خلال عام 2020، بل وأكثر من ذلك في عام 2024. ورأى أن ترامب قد أدرك بالفعل مركزية الصين وأهمية التلاعب بها كورقة هامة ضمن سياسته، خاصة بعد تفشي وباء كوفيد 19، الذي ألقى في ظله باللوم على الصين واتهمها بالمساعدة على انتشار الوباء على المستوى العالمي، بالإضافة إلى العديد من الادعاءات الأخرى. وأكد أنه في حين أن الدفاع الحازم عن المصالح الأمريكية له دلالة كبرى، إلا أن هناك خطرًا من حدوث تصعيد غير ضروري مع الصين.

لفت التقرير أنه من أجل إعداد استراتيجية متوازنة، فمن المرجح أن يركز بايدن على اعتزام الولايات المتحدة لمواجهة التجاوزات الصينية على المستوى الأمني والتكنولوجي والاقتصادي؛ وفي المقابل شدد التقرير على ضرورة ضبط النفس لمنع التصعيد والتعاون حفاظًا على مصالح الطرفين، ودعا إلى تجنب التصعيد في المجال الأمني وحذر من الدخول في حرب تجارية مكلفة أو في معالجة التهديدات المشتركة مثل تغير المناخ.

أما فيما يتعلق باستراتيجية واشنطن المحتملة تجاه بكين، أشار التقرير إلى أن توازن القوى المتغير مع صعود الصين قد حال دون تحقيق تطلعات الولايات المتحدة في فترة ما بعد الحرب الباردة لإعادة تشكيل الصين وفقًا لرؤيتها الخاصة في المستقبل المنظور. وحول الاستراتيجية الواقعية في ظل المنافسة في الانتخابات، توقع التقرير أن ترتكز بشكل جزئي على مستوى التهديد الذي تشكله الصين على المصالح الأمريكية الرئيسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى