اليمن

اغتيال “حسن زيد” روايات عديدة في مشهد يمني متكرر

أعاد اغتيال وزير الشباب والرياضة في حكومة الحوثيين “حسن زيد” (27 أكتوبر) بالعاصمة اليمنية صنعاء للأذهان مسلسل الجرائم السياسية الغامضة، فعلى الرغم إعلان الحوثيين عن ضبط الجناه، إلا أن ذلك لم يحسم القضية، خاصة في ظل عدم تقديم أدلة مقنعه للرأي العام. الأمر الذي يستدعي تسليط الضوء على مختلف الروايات المصاحبة للحادث وتفنيدها وذلك بهدف الوصول للتداعيات والتأثيرات المستقبلية.

روايات عديدة

ثمة روايات وتفسيرات يمكن الوقوف عليها فيما يرتبط بعملية اغتيال وزير الشباب والرياضة “حسن زيد” وذلك فيما يلي:

  • الرواية الأولى: التحالف العربي، تبنت ميليشيات الحوثي وأنصار الجماعة رواية تفيد بضلوع التحالف العربي في اليمن في عملية الاغتيال، إذ وضع التحالف ” حسن زيد” ضمن قائمة تضم نحو 40 قياديًا من الحوثيين مطلوبين لدى التحالف لضلوعهم في أعمال عنف وإرهاب، كما رصد التحالف 10 ملايين دولار لمن يدلي باي معلومة عنه. وعلى هذا الأساس صاغ الحوثيين روايتهم المتعلقة باتهام التحالف. ومع ذلك يبقى قبول هذه الرواية والجزم بها محل شكل كبير، لعدد من الأسباب: أولها، أن نمط الاستهداف والذي تم من خلال إطلاق أعيرة نارية من قبل مُسلحين يستقلون دراجة نارية قد لا يتفق مع أدوات التحالف العربي إذا ما قرر استهداف أحد القيادات الحوثية، فعلى سبيل المثال قام التحالف في ابريل 2018 باغتيال رئيس المجلس السياسي لجماعة الحوثي “صالح الصماد” عبر غارة جوية نفذها التحالف. ثانيًا،يصعب قبول هذه الرواية نظرًا لصعوبة اختراق الدائرة الأمنية في صنعاء، خاصة وأنها تشهد في الوقت الراهن عدد من الإجراءات الأمنية المشددة والانتشار العسكري الذي سبق استقبال السفير الإيراني في صنعاء، فضلًا عن التجهيزات التي تقيمها الجماعة للاحتفال بالمولد النبوي الشريف، والتي قد تشهد حضورًا واسعًا لقيادات الجماعة على كافة المستويات السياسية والعسكرية والأمنية.
  • الرواية الثانية: الاغتيال من الداخل، أُثيرت رواية أخرى بشأن الحادث، حيث رأى أنصارها أن عملية الاغتيال تأتي في إطار صراع الاجنحة والاقطاب داخل جماعة الحوثي، إذ تمر الجماعة بصراع محتدم بين عناصرها في صنعاء وصعدة، حيث يرى كل طرف أنه الأحق بالسيطرة والنفوذ والتحكم في القرار داخل الجماعة، علاوة على الخلافات حول إدارة الموارد. وبرر هؤلاء روايتهم بالاغتيالات السابقة التي تمت داخل صفوف الحوثي والتي تصاعدت منذ عام 2014 على غرار اغتيال أحمد شرف الدين، وعبد الكريم جدبان ومحمد عبد الملك المتوكل وعبد الكريم الخيواني، وصولًا لاغتيال شقيق زعيم الحوثيين في صنعاء (اغسطس2019).

 وما يرجح هذه الرواية رد فعل الحوثيين وإعلانهم المباشر والسريع عن قيام التحالف العربي بعملية الاغتيال الأمر الذي يُشير إلى رغبة الجماعة في عدم الكشف عن الفاعل الحقيقي، خاصة أن توقيت العملية يأتي وسط استعدادات الجماعة لتنظيم احتفالية كبيرة في العاصمة صنعاء بمناسبة المولد النبوي ما قد يساعد الجماعة على تمرير رواياتهم وغض الطرف عن ملابسات ونتائج الحادث، وقد بدى ذلك في وقت لاحق، عندما أعلن “محمد عبدالسلام” الناطق باسم الجماعة عن نجاح جهاز الأمن والمخابرات ووزارة الداخلية بالكشف عن هوية مرتكبي الحادث دون أن يوضح أية تفاصيل أخرى، ما يعني أن جماعة الحوثي قررت أن تغلق القضية وتُحيطها بحالة من الغموض كغيرها من الاغتيالات السياسية السابقة.

  • الرواية الثالثة: عناصر تابعة للحرس الثوري، ذهبت هذه الرواية لربط عملية الاغتيال بالتزامن مع الظهور الأول للسفير الإيراني ” حسن إيرلو” في العاصمة اليمنية خلال تسليم أوراق اعتماده كسفير لطهران لدى جماعة الحوثي، وقد دعم أنصار هذه الرواية وجهة نظرهم برغبة طهران بإقصاء وابعاد القيادات التي تميل إلى إجراء حوار مع التحالف العربي، إذ تشير عدد من التقديرات إلى ” حسن زيد” كونه أحد القيادات الداعية للحوار خاصة في ظل علاقاته الوثيقة مع مختلف الأطياف والناتجة عن خبرته السياسية والحزبية منذ تأسيس حزب الحق. وعلى الرغم من العلاقات الوطيدة بين “حسن زيد” وطهران باعتباره أحد القيادات العقائدية التي روجت للمشروع الإيراني في اليمن، إلا أن اغتياله من قبل عناصر الحرس الثوري وفقًا لهذه الرواية لم يكن لسبب سوى لإطالة أمد الحرب وافشال كافة المحاولات الداعية للحوار وقطع الطريق أمام أية محاولات مستقبلية يمكن أن تروج للتقارب وانهاء الصراع دون تحقيق طهران لأكبر قدر من المكاسب. ومع ذلك فهناك من شكك في هذه الرواية لعدة اعتبارات من بينها: أن “حسن زيد” لم يكن معتدلًا كما يروج البعض بل حاول أن يظهر بهذه الصورة، خاصة أنه كان قد دعا في أوقات سابقة إلى ضرورة تعليم الدراسة  لمدة عام وأرسال الطلاب والاساتذة إلى جبهات القتال، من ناحية أخرى ترى الأطراف المناهضة لهذه الرواية أن اتهام الحرس الثوري ما هي إلا محاولة لخلط الأوراق ولفت الانتباه عن الفاعل الحقيقي، خاصة أن زيد يعتبر الحلقة الأضعف والأسهل من حيث الاستهداف في ظل غياب الحراسه وتحركاته الدائمة بدون تأمين كافي.

تاريخ من الجرائم الغامضة

ترتبط الاغتيالات السياسية بشكل كبير بما تُعانيه البلدان من استقطاب وتشرذم وانقسام داخلي، فكلما غاب التوافق والتجانس داخل المجتمعات، وكلما تعددت القوميات والعرقيات وغابت الدولة ومؤسساتها وانتشرت الفوضى وتصاعدت حدة الصراع والنزاع الداخلي على السلطة وامتلاك القوة زادت معدلات اللجوء للاغتيالات السياسية. حيث يعمل الخصوم والأطراف المتنازعة وأصحاب المصالح المتباينة على تحقيق هدف محدد أو إيصال رسائل معينة، كما كان الوضع في أعقاب الثورة الإيرانية والتي نجم عنها اغتيال نحو 34 نائبًا إيرانيًا خلال عام 1981 في ظل مساعي النظام الجديد لتعزيز سيطرته وبسط نفوذه على البلاد. وقد تتسبب الاغتيالات السياسية في تغيير مجريات ومسار الأمور والأحداث، حيث يرى البعض أن عملية اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي ” إسحاق رابين” 1955، كانت سببًا في انهيار عملية السلام بين إسرائيل وفلسطين.

وسط هذا التوظيف وتلك التداعيات والتأثيرات المحتملة لعمليات الاغتيال السياسي، تبقى الاغتيالات السياسية حاضرة ومتجذرة في تاريخ اليمن، وقد مثل اغتيال الإمام “يحي حميد الدين” 1948 بداية لسلسلة كبيرة من الاغتيالات التي برزت على الساحة اليمنية في مختلف العصور، خاصة في كل مرحلة تشهد تحولًا كبيرًا وتغيرات فارقة. ففي أعقاب عام 1990 شهدت اليمن موجة من الاغتيالات الموجهة ضد قيادات الحزب الاشتراكي، وقد اتسعت دائرة الاغتيالات التي نالت من أعضاء الحزب وفقًا لتفسيرات دينية، حيث ظهر فصيل ديني متشدد كان ينظر للحزب وقياداته على اعتبار أنهم معاديين لتطبق الشريعة الإسلامية، ووفقًا لعدد من التقديرات فقد شهدت هذه المرحلة تعرض نحو 160 شخصية سياسية وعسكرية مرتبطة بالحزب لمحاولات اغتيال، وقد وصل حد الاستهداف إلى اغتيال ” جار الله عمر” الأمين المساعد للحزب عام 2002، ولم تقتصر عملية اغتيال القيادات اليمنية على الداخل فحسب، بل امتدت للخارج في بعض الأحيان على غرار اغتيال وزير الخارجية الأسبق ” محمد النعمان” في لبنان عام 1974، ورئيس الوزراء الأسبق ” القاضي عبد الله الحجري” في لندن عام 1977.

وقد بدأت حوادث الاغتيال تأخذ منحنى تصاعدي وتزداد كثافتها في أعقاب استيلاء الحوثيين على العاصمة اليمنية صنعاء، حيث بلغت حالات الاغتيال خلال الفترة من سبتمبر 2014 حتى يوليو 2019 نحو 451 حادثًا في عدد من المحافظات بواقع نحو 409 حادث اغتيال مباشر رميًا بالرصاص، و 34 حادث بعبوة ناسفة، وما يقرب من 8 حالات بطرق أخرى. والتي تسببت في مزيد من الضحايا العسكريين والمدنيين. واتسمت أغلب الاغتيالات بحالة من الغموض والتعقيد، فلم تقدم أغلبها دليلًا واضحًا أو مقنعًا حول الفاعل.

ماذا بعد؟

فتحت عملية اغتيال ” حسن زيد” الباب أمام مزيد من الغموض حول الفاعل الحقيقي، وعلى الرغم من أن أغلب التقديرات تُشير إلى تورط جماعة الحوثي في الحادث، إلا أن كافة السيناريوهات لا تزال مفتوحة، وفيما يتعلق بالتأثيرات المحتملة أو التداعيات التي يمكن أن تنتج عن الحادث يمكننا الإشارة إلى ما يلي:

اولًا: تكرار مشهد الاغتيالات، قد تدخل اليمن خلال الفترات القادمة في موجة من الاغتيالات، سواء تلك الناجمة عن اتساع حدة الخلاف وتصاعد الصراع داخل اجنحة جماعة الحوثي والدخول لمرحلة التصفية من أجل تأمين النفوذ والقيادة، وقد بدى ذلك واضحًا خلال ساعات من الحادث حيث تم الإعلان عن اغتيال “محمد المداني” رئيس الهيئة العليا للأدوية قبل قيام الجماعة بنفي الواقعة. أو من خلال مساعي الحوثيين لحفظ ماء الوجه والقيام بعملية مماثلة ضد قيادات في الجيش اليمني أو مؤيدي التحالف العربي كرد فعل على اغتيال زيد.

ثانيًا: استهداف السعودية ودول الخليج، يمكن أن تنعكس العملية على توسيع الحوثيين لهجماتهم ضد أهداف حيوية في السعودية ودول الخليج، فبعد يوم من الحادث أعلن التحالف العربي عن تدمير 6 طائرات بدون طيار أطلقتها الجماعة تجاه السعودية، وقد تزامن ذلك مع تحذير السفارة الأمريكية (28 أكتوبر) لرعاياها من هجوم محتمل قد يستهدف الرياض.

ثالثًا: تعثر مسار التسوية، تشهد الساحة اليمنية مؤخرًا جهودًا تستهدف تخفيف حدة المعاناة الإنسانية في اليمن، وقد مثلت عملية تبادل الأسرى بين الجانبين مدخلًا علق عليه البعض الآمال في تجدد النقاشات الرامية لتسوية الأزمة وحلحلتها، إلا أن عملية الاغتيال بالإضافة إلى تجدد دورات الصراع واستمرار الاشتباكات والمعارك خاصة في مأرب والجوف، قد تتسبب في عرقلة أية تحركات رامية لتسوية الصراع، وقد تؤدي إلى إعاقة الجهود التي يقوم بها المبعوث الأممي “مارتن غريفيث” مؤخرًا حول ما يعرف بمسودة الإعلان المشترك والتي تستهدف وقف إطلاق النار والبدء في مفاوضات سياسية بين الأطراف المتناحرة.

في الأخير، تدخل عملية اغتيال “حسن زيد” كغيرها من العمليات السابقة التي تمت في اليمن والعاصمة صنعاء ضمن الجرائم السياسية الغامضة التي تحدث وتنتهي دون تقديم دليل واضح أو تفسير حقيقي ومتماسك حول الجاني والمستفيد، رغم أن كافة الأدلة ترجح أن تكون عملية اغتيال “زيد” ناجمة عن تفاقم وتصاعد الصراع داخل جماعة الحوثي بين تيار صنعاء وصعدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى