إسرائيل

نتنياهو ما بين الاتهامات بالفساد والإخفاق في إدارة أزمة كورونا

تشهد إسرائيل مؤخرًا موجة من الاحتجاجات المتصاعدة ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” على إثر تَعَقُّد الأوضاع في المشهد الداخلي جرّاء أزمة كوفيد-19. ويأتي ذلك تزامنًا مع انعدام الثقة في الحكومة الإسرائيلية بسبب إخفاقها في إدارة الأزمة وتردي الأوضاع الاقتصادية في إسرائيل نتيجة لذلك؛ وهو ما دفع بالآلاف للخروج في تظاهرات في مناطق إسرائيلية مختلفة مطالبين باستقالة فورية لنتنياهو المتهم بقضايا فساد.

ارتباطًا بذلك، تشهد الساحة السياسية حالة احتدام وتصاعد لوتيرة تراشق الاتهامات بين كل من أطراف الائتلاف الحاكم في إسرائيل، “الليكود” و”أزرق أبيض”، بل امتد الأمر لخلافات داخل الحزب الواحد بشأن تقييم تعاطي الحكومة مع أزمة وباء كورونا، حيث تتهم شخصيات وأحزاب سياسية نتنياهو بالفشل الذريع في كيفية التعامل مع الأزمة، معتبرين أنه قام بارتكاب جريمة في حق الاقتصاد الإسرائيلي الذي تراجع بشكل كبير بسبب الإغلاقات المتكررة وفرض القيود، في حين تتهمه المعارضة الإسرائيلية بتعمد فرض الإغلاق الذي تم مؤخرًا لصد التظاهرات، مما تسبب في تعالي الأصوات المطالبة باستقالته في ظل مزاعم الفساد التي ينفيها؛ في حين اتهم نتنياهو المتظاهرين بعدم احترام الديمقراطية وهاجم وسائل الإعلام الإسرائيلية التي رأى أنها تشجع المعارضة.

وبتحليل المشهد الراهن يتضح أن نتنياهو يواجه ضغطًا غير مسبوق، في ظل محاصرته ما بين اتهامات بالفساد من جانب واتهام بالإخفاق في ملف أزمة كورونا من جانب آخر، فضلًا عن تردي الأوضاع الاقتصادية جراء سياساته؛ حيث ساهم كل ذلك في تراجع شعبيته حسب استطلاعات الرأي التي جرت مؤخرًا في إسرائيل، وهو ما يجعل موقفه معقدًا للغاية من حيث البحث عن حلول لإنقاذ مستقبله السياسي.

إسرائيل على حافة الهاوية بعد تزايد حالات الإصابة

بعد تجاوز عدد الإصابات 152 ألف إصابة في إسرائيل، أعلنت الحكومة فرض الإغلاق الشامل في البلاد في شهر سبتمبر لمواجهة تفشي وباء كوفيد-19. إذ قررت تشديد إجراءات العزل العام، بعدما عبر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن القلق من أن زيادة العدوى ‏تدفع الدولة إلى “حافة الهاوية”. ‏ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تزايد عدد الإصابات في إسرائيل، فتجاوز 311 ألف حالة إصابة، حتى تاريخ 27 أكتوبر، من بينهم 467 حالة خطيرة.

واعتراضًا على الأوضاع المترتبة على ما سبق ذكره، فضلًا عن إخفاق الحكومة في إدارة الأزمة، واصلت الاحتجاجات الضغط على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو؛ إذ تصاعدت وتيرتها في أعقاب موافقة البرلمان على قانون للحد من نطاق التظاهرات في إسرائيل إذ يحظر القانون الجديد تنظيم مظاهرات على مسافة تزيد على كيلومتر واحد من منازل المتظاهرين ويفرض تباعدًا اجتماعيًا أكثر صرامة في إجراء قالت الحكومة إنه يهدف إلى الحد من إصابات كوفيد-19، حيث اعتبر منتقدو القانون أنه يشكل ضربة لحرية التعبير في إسرائيل.

وعلى الصعيد الآخر، لاقت الإجراءات المفروضة من الحكومة اعتراضًا من قبل بعض المسؤولين، حيث وصل الأمر إلى استقالة وزير السياحة الإسرائيلي “عساف زامير” احتجاجًا على قانون تقييد التظاهرات، بالإضافة إلى استقالة وزير الإسكان الإسرائيلي “يعقوب ليتسمان”، اعتراضًا على إعلان الحكومة فرض الإغلاق التام في إسرائيل. كما أبدى وزير المالية ومحافظ البنك المركزي اعتراضهما على القيود الجديدة، وقدرت وزارة المالية أن ‏العزل العام لثلاثة أسابيع سيكبد الاقتصاد خسائر بنحو 35 مليار شيكل (10.06 مليار دولار)، في الوقت الذي تشهد فيه إسرائيل ركودا اقتصاديا ‏وتخطت نسبة البطالة فيها 11 %‎.‎

في الوقت ذاته، يعاني القطاع الطبي من الضغط بسبب ارتفاع أعداد الإصابات والتي وصلت إلى 5000 حالة إصابة يوميًا، مما ساهم في زيادة الأعباء على المستشفيات الحكومية التي وصل بعضها إلى حد الإشغال الكامل، وهو ما دفع بوزير الدفاع بيني جانتس بالتقدم بطلب من الجيش لإقامة مستشفى ميداني لتخفيف العبء الزائد على المستشفيات الحكومية.

على المستوى المجتمعي، سلطت أزمة وباء كورونا الضوء على مدى هشاشة المجتمع الإسرائيلي، حيث ظهرت الشروخ المتأصلة في المجتمع بفعل الخلاف بين أطيافه، حيث شكل الحريديم بؤرة لانتشار الوباء في إسرائيل وصمموا على عدم الالتزام بالإجراءات والقيود التي فرضتها الحكومة، وهو ما ساهم في ارتفاع أعداد المصابين من الحريديم، فوصلت نسبة المصابين منهم خلال الموجه الأولى 70% من المصابين، تلك الفئة التي تمثل 10% من المجتمع الإسرائيلي. وبالرغم من فرض الحجر الشامل على مدينة “بني براك”، التي تسكنها أغلبية من اليهود الحريديم والتي تحتل المرتبة الثانية من حيث عدد الإصابات بمرض كوفيد-19 في البلاد، إلا أن السكان يرفضون الانصياع للقرارات الحكومية الخاصة بالحجر الشامل ويرون أنها تتعارض مع تعاليم التوراة.

وبالتالي، فإنه يمكن إجمال المشهد في إسرائيل في أزمة شاملة سياسية واقتصادية واجتماعية وصحية؛ كشفت عن ضعف قدرة إسرائيل على التعامل مع أزمة حادة وطويلة الأمد، وهو ما ينفي الصورة التي تحاول إسرائيل خلقها فيما يخص المرونة الاقتصادية والاجتماعية التي تتمتع بها.

تدني شعبية نتنياهو إلى مستوى غير مسبوق

كشفت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية في استطلاع رأي أجري في شهر أكتوبر، أن 54% من الإسرائيليين يريدون تنحي رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، عن منصبه ويرغبون في خروجه من الحياة السياسية. وأوضحت الصحيفة أن 28% من ناخبي حزب الليكود الذي يتزعمه نتنياهو، و57% من ناخبي تحالف أحزاب اليمين المتطرف “يمينا”، برئاسة نفتالي بينيت، يريدون أن يتنحى نتنياهو ويخرج من الحياة السياسية، لتتدهور شعبية نتنياهو، في صفوف اليمين أيضا، إلى مستوى غير مسبوق.

وأشارت الصحيفة إلى استمرار تراجع شعبية نتنياهو في الإجابة على سؤال حول “مدى الثقة بقدرته على مواجهة انتشار فيروس كورونا”، حيث أظهرت نتائج الاستطلاع أن 55 % منهم لا يثقون في نتنياهو.

وفي السياق ذاته، أظهر استطلاع نشرته إذاعة 103FM، استياء الجمهور في إسرائيل من أداء نتنياهو في مواجهة كورونا، ورأى 67 % منهم أن أداءه “سيء” إلى “سيء جدا”. وفي يوليو، أظهر استطلاع أجرته القناة 12 الإسرائيلية تراجع شعبية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لدرجة أن عدد أكبر من الناس يقولون الآن إنهم غير راضين عن تعامله مع تفشي فيروس كورونا.، وقال 46% فقط ممن شاركوا في الاستطلاع إنهم راضون عن الطريقة التي يقود بها رئيس الوزراء البلاد خلال أزمة الفيروس، بينما قال 49% أنهم غير راضين عن أدائه.

ووفقًا لمعهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، تتصاعد التحذيرات من تبعات الأزمة الصحية على المجالين الاقتصادي والاجتماعي في إسرائيل، حيث أكد المعهد في نتائج استطلاع نشره في شهر سبتمبر أن إسرائيل فقدت السيطرة على انتشار فيروس كورونا لعدة أسباب، أهمها فقدان الاستقرار السياسي الداخلي وعدم استجابة الإسرائيليين لتعليمات حكومتهم، موضحًا أن وباء كورونا يعد كارثة طبيعية لكن آثار أزمته الاقتصادية تبعاته السلبية ترتبط بشكل مباشر بطريقة إدارة الحكومة لتلك الأزمة.

انعدام الثقة في الحكومة والتوقعات بانتخابات رابعة..

ينظر معظم الجمهور الإسرائيلي للائتلاف الحاكم في إسرائيل على أنه فاشل، إذ حالت الخلافات السياسية بين كل من جانتس ونتنياهو دون تمرير الميزانية لعام 2020، وهو ما قد يسفر عن إسقاط الحكومة إذا لم يتم الوفاء بالموعد النهائي في أواخر ديسمبر، وبالتالي سيذهب الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع للمرة الرابعة خلال عامين.

وفي استطلاع للرأي العام أجراه معهد دراسات الأمن القومي (INSS) في أغسطس 2020، تم الضوء على العديد من الظواهر الاجتماعية المهمة في إسرائيل الناتجة عن جائحة كوفيد-19، إذ أشار الاستطلاع إلى انعدام الثقة لدى معظم الجمهور في القيادة السياسية ومؤسسات الدولة، الأمر الذي يؤثر بشكل مباشر على استعداد الجمهور للالتزام بالقيود المفروضة عليه، وهو ما يرتبط بالاحتجاجات السياسية الحالية. وبحسب الاستطلاع، فإن الاحتجاجات تتمتع بشرعية عامة في الأوساط الإسرائيلية خاصة في ظل تضرر مختلف القطاعات في إسرائيل، وخاصة على المستوى الاقتصادي. وعلى الصعيد الآخر، يُظهر الاستطلاع عمق الأزمة الاجتماعية، وإلى أي مدى ضعفت المرونة الاجتماعية في إسرائيل. 

ووفقًا للاستطلاع، فمعظم الجمهور الإسرائيلي لا يثق في القيادة السياسية ومؤسسات الدولة، كما يرى المواطنون أن الحكومة الإسرائيلية فشلت في التعامل مع الوضع العام، وهو ما يدل على أزمة ثقة صعبة بين الجمهور والحكومة، والتي من المفترض أن تؤثر على مدى استعداد الجمهور للامتثال للقيود المفروضة عليهم كجزء من الجهود المبذولة للحد من انتشار الفيروس.

وفي السياق ذاته، أظهر استطلاع أجرته صحيفة “معاريف” في شهر يوليو، أن 59% من المستطلعين لا يثقون في تعامل الحكومة مع انتشار الفيروس، بينما رأى 37% بأن صناع القرار يقومون بعمل جيد. ومن بين الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم يمينيون، أكد 50% أنهم يثقون بسياسات الحكومة بشأن الفيروس، بينما قال 15% أنهم لا يثقون بها.  وقال 82% من الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم يساريون أنهم لا يثقون في تعامل الحكومة مع تفشي المرض. وإجمالًا، أظهرت نتائج الاستطلاع عدم ثقة غالبية الجمهور في الحكومة الإسرائيلية والقيادة السياسية ومؤسسات الدولة، وهو ما يُفسِّر تواصل الاحتجاجات للشهر الثالث والمطالبة بتنحي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وإسقاط حكومته بسبب الفساد والفشل بإدارة أزمة كورونا وفقدان السيطرة على الجائحة.

خسائر اقتصادية فادحة.. ومحاولات لاحتواء الأزمة

أقرّ رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بأنه ارتكب خطأ بإلغاء القيود التي فرضت في مارس الماضي إثر تفشّي فيروس كورونا. وفي محاولة لاحتواء تداعيات الأزمة، أعلن نتنياهو، ووزير الماليّة، يسرائيل كاتس، عن خطّة اقتصاديّة جديدة للعام المقبل لمواجهة آثار فيروس كورونا الاقتصاديّة.

تنصّ الخطّة على إدخال منحة ماليّة لـ400 ألف عاطل عن العمل، ومنح أخرى للمصالح التجاريّة بالإضافة إلى تمديد دفع استحقاقات البطالة حتى يونيو 2021. بالإضافة إلى دفع منح لمن تجاوزت أعمارهم الـ67 عامًا حتى نهاية العام الجاري، فضلًا عن لصرف مستحقات البطالة لمن فقدوا عملهم، حيث تم إخراج قرابة مليون شخص من عملهم إلى إجازة بدون راتب بعد أن اتخذت الحكومة قرار الإغلاق.

ومؤخرًا، اجتمع المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر لشؤون كورونا لمناقشة “خطة الخروج” من أزمة وباء كورونا، كما أفاد موقع “واللا” العبري أن الحكومة الإسرائيلية تدرس قانونا بخفض رواتب المسؤولين الكبار، بمن فيهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في أعقاب الأزمة الاقتصادية التي نشأت بسبب كورونا.

جدير بالذكر أنه من المتوقع ألا يدخل الاقتصاد الإسرائيلي مسار التعافي قبل نهاية العام المقبل 2021، إذ أن الوضع الراهن في إسرائيل يضعها من بين الدول الأسوأ عالميا من حيث المصابين بالمقارنة مع عدد السكان، وحسب تقديرات مركز الأبحاث في بنك إسرائيل المركزي، فإن كل أسبوع إغلاق سيكلف ‏الاقتصاد ما يعادل 2.63 مليار دولار، وكلما استمر الإغلاق، فإن الخسائر ستتعاظم، وفق ما ذكره مدير ‏مركز الأبحاث في البنك المركزي، البروفسور “ميشيل سترافتشينسكي” في مقابلة مع صحيفة “ذي ماركر” ‏الاقتصادية.‏

وحسب قسم الأبحاث فإن الإغلاق الحالي أدى إلى تعطيل 32% من القطاع الاقتصادي، مقابل 24% في فترة ‏الإغلاق الأول، فضلًا عن تعطّل القطاع السياحي بنسبة 80%، وقطاع المواصلات البرية والجوية، بنسبة ‏‏50%، وهو ما تبعه تراجع كبير في الإنتاج.‏ وحسبما ورد بالتقرير فقد يصل الديْن العام إلى 80% من حجم الناتج ‏الإجمالي، بدلا من 60% في نهاية العام الماضي. وكان تقرير لمنظمة التعاون والتنمية للدول المتطورة ‏OECD‏ قد توقع أن يقفز الدين العام الإسرائيلي إلى 100% من حجم الناتج الإجمالي.

فضلًا عن كل ذلك فمن المتوقع أن تصل نسبة البطالة إلى 13.5%، وهي النسبة الأسوأ، التي وردت في ‏التقديرات الأخيرة، ما يعني قرابة 555 ألف عاطل عن العمل.‏

خيارات نتنياهو

يتضح مما سبق أن نتنياهو يواجه مأزقًا حقيقيًا في الوقت الراهن يُحتِّم عليه أن يبذل قصارى جهده لإنقاذ مستقبله السياسي، خاصة في ظل تصاعد حدة الاحتجاجات في الداخل وتراجع شعبيته في وقت يواجه فيه اتهامات بالفساد وتتدهور فيه الأوضاع الاقتصادية بالتزامن مع أزمة تفشي وباء كورونا، لذا من المتوقع أن يلجأ نتنياهو لأحد الخيارات الآتية للخروج من هذا المأزق:

  1. اختلاق نتنياهو لأزمات داخل الحكومة خلال الفترة المقبلة؛ والسعي لحلّها ثم الدعوة لانتخابات جديدة يتخلص معها من خصمه “جانتس”.
  2. استخدام عنصر الأمن لتغيير دفة التهديدات في المشهد الإسرائيلي، من تهديدات اقتصادية وصحية إلى تهديدات أمنية تتمثل في “إيران وحزب الله؛ وتصوير نفسه كالمخلص الوحيد لإسرائيل، وهي الطريقة التي يلجأ إليها دائمًا للخروج من أي مأزق سياسي.
  3. الاستسلام للمطالبة باستقالته أو تنحيه إجباريًا، وهو الخيار غير المرجح، حيث أن نتنياهو لا يقاتل اليوم من أجل حكمه، بل من أجل حريته وحياته في ظل اتهامه في قضايا الفساد، وبالتالي فلن يستسلم أبدا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى