تركيا

بعد دعوات المقاطعة.. العلاقات التجارية بين أنقرة وباريس في مهب الريح

دعا الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” الأسبوع الماضي مواطنيه إلى مقاطعة البضائع الفرنسية، على خلفية خلاف مع نظيره الفرنسي “إيمانويل ماكرون” بشأن التعامل مع المسلمين في فرنسا. وانتقد “أردوغان” “حملة الكراهية” التي يقودها “ماكرون” ضد الإسلام والمسلمين في بلاده بسبب تصريحاته عن الإسلام وتأييده نشر رسوم كاريكاتورية مسيئة للدين الإسلامي، معتبرا أنه “فقد صوابه”. كما شهدت معظم المدن التركية خلال الأيام الماضية مظاهرات للدفاع عن الدين الإسلامي والإعلان عن الموافقة على مقاطعة البضائع فرنسية الصنع.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل شنَّ “أردوغان” هجومًا ضد بعض القادة الأوروبيين، مصرحًا بإنهم يؤيدون “سياسة العداء للإسلام والمسلمين”، وذلك على ضوء تنديد وزير خارجية الاتحاد الأوروبي “جوزيب بوريل” لتصريحات الرئيس التركي ضد “ماكرون” واصفًا إياها بأنها “غير مقبولة”، داعيًا أنقرة إلى “وقف دوامة المواجهة الخطيرة”.

ونتيجة لذلك، استدعت باريس سفيرها في أنقرة بعد تصريحات “أردوغان” الهجومية حيث أكدت أنها أمر غير مقبول، وطالبت الرئاسة الفرنسية الرئيس التركي بـ”تغيير مسار سياسته لأنّها خطيرة من الزوايا كافة”. وبناء على ما سبق، يهدف هذا المقال إلى استعراض خلفية الخلاف بين تركيا وفرنسا، ومدى تأثيره على العلاقات التجارية بين الدولتين.

خلافات مستمرة ومتكررة

تتسم العلاقات الفرنسية التركية بالعديد من الخلافات على الصعيد السياسي وفي كثير من الملفات والقضايا، مما أدى إلى تصاعد حدة الهجوم بين كل من “رجب طيب أردوغان” و”إيمانويل ماكرون”، حيث تدهورت العلاقات بسبب الخلافات بشأن التنقيب والحقوق البحرية في شرق البحر المتوسط والحرب في ليبيا والتصعيد الأخير في إقليم ناجورنو قره باغ. وفيما يلي تفصيل لهذه الخلافات:

  • الملف الليبي:

دائمًا ما اتخذت فرنسا موقفًا معارضًا للممارسات التركية في ليبيا؛ إذ وصفت الأولى التدخلات التركية في طرابلس بـ”غير المقبولة”، وارتفعت التوترات بين أنقرة وباريس عندما نددت فرنسا بتدخل “عدواني” من قبل السفن التركية ضد سفينة تابعة للبحرية الفرنسية تشارك في مهمة حلف شمال الأطلسي في البحر المتوسط “حارس البحر”، وهو ادعاء رفضته أنقرة وقالت إنه “لا أساس له”.

وعلاوة على ذلك، رفضت تركيا التصريحات الفرنسية حول دور أنقرة في ليبيا، مشيرة إلى أن الدعم الذي تقدمه باريس إلى كيانات “غير شرعية” هو العائق أمام إرساء السلام والاستقرار في ليبيا. ويأتي هذا الخلاف بعدما توصلت تركيا في نوفمبر 2019 إلى اتفاق مع حكومة السراج، يتيح لها توسيع نطاق التنقيب عن الغاز شرق المتوسط.

  • شرق المتوسط:

يمثل الخلاف الفرنسي التركي حول الملف الليبي جزءًا من سلسلة أكبر من الصراعات في منطقة شرق المتوسط، حيث دعمت فرنسا موقف كلٍ من اليونان وقبرص تجاه التدخلات التركية في مياههما الإقليمية، والإصرار التركي على إرسال سفن التنقيب عن الغاز في هذه المنطقة مما يُعد خرق اختراق للقواعد الدولية المعمول بها في هذا الإطار.

وفي هذا الصدد، صعد الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” اللهجة تجاه نظيره الفرنسي “إيمانويل ماكرون”، واصفًا إياه بـ”عديم الكفاءة”. وجاء هذا التصعيد قبل أيام من مناقشة الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على تركيا بخصوص تحركاتها في شرق البحر الأبيض المتوسط. 

  • إقليم ناجورنو قره باغ:

في ظل اشتعال الصراع في إقليم “ناجورنو كاراباخ” المتنازع عليه بين أرمينيا وأذربيجان، تدخلت تركيا من خلال إرسال المرتزقة للقتال في صفوف أذربيجان ودعمها بالأسلحة والطائرات المسيّرة، ولهذا نددت فرنسا بالتدخل العسكري التركي في الأزمة.

  • لبنان:

جاء انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس الماضي ليفتح بابًا جديدًا للتنافس التركي الفرنسي بالمنطقة؛ إذ سارع الجانبان لإبداء استعدادهما لدعم الدولة اللبنانية في الأزمة التي عصفت بالاقتصاد اللبناني المتعثر بالفعل.

وما يدلل على ذلك، مسارعة الرئيس الفرنسي إلى زيارة بيروت في السادس من أغسطس –عقب الحادث بيومين فقط- مؤكدًا استعداده لتقديم كافة المساعدات للشعب اللبناني. وفي الوقت ذاته، وصل وفد تركي رفيع المستوى برئاسة نائب الرئيس التركي “فؤاد أقطاي” إلى بيروت في الثامن من أغسطس ليلتقى بالرئيس اللبناني “ميشال عون” ورئيس الوزراء “حسن دياب” مؤكدًا استعداد بلاده لإعادة بناء مرفأ بيروت من جديد.

العلاقات التجارية بين الجانبين التركي – الفرنسي

رغم الخلافات السياسية المتراكمة بين فرنسا وتركيا إلا أن الأولى تُعد شريكًا تجاريًا واقتصاديًا مهمًا للأخيرة. حيث تستحوذ فرنسا على 4.1% من إجمالي الصادرات التركية، و3.7% من إجمالي الواردات التركية.

وتتمثل السلع الرئيسية التي تصدرها تركيا إلى فرنسا في السيارات والمنتجات الزراعية وقطع غيار المركبات ينما تشمل قائمة الواردات التركية من فرنسا منتجات صناعة الطيران والفضاء والآلات والأدوية ومنتجات الحديد والصلب، ومنتجات التجميل.

ولم تتوقف العلاقات الاقتصادية عند حد التبادل التجاري فحسب، بل امتدت لتصل إلى الاستثمارات الأجنبية المباشرة والسياحة والتبادل الثقافي والتعليمي. ففي الفترة من 2002-2017، بلغ إجمالي حجم الاستثمارات المباشرة من فرنسا إلى تركيا نحو 6 مليارات 957 مليون دولار أمريكي، وفي عام 2017, زار تركيا 578.524 ألف سائح فرنسي. وبناءً على بيانات وزارة الداخلية، يعيش 3152 مواطنًا فرنسيًا في تركيا إما لأغراض العمل أو لأغراض تعليمية.

ولهذا فإن مقاطعة تركيا للبضائع الفرنسية تُعد نذيرًا لتدهور العلاقات الاقتصادة بين الدولتين، إذ سيتضرر الاقتصاد الفرنسي بشكل حقيقي في حال استمرت المقاطعة التركية له؛ نظرًا لخسارة عائدات الصادرات الفرنسية إلى تركيا -رغم ميل ميزان التبادلات التجارية بين البلدين لمصلحة أنقرة- فضلًا عن الإضرار بالشركات الفرنسية العاملة على الأراضي التركية.

وإذا ما قررت فرنسا الرد بالمثل على الخطوة التركية عبر تشجيع المواطنين على مقاطعة البضائع التركية، فإن هذا يعني الإضرار بالاقتصاد التركي المتعثر بالفعل بسبب ارتفاع صادرات تركيا لفرنسا مقارنة بواردتها منها مما يعني الإضرار بمستوى الاحتياطي النقدي وتفاقم وضع العملة المحلية (الليرة التركية) والتي سجلت أدنى مستوياتها على الإطلاق في الثلاثين من أكتوبر عند 8.3 ليرة مقابل الدولار.

وشهدت واردات تركيا من فرنسا تراجعًا ملحوظًا في السنوات الثلاث الأخيرة، بينما سجلت الصادرات التركية إلى فرنسا خلال عام 2019 أعلى معدل لها في السنوات الخمس الماضية. ويُمكن الاستعانة بالأشكال التالية لعرض حجم العلاقات التجارية بين باريس وأنقرة.

الشكل (1): التجارة الخارجية بين فرنسا وتركيا (مليار دولار)

يتبين من الرسم السابق أن واردات فرنسا من تركيا تجاوزت قيمة صاردات فرنسا لتركيا خلال الفترة محل الدراسة عدا عام 2015 حيث صب الميزان التجاري خلال هذا العام لصالح فرنسا، ليصب بعد ذلك في مصلحة تركيا.

كما نجد أن صادرات فرنسا لتركيا قد شهدت انخفاضًا بنحو 15.3% خلال الخمسة أعوام السابقة من 7.87 مليار دولار خلال عام 2015 إلى 6.66 مليار دولار بحلول العام الماضي. وعلى النقيض، سجلت واردات فرنسا من تركيا ارتفاعًا بحوالي 31.8% من 7.42 مليار دولار في 2015 إلى 9.78 مليار دولار خلال 2019. 

أما عن العام الجاري، فنجد أنه خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2020، بلغت الواردات التركية من فرنسا 3.9 مليار دولار، كما بلغت صادرات تركيا إليها 4.2 مليار دولار.

الشكل (2): حجم التبادل التجاري بين فرنسا وتركيا (مليار دولار)

يتضح من الشكل السابق ارتفاع حجم التبادل التجاري بين فرنسا وتركيا خلال السنوات القليلة الماضية لتصل إلى 3.12 مليار دولار خلال 2019، كما يتبين أن الميزان التجاري بينهما يميل لصالح تركيا بدءًا من 2016 وحتى 2019.وأخيرًا، يلاحظ أن العلاقات الاقتصادية بين الدولتين تدخل في مرحلة جديدة تنذر بتراجع حجم التبادل التجاري بينهما إذا تم بالفعل تطبيق حملات المقاطعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى