مقالات رأي

د.نيڤين مسعد تكتب : حدود التغيير في النظام الجزائري

غدا يتوجه الجزائريون للاستفتاء على التعديلات الدستورية التي أدخلتها لجنة الخبراء على دستور عام ٢٠١٦ ، وفي مقال الأسبوع الماضي تم تناول ذلك الشق من التعديلات الذي يتعلق بالهوية وجرى تحليل الجدل المثار حول الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية . وحتى تكتمل الرؤية فإن مقال هذا الأسبوع يناقش التعديلات الخاصة بكلٍ من الحقوق والحريات من جهة ونظام الحكم من جهة ثانية .

بداية بمنظومة الحقوق والحريات فلقد تمت “دسترة” الحق في الحياة لأول مرة في متن الدستور ، كذلك تضمنت التعديلات لأول مرة النص علي حماية المرأة من كل أشكال العنف في كل الأماكن والظروف ، وتم ذكر التعذيب صراحة ضمن الجرائم التي يعاقب عليها القانون كما أضيف الإتجار بالبشر إلى تلك الجرائم ، كذلك جرى تعميق بعض الحقوق المدنية والسياسية من قبيل الحق في التنظيم ( أي تكوين الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني ) وإحاطته بمزيد من الضمانات القانونية، والحق في حرية الرأي والتعبير عبر كل الوسائل المسموعة والمرئية ، وعدا هذا فإن التعديلات أكدت على ما كان منصوصاً عليه في دستور ٢٠١٦ .

لكن الملاحظ أن المادة ٦٧ كانت موضوع نقاش واسع بين المحللين لكونها نصت على أن ” يتساوى جميع المواطنين في تقلد المهام والوظائف في الدولة ، باستثناء المهام والوظائف ذات الصلة بالسيادة والأمن الوطنيين “، ومثل هذا النص المستحدث اعتبره البعض ينطوي على تمييز بين المواطنين ويتناقض مع العديد من المواد الدستورية الأخرى التي تنص علي أن المواطنين سواء أمام القانون ولا يجوز التمييز بينهم لأي سبب كان .

فإذا انتقلنا لنظام الحكم نجد أن التعديلات الدستورية حافظت على النظام الأقرب إلى الشكل الرئاسي ، هذا علماً بأن المسودة الأولى للتعديلات كانت قد تضمنت الإشارة إلى منصب نائب الرئيس إلا أنه تم العدول عن ذلك في المسودة الأخيرة بسبب الانتقادات الواسعة التي وُجّهَت له خاصة أن النائب ليس منتخباً بعكس الحال في النظم الرئاسية .

على جانب آخر ظل الرئيس يتمتع بصلاحيات كبيرة مقارنة بالوزير الأول أو رئيس الحكومة على الرغم من أن الوزير الأول أو رئيس الحكومة لم يعد مجرد منسق للحكومة بل أصبح يقودها.

وهنا نلاحظ أن التعديلات الدستورية استخدمت المصطلحين معاً ( الوزير الأول ورئيس الحكومة ) على أساس أنه إذا فاز بالأغلبية حزب رئيس الجمهورية صرنا أمام وزير أول وإذا فاز بالأغلبية حزب آخر غير حزب رئيس الجمهورية صرنا أمام رئيس للحكومة.

وقد تسببت تلك السابقة الدستورية المستحدثة في نوع من البلبلة خصوصاً أنه لا توجد اختلافات تُذكر بين وضع كل من الوزير الأول ورئيس الحكومة وبإمكان رئيس الجمهورية تفويض كليهما بعضاً من سلطاته ، بل إن المسودة الأخيرة للتعديلات الدستورية قد ألغت الاختلاف بين الجهة القضائية التي تحاكم الوزير الأول وتلك التي تحاكم رئيس الحكومة في المخالفات التي يرتكبانها بمناسبة تأدية عملهما ، وبالتالي فلقد أصبح كلاهما يُحاكَم أمام المحكمة العليا للدولة .

أما أبرز صلاحيات رئيس الجمهورية موضع الجدل في تعديلات الدستور فكانت تلك المنصوص عليها في المادة ١٨٦ والتي بمقتضاها يحق لرئيس الجمهورية تعيين ٤ من أعضاء المحكمة الدستورية وعددهم ١٢ بما في ذلك رئيس المحكمة ، وصلاحياته المذكورة في المادة ٢٠١ والمتمثلة في قيامه بتعيين رئيس وأعضاء السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات وهي الجهة التي تشرف علي وتنظم كافة الانتخابات بما فيها الانتخابات الرئاسية وكذلك عمليات الاستفتاء .

هذا فضلاً عن صلاحيته الواردة في المادة ٢٢١ والمنقول نصها من دستور عام ٢٠١٦ ، والخاصة بإمكانية تعديل الدستور دون المرور علي الاستفتاء الشعبي وذلك إذا “ارتأت ” المحكمة الدستورية أن التعديل الرئاسي لا يمس المبادئ العامة للمجتمع والحقوق والحريات وتوازنات السلطات والمؤسسات ، ولذلك كله اعتبر البعض أننا إزاء تراتب للسلطات وليس إزاء الفصل بينها ويستندون في ذلك إلي ما قاله وزير العدل بلقاسم زغماتي إن رئيس الجمهورية لا يتبع السلطة التنفيذية بل هو “يجسد وحدة الأمة”.

تبقى الإشارة إلي أن هناك من يرى أن التعديلات الدستورية الجديدة لم تتعامل مع الإشكالية الكبيرة التي واجهت البلاد بسبب مرض الرئيس بوتفليقة مرضاً عضالاً ومع ذلك ظل يحكم لسنوات ، إذ أن المادة ٩٤ في التعديلات الجديدة كررت المادة ١٠٢ في دستور ٢٠١٦ التي تنص علي أنه “إذا استحال علي رئيس الجمهورية أن يمارس مهامه بسبب مرض خطير ومزمن ، تجتمع المحكمة الدستورية بقوة القانون وبدون أجل ” وتقرر تولي رئيس مجلس الأمة رئاسة الدولة بالنيابة .

ومناط الاعتراض هو السؤال عن ماهية الجهة الطبية ذات الصلاحية الدستورية التي تبلغ المحكمة بمرض الرئيس مرضاً خطيرا ، أو بعبارة أخري ماهية الجهة التي تستطيع تحريك المحكمة الدستورية فتجتمع فوراً و بدون أجل .

تفيدنا الخبرة التاريخية في العديد من الاستفتاءات علي مسودات الدساتير الجديدة أو المعدّلة أنها عادة ما تنتهي بالتصويت بنعم . وفي الحالة الجزائرية فإنه في مواجهة قوي الحراك الشعبي وبعض القوي الحزبية الناقدة ، توجد قوي حزبية أخري عديدة تصطف خلف التعديلات لأنها تنظر لها نظرة شاملة تلحظ الثغرات لكن أيضاً تثمّن الإيجابيات ، كما أن رئاسة الأركان تدعم التعديلات وتؤيدها لأن ذلك يفوّت “الفرصة علي أعداء البلاد ويصون وحدته -أي وحدة الشعب -الترابية والشعبية” وهو اعتبار مهم .وهكذا فإننا سوف نتابع الاستفتاء الوشيك وكلنا أمل في أن يكون فاتحة مرحلة جديدة من الاستقرار والبناء والتنمية للجزائر الشقيقة .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى