دول المغرب العربي

الغنوشي يغلق ملف خلافته ب “الزعيم المؤسس” و يشعل الانقسامات والاستقالات داخل حركة النهضة التونسية

سعى راشد الغنوشي رئيس البرلمان التونسي وزعيم حركة النهضة الفرع التونسي لجماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، لإغلاق ملف خلافته بمنع انتقال القيادة داخل الحركة عبر تعديل معيب للائحة الداخلية يضمن له البقاء في رئاستها لمدة ثالثة، إلى اشتعال الموقف داخل الحركة المسيطرة على البرلمان التونسي .

و خرجت الأمور عن السيطرة بعدما ترددت انباء عن حصوله على الضوء الاخضر من قيادة التنظيم الدولي بلندن ومباركة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لتأبيده على رأس الحركة وتعديل مسماه إلى الزعيم المؤسس وهو ما يفتح الباب لبقائه إلى الأبد على رأسها تمهيدًا لترشحه على مقعد رئاسة تونس في الانتخابات القادمة .

الاحتجاج المتصاعد داخل الحركة على ما يقوم به الغنوشي انتقل من الغرف المغلقة إلى وسائل الإعلام بعدما أعلن مائة عضو عن معارضتهم لهذا التوجه، من بينهم أعضاء في المكتب التنفيذي للحركة ومجلس الشورى والكتلة البرلمانية بقيادة عبداللطيف المكي ونور الدين العرباوي، الذين طالبوا الغنوشي بالإعلان عن عدم ترشحه لرئاسة الحركة مجددًا خلال المؤتمر العام المقرر انعقاده ٢٠٢٠.

فيما يحاول مؤيدو الغنوشي أن يجدوا حلًا وسطًا لمعالجة نص المادة 31 من النظام الأساسي للحركة والتي تنص على أنه ‏‏”لا يحق لأي عضو أن يتولى رئاسة الحركة لأكثر من دورتين متتاليتين”، بالاتفاق مع المعارضين على مبادرة للحوار للحفاظ على وحدة الحركة وتجنب الانقسامات الداخلية، و طرح تأجيل المؤتمر العام للحركة الذى كان سيشهد انتخابات خلافة الغنوشي بسبب جائحة كورونا، من أجل الحفاظ على الغنوشي في زعامة الحركة حتى يتم تعديل اللائحة الداخلية بما يسمح له بتنفيذ مخططته للتأبيد في قيادة الحركة.

يروج مؤيدوه إلى أن بقائه على رأس الحركة يمهد لدخوله انتخابات الرئاسة بعد عامين، وفى حال نجاحه يمكن الاتفاق معه على انتقال السلطة داخل الحركة، إلا أن تلك التحركات لم تفلح في منع موجه الاستقالات التي اجتاحت الحزب، لقيادات قريبة من الغنوشي مثل عبدالفتاح مورو مرشح الحركة السابق للرئاسة و عبدالحميد الجلاصي  و زياد العذاري و رياض الشعيبي و زبير الشهودي و حمادي الجبالي، بالإضافة إلى قيادات شابه أبرزها زياد بومخله و هشام العريض .

تحركات الغنوشي كشفت الوجه الحقيقي للإخوان، فهم يريدون البقاء في السلطة للأبد، وحديثهم عن الديمقراطية والانتقال السلمي للسلطة مجرد ستار لتمرير مشروعهم الاستبدادي، الذي ينطلق من تكرار تجربة أردوغان في تركيا وبقائه في السلطة طوال 18 عامًا متواصلة تنقل فيها من منصب رئيس الوزراء إلى منصب الرئيس، مع تعديل الدستور في كل مرة ليسمح له بالسيطرة على السلطة و البقاء فيها حتى نهاية حياته.

مرر الغنوشي إلى رئيس مجلس شورى الحركة  عبد الكريم الهاروني الدعوة لمبادرة للحفاظ على دوره داخل الحركة، وتأجيل أي انتقال للسلطة بداخلها حيث تبنت المبادرة التي طرحها الهاروني على أعضاء الحركة تغيير مسمى الغنوشي من رئيس حركة النهضة إلى  ” الزعيم المؤسس”، ودعا إلى الفصل بين رئاسة الحركة والترشح للمناصب العليا في الدولة بعد انتخابات2024، وهو ما يهدف إلى أن يكون زعيم الحزب هو المرشح الرسمي للمناصب السيادية في الدولة وتقنين ذلك على مستوى النظام الأساسي للحركة مع الزام أعضاء الحركة وقياداتها بدعم زعيم الحزب ومساعدته للقيام بدوره فيما تبقى من مدته النيابية.

كانت هذه المبادرة هي الرد على مجموعة المائة الذين وقعوا على عريضة ضد ترشح الغنوشي لدورة ثالثة، ومن خلالها كشف الهاروني عن مدى ولائه للغنوشي قائلا ”رئيس الحركة الأستاذ راشد الغنوشي هو شخصية كبيرة في النهضة وشخصية وطنية كبيرة في تونس وإقليميًا ودوليًا وهذا زعيم كبير لحزب كبير ولا يمكن التعامل معه بمجرّد تطبيق قانون حرفي أي بانتهاء مهمّته نقول له أن يذهب ليرتاح ويكتب مذكّراته”.

الصدام بين انصار الغنوشي ومجموعة المائة تسببت في حالة تفكك واسعة لقواعد النهضة، حيث بدأ عدد كبير من الاعضاء في التعبير عن تمردهم على سياسة الغنوشي ورجاله بإعلان استقالتهم من النهضة، وكانت أقواهم تأثيرًا على قواعد الحزب هي استقالة عبد الحميد الجلاصي عضو مجلس شورى حركة النهضة في مارس الماضي بعد 40 سنة من العمل مع الحركة، وحاول الجلاصي التنصل من تصرفات الغنوشي بالهجوم عليه والحديث عن أن قيادات النهضة تعاملوا مع الدولة بمنطق الغنيمة .

أما مجموعة المائة فقد أصدرت وثيقة بعنوان  “مستقبل النهضة بين مخاطر التمديد وفرص التداول”،  طالبت فيها بعدم التمديد لراشد الغنوشي لولاية ثالثة، معربين عن عدم ثقتهم بالغنوشي وإنه أضر بالحركة وانه يسير في طريق الاستبداد والديكتاتورية.

و يسعى الغنوشي بكل الطرق لأغلاق الطرق أمام أي قيادي في الحركة يفكر في خلافته ويدعمه في ذلك التنظيم الدولي للإخوان، في ظل حالة الضعف التي يعيشها التنظيم بعدما انهار في مصر، واتساع رقعة معارضته في تونس والتي ظهرت خلال محاولة سحب الثقة من الغنوشي في البرلمان والتي لاقت ترحيبًا واسعًا من تيارات تونسية عديدة شعرت بالضجر من احتكار الإخوان للسلطة ودعمهم للتيارات المتشددة .  

تحركات الغنوشي لم تغلق ملف خلافته وحسب بل أشارت ايضًا وبوضوح إلى أن الإخوان لم يكتفوا بالسيطرة على البرلمان، وانهم تنبهوا لخطورة منصب الرئيس بعد صراعهم مع الرئيس قيس سعيد على تشكيل الحكومة ورفضه لانخراط تونس في الصراع الليبي أو فتح تونس للتحركات العسكرية التركية بحسب الاتفاق الذى تم بين الغنوشي وأردوغان، وتهديده الصريح لهم في أكثر من مناسبة بحل البرلمان التونسي والدعوة لانتخابات قد تقصيهم خارج المشهد السياسي، وأصبح السعي للسيطرة على ذلك المنصب ضرورة من أجل تحقيق التمكين الكامل للجماعة في تونس.

تحرك النهضة المبكر نحو الرئاسة اصطدم برفض قواعد الحركة لما يقوم به الغنوشي وتياره من أغلاق أي طريق أمام تغييره، خاصة وإن الغنوشي جزء من الأزمة السياسية وتباعتها الخطيرة على حالة الاستقرار في تونس والتي اثرت بدورها على الأحوال الاقتصادية المتردية التي تعيشها منذ عام 2011، وكان واضحًا أن حركة النهضة لجأت خلال لعبة عض الأصابع مع الرئيس قيس سعيد إلى إشاعة المناخ لعدم الاستقرار السياسي وفق منهج الابتزاز الإخواني الذى لا يتغير.

ولا يختلف الوضع الساخن داخل النهضة عن ما يجرى خارجها، فقد بدأت التيارات السياسية التونسية في حملة تأديب للعقل الغنائمي للنهضة التي تسعى للسيطرة على السلطة بشكل كامل، مع افتضاح مخططهم لأخونة كل المناصب العامة في تونس ومقاومتهم لأي اجراء ديمقراطي لنزعها منهم، وهو ما ظهر خلال محاولة سحب الثقة من الغنوشي في البرلمان والتي كشفت إلى أي مدى يتشبث الإخوان بالسلطة حتى لو كانت ضد ارادة الشارع التونسي، وبالتالي أصبحت قدرة حركة النهضة على المناورة ضعيفة بعد اتساع رقعة معارضيها بما فيهم حلفائهم في اليسار والاتحاد التونسي للشغل والذين اصطفوا إلى جانب التيارات العلمانية في مواجهة الإخوان، حتى باتوا يمثلون رقمًا صعبًا في معادلة التوازنات السياسية القادمة.

فيما صدرت التيارات المعارضة الى الشارع السياسي تمسك النهضة  بأسلوب الابتزاز من أجل ‏الحصول على الغنائم الحكومية، كما صنفت النهضة على انها جزء من مشروع إقليمي مرتبط ‏بالمشروع التركي القطري الذى يسعى لإحياء الخلافة العثمانية البائدة في الشرق الاوسط، فيما تتزايد المخاوف  في الشارع التونسي على استقرار تونس خاصة مع الصعوبات الاقتصادية التي عمقتها جائحة كورونا وتراجع السياحة، و تعطيل النهضة لتحركات الرئيس قيس سعيد لإعادة التماسك للبلاد ووقف التدهور الاقتصادي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى